المخرجة والممثلة السورية ليلى عوض: الفنانون وجدوا أنفسهم أداة بيد النظام ومنهم من تطوع وبالغ في ولائه.. والمماطلة والتسويف من الصفات الملازمة لشخصية النظام

برغم مرور 10 سنوات على انطلاق الثورة السورية السلمية التي تمت أسلمتها وتسليحها وعسكرتها، لا يزال الوضع على حاله ولا يزال السوريون صامدين في منتصف الطريق حيث لا يزال الغد مجهولا بالنسبة لمصير بلدهم في ظل تعمّق الأزمة السياسية وتشبث المعارضة بالحلول الأممية في وقت يتمسك النظام بالمضي نحو تنظيم الانتخابات الرئاسية قريبا.

وتحدثت المخرجة والممثلة السورية ليلى عوض في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن موقفها من النظام وتجربتها في فترة اعتقالها وعمّا تعرضت له من مضايقات وترهيب بسبب مواقفها الحرة، مشددة على أنها لم تندم يوما على أرائها برغم الثمن الباهظ لذلك.

س: أثار مقتل الفنانة السورية رائفة الرز جدلا واسعا الشهر الماضي خاصة أن الفنانة التي تقيم في هولندا قد عُرفت ببعض الآراء الناقدة للوضع، وفق ما تداوله الوسط الفني السوري.. هل برأيك مقتل الرز جاء ضمن مسلسل التصفيات ؟ ولماذا هذا الصمت؟

ج: بالنسبة للمرحومة الفنانة وخريجة المعهد العالي للفنون المسرحية رائفة أحمد أو رائفة الرز، لم تكن مع أو ضد النظام بل كانت صامتة ولم تعبر عن رأيها فيما يخص الثورة السورية، لا من قريب ولا من بعيد، ومقتل صديقتي رائفة يبدو- كما ذكرت شرطة هولندا- هو بسبب خلاف شخصي بحت مع طليقها الثاني .. النظام قام بتصفية شخصيات معارضة وقفت هي ضده هذا صحيح، ولكن مقتل الفنانة رائفة بعيد عن مسلسل الاغتيالات الذي تعرض له كثيرون، وقد نفت إحدى قريباتها على وسائل التواصل الاجتماعي أن يكون لها علاقة بأي شيء اسمه معارضة.

س- من الطبيعي أن ينحاز الفنان إلى جمهوره وبالتالي شعبه في طموحه نحو الحرية والعيش بكرامة، وأنت من ضمن المبدعات اللواتي تقدمن بجرأة مساندة لذلك الطموح وتعرضت للاعتقال والترهيب.. هل كان ثمن ذلك غاليا؟ وهل شعرت يوما بالندم سيدة ليلى؟

ج: لا.. لم أشعر بالندم لموقف مشرف قمت به تجاه وطني وأبناء وطني، ولكن لم أكن أتوقع حجم الخسارة الفادحة التي لحقت بي وبسورية والسوريين عموماً .. شعرت بالقهر الكبير نتيجة الخذلان الذي منينا به من قبل غالبية رجال الساسة المعارضين والفصائل المعارضة الذين يسمون أنفسهم بذلك !! لقد سلموا غالبية المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة، ولا أعرف لماذا تم تسليحهم إذا كان السيناريو المرسوم لهم هو تسليم ما أخذوه من مناطق للنظام !.. أهو لمجرد خراب سورية وبقاء النظام المجرم؟.. ما حصل لسورية شيء لا يصدق ..مستقبل أجيال قد دُمر!

س- المبدعة ليلى عوض، بماذا تفسرين الانقسام الذي يصعب رأبه خاصة بعد حملات التخوين في الوسط الفني في ما يتعلق بالثورة؟

ج: حملات التخوين بداية كانت من موالي النظام والفنانين الذين تبنوا فكر النظام.. أنا أعي تماماً بأن كل إنسان حر في التعبير عن رأيه من الفنانين السوريين سواء معارضة أو موالاة وقسم منهم التزم الصمت، ولكن الذين تعاملوا بعدوانية معنا نتيجة انحيازنا للشعب، هذا هو الموقف المخزي من البعض منهم وليس الكل، طبعاً هذا مرده إلى عدم احترام رأي الآخر لأننا في نهاية المطاف نحن زملاء مهنة ومهنتنا إبداعية، وعندما يغيب العقل يغيب كل شيء إنساني للأسف .. البعض منهم مارس التشبيح علينا والانتقاص من الموقف الذي قمنا به وإرجاعه إلى أننا بعنا أنفسنا من أجل حفنة من الدولارات مثلما كان يدعي الفنان دريد لحام، وزهير رمضان وزهير عبد الكريم.. تهجموا علينا، وكل شخص منهم يريد أن يظهر نفسه أنه الموالي الأكبر للنظام.

س- كنت من بين المعتقلات بسبب آرائك الحرة ومواقفك، لو تحدثينا عن تلك التجربة برغم قسوتها؟

ج: تجربة قاسية ومريرة.. الجميل فيها أنني تعرفت على بعض النساء والفتيات المؤمنات بحرية سورية وتعدديتها وديمقراطيتها والوصول إلى خلاصها المنشود وتحطيم هولوكوست الأسد الذي مارسه على السوريين الذين طالبوا بالحرية والعدالة والديمقراطية.. احتجزوني قرابة السنتين قضائية!! ستة عشر شهراً، مارسوا كل أنواع الضغوطات النفسية والترهيبية، وغالبية السجينات سياسيات ما عدا اللواتي أقحمن بيننا لينغصوا علينا حياتنا في المعتقل الذي هو بالأساس غير مستوفٍ لأدنى مقومات الحياة الإنسانية!! ونُقلت مرغمة إلى عدة أقسام في السجن كان آخرها في قسم القتل، وكان لنا فيه غرفتان وفي كل ساعة نحن على احتكاك مع القتلة !! هذا بالإضافة إلى ظرفي الصحي السيء الذي رافقني طيلة فترة السجن، كنت أعاني من نزيف تطور إلى حاد ولم أعالج ولا يوجد طبيب مختص في السجن ولم يسعفوني عندما ساءت حالتي أكثر إلا في المرحلة الأخيرة من مرضي وأخذوني إلى مشفى الشرطة بسيارة مخصصة لجلب الطعام الذي يحضرونه للسجناء!! هذا عدا الكثير من المعاناة في سجن عدرا، كنا نعاني من انقطاع الكهرباء والمياه، وتلوث المياه وقلة الغذاء.. وأصبت بفقر الدم نتيجة النزيف الشديد الذي لازمني طوال فترة الاعتقال.. تعرضت لعملية قاسية جداً في مشفى الشرطة ولم تكن التدفئة متوفرة وكان البرد شديد جداً .والحمد لله أنني خرجت في نهاية المطاف من هذا المعتقل اللا إنساني.
-حصلت على حريتي من هؤلاء المجرمين وكنت تحت رحمتهم سنة كاملة أخرى مع منعي من السفر وغادرت بعدها سورية بعدما استطعت إلغاء منع السفر وكان منعين من السفر وليس منعاً واحداً.. كان المطلوب مني هو عدم التحدث عما حصل لي وأنا في السجن وعدم الالتقاء بأي شخصية معارضة.

س- بماذا تفسرين المماطلة والتسويف في ملف المعتقلين السياسيين؟ وهل في تهميش الملف موقف ؟ولماذا برأيك هذا الصمت إزاء الكشف عن الحقيقة؟

ج: المماطلة والتسويف من الصفات الملازمة لشخصية النظام وليس فقط بالنسبة لملف معتقلي الرأي السياسيين.. النظام يلعب باستمرار على الزمن في الحصول على مبتغاه، ومنذ بداية الثورة وهو يماطل لأنه يعرف أن في المماطلة سيكون الوقت لصالحه، ولكن طالت الفترة كثيراً وهي الآن لم تعد في صالحه.. ويجب أن نعترف بأنه نظام مٌحنَّك مُتمَرِّس في السياسة ومداخلها ومخارجها أكثر بكثير من المعارضة في الطرف المقابل. لكن الذي كان يخشاه قد حصل وهو “فضيحة قيصر”.. إلا أنه في الواقع هناك في السياسة دائماً مساومات من تحت الطاولة وهذا ما سوف ينكشف في وقت قريب ..غالبية دول العالم وقفت مع النظام، ومن صمت منها هو موافق على ما يقوم به من ممارسات للأسف. النظام لا يخاف أحداً باع كل شيء في سوريا من أجل البقاء.