المرصد السوري لحقوق الانسان

المخرجة والممثلة السورية واحة راهب: الحلّ في سورية يمرّ عبر المقررات الدولية.. والاستقرار لن يتم دون انتقال سياسي بصلاحيات كاملة

لا يزال الوضع في سورية يسوده الغموض، مع تعشب الأزمة وإجراء الانتخابات التي تقول موسكو إنه من الممكن إعادتها في صورة ما إذا تم الاتفاق على انتقال مرحلي تتفق حوله كل الأطراف في الداخل والخارج..
الغموض المتواصل لا يدفع ثمنه من التعب والجوع غير الشعب السوري الذي كلّ وملّ الوعود الدولية بإقرار التسوية السياسية وإنهاء الحرب والصراع المستمر.
وترى المخرجة السورية والممثلة المبدعة واحة راهب، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن الحل في سورية يبدأ بتنفيذ المقررات الدولية التي تم الإجماع عليها من قبل جميع الأطراف المتصارعة والقوى الكبرى.

س – برغم التهجير والمعاناة والمأساة التي يعيشها الشعب السوري منذ 2011 بعد عسكرة الثورة وأسلمتها، هل ترين آفاقا لانتصار الثورة التي طالما حلمت به؟

ج- برغم أن عسكرة الثورة وأسلمتها فرضت فرضاَ لدفعها إلى معركة غير متكافئة، بين نظام مدجج بأعتى الأسلحة وبالطيران الحاسم في المعارك، والمدعوم والمحمي عسكريا من بعض القوى وكذلك بسلاح الإعلام الأخطر في عصرنا الحديث، في مواجهة شعب أعزل مُنع عنه امتلاك أي منصة إعلامية حقيقية دون وصاية دولة ما على فكرها، مثلما مُنع عنه حتى مضادات الطيران ليحمي نفسه من الإبادة العلنية ويحافظ على مناطقه المحررة، بينما تم تسليح ودعم الإسلاميين والسلفيين ليسيطروا على مفاصل قيادة الثورة، بفعل ممنهج ومقصود به تخويف العالم المصاب (بالإسلاموفوبيا) لصالح النظام الذي يدعي العلمانية التي هو منها براء، لإنهاء تلك الثورة التي لا مصلحة لأحد من قيادات العالم-حتى الحليفة منها- في انتصارها.. برغم ذلك كله هي ثورة استرخص شعبها دماءه وكل ما يملك لتحقيق حريته، وقاوم تحالف قوى عديدة توحدت ضده،حيث استباحت عدة احتلالات أجنبية أراضيه وثرواته الباطنية.. شعب دفع كل تلك الأثمان الباهظة من دمائه وأبنائه وأملاكه،ولا يزال إلى الآن يقاوم ويهتف باسم ثورة الحرية، بصدر عار ضد حكم الاستبداد وحكم المستعمرين لبلاده، هو شعب يراهن على نصره مهما طال الزمن.

س- جميعنا نعلم أن للفنان والمثقف قدرة هائلة على الإقناع والتأثير وإيصال صوت أبناء شعبه.. كيف تقيمين- وأنت المثقفة الثائرة- دور الفنان السوري منذ الثورة؟

ج- للفنان والمثقف دور ريادي لا يستهان به في التأثير والإقناع، لذلك سعت كل أطراف الصراع إلى استقطاب أصواتهم، وخاصة من قبل النظام الذي أسس لشراء ذمم الكثير منهم ليغطوا ويزوروا حقائق جرائمه، في حين وقف مع الثورة وانتمى إليها الكثير من المثقفين والفنانين الذين لم يخذلوها أبداً، لكن تم تحييد وإفقار وحتى تجويع أصحاب الضمير غير القابل للمساومة منهم. وللأسف تأثيرهم الذي يوصل صوتهم إلى أبناء شعبهم، بات مرهوناً بامتلاكهم المنبر الحر الإعلامي، كأهم سلاح تدار به الحروب في عصرنا الحديث. وهو أمر متوفر للنظام ومواليه وليس متوفرا لأبناء الثورة المحكومين بمحدودية المنابر العاجزة عن لمّ كل الطاقات الثقافية والابداعية لقوى الثورة وإطلاقها بحرية، دون وصاية من الجهة الممولة عليها.

س- يقول بعض المثقفين السوريين الثائرين والمنحازين إلى الشعب والثورة إنه لا يوجد أيّ معنى لكلام المثقّف في بلد ومجتمع أو في نظام، تُسيطر عليه فكرة القداسة: قداسة الرئيس، وقداسة أقواله، وقداسة الحزب والجيش.. ما تعليقك؟

ج-الكلمة النابعة من فكرة وحلم هي أساس الوجود، والفكرة لا تموت طالما يغذّيها الحلم بتحقيقها، فإن تمكن رأس النظام عبر فكرة، من فرض قداسة على وجوده وأقواله، فالمتضررون من تلك القداسة ممن جاع للحرية والكرامة قبل جوعه للقمة العيش، حطموا تلك المقولة حين حطموا حاجز خوفهم من هذا النظام، وأثبتوا وَهْمَ وزيف تلك القدسية القائمة على ترهيب الشعوب بالقدسية والعنف لضمان إسكاتها.. لا شك في أنه لا قداسة في واقع وجود رأس نظام استحكم شعبه واستباح دمه وسيطر عليه بحكم آلية الخوف واستخدام سلاح الطيران المدعوم من إحدى أقوى قوى العالم، في مواجهة شعب أعزل لا يُسمح له بأن يضاهي النظام بالتسلح!
نظام مجرم يبيد ويهجر ويعتقل نصف شعبه، ويستبد على نصفه الآخر بإرهابه وتخويفه، أين القداسة لديه؟
لم يعد ذلك خافيا عن أحد، فإغداق القدسية عليه هي لإقناع الذات أولاً وأخيرا وهذا ديدن الأنظمة المستبدة التي باتت هدفاً لسخرية وانتقاد العالم.

س- أصدرت مؤخراً رواية “حاجز لكفن” وظفتِ من خلالها تجربتك في التمثيل والإخراج لرسم صور تصف المعاناة المزدوجة للنساء السوريات في السلم كما في الحرب.. حدّثينا عن الرواية وعن مأساة المرأة السورية التي خُذلت من الجميع؟

ج-(حاجز لكفن) تسلط الضوء على استباحة النظام لحياة الناس قبل الثورة وبعدها، والمسالخ البشرية المسماة بالمعتقلات التي تجرد البشر من إنسانيتهم، وتحولهم إلى مجرد عبيد وأدوات لخدمة النظام ومصالحه. ما يجعل منهم مجرد أحياء أموات، يحملون كفنهم بكل خطوة يخطونها، فهي كفيلة بدفعهم إلى الانتقال إلى الضفة الأخرى من البرزخ الفاصل بين الحياة والموت. فما بالنا إن استبيحت حياتهم وكراماتهم أمام أحد حواجز الموت، وحين تكون المستباحة امرأة مقموعة أصلاً من كل الجهات، بالإضافة إلى قمع مرضها النفسي (رهاب الموت) ما يجعل حياتها عبارة عن عدة أشكال من الموت المتلاحق، برغم أنها هامشية لا تشكل خطراً على أحد. لكن هذا الاضطهاد المزدوج هو بحد ذاته أكبر دافع لها لتحطم هامشيتها لتصبح ذات فعل سلبي أو إيجابي، قد يكون سبباً في تشكُّل التطرف الذي هو نتيجة تطرف الطرف الآخر في قمعه لها.
حاولتُ تفعِيل كل حواسي وهواياتي الفنية، سواء أكانت إخراجية أو تمثيلية أو كتابية لصالح شخصيات وأحداث رواياتي، لذا قد يعكس السرد الوصفي نمطية سينمائية أتخيلها كصورة حقيقية، وأنبض بكل انفعالاتها لأتمكن من تجسيدها على الورق، بتكامل بين كل عناصر إبداع الفن الروائي والسمعي البصري يفيده ولا يضره، بل يجعل من الروايات المميزة مادة مطلوبة لتتحول بصرياً إلى أفلام سينمائية تغنيها بدورها.وسخرت رؤيتي كممثلة وكاتبة ومخرجة لاستنباط تفاصيل مأساتهن، بأن أتغلغل بعمق أحاسيسهن ونوازعهن الداخلية بروح تقمصية تعاين عن قرب شتى أنواع العذاب القهري الممارس عليهن من المجتمع ككل ومن العائلة والمدرسة وكل مؤسسات الدولة.حاولتُ بناء عالم متكامل لشخصية بطلتي الهامشية، وبقدر ما هي من نبع الخيال بقدر ما هي حقيقية تنبض من لحمٍ ودم، أعيش معها هواجسها وحتى أمراضها النفسية، ويمكنني استنباطها بغنى تفاصيلها من خيالي ككاتبة ومخرجة، ومن مشاعري كفنانة قادرة على تقمص جميع الشخصيات ومعايشة أحزانها وعذاباتها وأحلامها بمصداقية كأنها آلامي الحقيقية، وأوصل صرخاتها لأبرأ أنا نفسي من آلامها التي سكنتني زمناً بعد أن رأيتُ وقرأتُ شهادات المعتقلات حول تعذيبهن الوحشي في تلك المسالخ البشرية، خاصة أن التطرق إلى قضية المعتقلين الرجال هو ما يتم غالباً، برغم أن المرأة مزدوجة المعاناة.

س- الحرّية أسمى هدف تنشده الشعوب، وعندما يشتد القمع والظلم تهون قيمة الحياة أمام الحرية.. ماهي رؤيتك بالخصوص؟

ج-اليوم الذي حطّمنا فيه حاجز الخوف وهتفنا للحرية والكرامة، كان هو يوم إعلان مولدي الحقيقي ومولد شعب مارد انطلق من قمقمه. وما عاد بإمكان أي شيء أو أحد إعادة المارد إلى ذل احتباسه هذا، أو أن يعيش حياة الدواب التي كان مكتفياً بعيشها، يعلف ويؤتمر بقيادة قاتليه ومدمري مستقبله ومستقبل أبنائه وبلده.. لم ولن أندم يوماً على استعادة حياتي مهما تأخر نصرنا وحلمنا بتحقيق الحرية واكتمال ولادتنا ونضج ثورتنا.
بانتمائي إلى ثورة الحرية وجدت أسمى هدف لوجودي ومُنِحتُ أعظم قيمة لحياتي، يهون.. بل يطيب أمامها الموت.

س- الحل في سورية وإنهاء الحرب ومحاسبة كل من أجرم بحق سورية وشعبها.. في رؤيتك ، كيف يكون ومن أين يمرّ؟

ج- لن يتحقق الحل ويتم الاستقرار دون انتقال سياسي بصلاحيات كاملة تنهي نظام الاستبداد وحكم الأسد، وتؤسس لدولة ديمقراطية مدنية حيادية تجاه الجميع، تستفتي على دستور جديد للبلاد، يكرس مبادئ حقوق الإنسان والعدالة والمساواة بين جميع أبناء الشعب الواحد، بغض النظر عن اختلافاتهم الدينية والعرقية والإثنية والجنسية والأيديولوجية، وتحقق العدالة الانتقالية ومحاسبة كل من ارتكب الجرائم بحق شعبنا من كل الأطراف، وبإعادة هيكلة الجيش والجهاز الأمني والقضائي والتشريعي، وإعادة تفعيل دور هذه المؤسسات الحقيقي في حماية المواطن وحدود بلاده من قوى الخارج، وليس حماية شخص في النظام يتشبث بكرسي الحكم ضد شعبه، على حساب تدمير البلد بأكمله.وللأسف لا يبدو أن القوى المدعية إشرافها على إيجاد الحل والمخرج للشعب السوري معنية حقاً بتحقيق ذلك، بل على العكس، هي تدفع باتجاه تعفن الوضع القائم واستنقاعه، دون أي نيّة لتحقيق التغيير المنشود، لتبقى البلاد في حالة صراع وتأجج، تسهل لهم عملية تقاسم الكعكة بتقسيم البلاد.

س- من المفترض أنك ككل السوريين قد تابعت “الانتخابات الرئاسية” التي فاز فيها النظام بنسبة95 بالمائة.. ما قراءتك لها وأي شرعية لانتخابات شارك فيه ربع الشعب فقط؟

ج-تلك المسرحية الهزلية التي أطلق عليها زوراً لقب انتخابات، هي كعادتها من قبل هذا النظام الفاقد تماماً لأي شرعية، عملية مزيفة ومذلة ومهينة ليس فقط لكل سوري أرادت منه تلك الانتخابات المزيفة أن تكمل دوسها على رقبته، وتثبت له أن العالم الصامت يحمي التزوير المافيوزي ضد إرادته الحرة، بل هي مهينة أيضا لكل ما يسمى انتخابات، ولكل مبادئ الحرية والكرامة الإنسانية المنتهكة علناً، لعالم يدعى أنه حر،بينما يكتفي ببعض صيحات الرفض والاستنكار دون إرادة فعل حقيقي تعيد إلى العملية الانتخابية ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان هيبتها ومصداقيتها. أثبت رأس النظام أنه لايستحق أن يكون رئيساً شرعياً ليس للبلد فحسب، بل لأي فئة من الشعب، حين يسمح لنفسه باعتبار معارضيه ثيرانا وخونة!!

س- هل يمكن أن تكون فكرة تشكيل مجلس عسكري المخرج من المأزق في سورية؟

ج-من يريد حقيقة الحل لسورية فسيجده في تطبيق مقررات جنيف التي تم الإجماع عليها من قبل جميع الأطراف المتصارعة وقوى العالم الكبرى، وفي تحقيق المرحلة الانتقالية للحكم بكامل الصلاحيات تنهي الاستبداد وحكم الإجرام، بعيدا عن المناورات وحالة الإلتفاف على المقررات الدولية ، تارة عبر التحجج بعدم وحدة المعارضة ، وتارة عبر إضافة سلة الإرهاب إلى السلال السابقة لتمييع القرارات والوقت الذي ثمنه باهظ من دماء شعبنا، وتارة ثالثة عبر السماح باختراق أستانا وغيره من المؤتمرات الالتفافية المضيعة لحقوق شعبنا ووحدته وإنجازاته المتفق عليها عالمياً، وتارة أخرى عبر تسبيق سلة اللجنة الدستورية الفاشلة على أولوية المرحلة والحكم الانتقالي الذي يفترض أن ينتج عنه تشكيل لجنة دستورية يستفتى شعبياً -وليس استعمارياً – على مقرراتها، وأخيراً بالالتفاف عبر فكرة تشكيل مجلس عسكري لن يتم إقراره أصلاً، لعدم وجود نيّة حقيقية في إيجاد أي حل خارج إطار تمييع الوقت وإضاعته، ليتم تكريس حالة الاستنقاع واستمرار بؤر الصراع و”الفوضى الخلاقة” التي تبيح لجميع القوى المستعمرة لبلدنا تقسيمه واستغلال ثرواته. وحتى إن شكلت هيئة المجلس العسكري ضرورة، فليس كمجلس حكم قد يعيد إنتاج الاستبداد، بل كحليف حامٍ للانتقال السياسي الديمقراطي، وتحقيق السياسة الاستراتيجية للدولة وصون الدستور والحريات، وتأمين الظروف الآمنة لإنجاح العملية الانتخابية وتثبيت وقف الحرب وإنهاء فوضى السلاح والعنف.

لتبقى على اطلاع باخر الاخبار يرجى تفعيل الاشعارات

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول