المدخل الدستوري وتسوية الأزمة السورية

27

يستحق التحرك الجاري حول إيجاد مخرج للجمود في عملية التسوية السورية عبر إنشاء لجنة دستورية وقفة متأنية، وفي إطار منظور استراتيجي شامل للصراع الدولي الدائر سورياً.


فقد تعاظم الحديث أخيراً حول بدء توافقات سياسية لتشكيل هذه اللجنة الدستورية، وبعد الحديث عن خلافات حول نسب المشاركات بين النظام والمعارضة السورية وكذا المجتمع المدني، والأخير مفهوم غامض كفيل بحسم الكفة تجاه النظام أو المعارضة بحسب من سيتم اختياره وآليات ذلك، ثم جاء مبعوث الأمم المتحدة ستيفان دي مستورا يوم الثلثاء الماضي، وفقاً لوكالة رويترز، ليعرب عن تفاؤله، مشيراً إلى أنه بدأت تظهر أرضية مشتركة. جاء ذلك بعد أن أنهى دي مستورا جولة تشاورية مع الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، وتحدث بعد ذلك عن مرجعية ما سماه مجموعة الدول الست أو النواة الصلبة، والتي تشمل أميركا، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، السعودية والأردن، مع الدول الثلاث الضامنة، أي روسيا وتركيا وإيران. وركزت التقارير والتحليلات على أن إحدى العقد الرئيسية هي مسألة تمثيل الأكراد في ظل المعارضة التركية القوية لمشاركة التنظيمات الكردية الانفصالية، وتأتي تصريحات المبعوث الأممي المتفائلة لترجح أنه إما أن تركيا قد تجاوبت مع حضور أو نوع من تمثيل هذه الأطراف ضمن اللجنة الدستورية، أو أن ضغوطاً روسية على هذه الأطراف الكردية قد دفعتها إلى قبول تهميش وجودها في اللجنة لمصلحة أطراف كردية أكثر مرونة من زاوية المطالب الانفصالية، ومن ثم لا تثير الطرف التركي وإلى حد ما سورية وإيران أيضاً.

وفي الواقع، إن المسألة الدستورية تثير عدداً من الملاحظات التي نقدر أهميتها في المشهد الراهن. أولى هذه الملاحظات أنه ليس بالأمر الجديد في عمليات تسوية صراعات الحروب الأهلية سواء كان لها امتدادات خارجية محدودة أو واسعة النطاق، أن تطرح الأمم المتحدة أو الوسطاء الخارجيون أو بعض أطراف الصراع الداخلي مسألة التعديلات الدستورية ضمن ملفات التسوية الرئيسية، خصوصاً إذا ارتبطت هذه الحروب بنظم سياسية غير ديموقراطية، إلى حد أن بيروقراطية الأمم المتحدة تطرح هذا الملف في شكل روتيني أحياناً من دون اعتبار لخصوصية نماذج الصراعات المختلفة والبنية الاجتماعية السياسية والقانونية للمجتمعات المختلفة، وأنه قد تتوافر الأنظمة القانونية الكافية إلا أن الممارسات السياسية قد تحتال في الالتفاف حولها وتعطلها، ولكن يبقى أن هذا البعد كان أحد المحاور الرئيسية في صيغ عدد من التسويات التي قادتها الأمم المتحدة، خصوصاً في حقبة التسعينات من القرن الماضي كحالة كمبوديا مثلاً. أما ثانية هذه الملاحظات، فهو أن اللافت أن هذا البعد كان مطروحاً في مداولات المعارضة السورية وتفاعلاتها وكذا الأمم المتحدة، ثم خفت الحديث لبعض الوقت، ثم أعادت روسيا، أي اللاعب الرئيسي في إدارة هذه الأزمة، هذا الملف الدستوري منذ أشهر عدة بدرجة من الجدية وفي شكل يثير التساؤلات، بل ترددت تصريحات وتقارير روسية عن أنه يجرى إعداد مسودة دستور سوري جديد بإشراف روسي، وهي سابقة خطيرة، كون الأمم المتحدة لم تكلف روسيا هذا الملف، فضلاً عن أنه صحيح أن التدخل الروسي في سورية جاء بدعوة من الحكومة السورية، إلا أنه لم تصدر أي تصريحات سورية في حدود علمنا تؤيد هذا التحرك الروسي الذي لو كان صحيحاً لتجاوزت دلالاته التدخل العسكري الروسي إلى حالة صريحة من الوصاية السياسية، وبما يتسق مع طبيعة الأزمة السورية وتحولاتها تراجع هذا الحديث الروسي، ثم جاء الطرح الجديد من دي مستورا وفريقه الأممي، والأرجح مما سبق أن لروسيا دوراً مهماً في بلورة رؤية فريق الوساطة الدولي لأهمية هذا الملف لحلحلة الموقف الذي يتسم بالجمود السياسي.


الملاحظة الثالثة، وتتعلق بالتعقد الشديد الذي لحق بالأزمة السورية في الشهور الأخيرة أو أقل قليلاً من عامها الأخير، بتعدد أشكال التدخل العسكري المباشر، فبعد أن كان يقتصر على حلفاء نظام الأسد وحدهم، فقد انتقل التدخل العسكري الخارجي غير المباشر لمعارضي نظام الأسد، إلى تدخل مباشر ولو محدود من جانب الولايات المتحدة وفرنسا، فضلاً عن سياسة حافة الهاوية التي سببها التدخل التركي المباشر في عفرين، من دون أن ننسى حالة إسرائيل التي تحركت في أشكال أكثر عدوانية وخطورة في الشأن السوري، وهو ما طرح سؤالاً مهماً حول ما يمكن أن يحدث بالضبط في ظل هذا الوجود العسكري المباشر لأطراف كثيرة بصرف النظر عن الأحجام النسبية لهذا الوجود العسكري. إذاً، أصبحنا أمام مشهد حرج يحتاج إلى سيناريو للخروج الجماعي أو الجزئي، ويدل على ذلك أن التغلغل العسكري التركي قد تجمد بعض الشيء، ربما لأنه حقق غالبية أهدافه، وإسرائيل قد توقفت عن ضرباتها – في ظل تردد حديث للمرة الأولى عن تفاهمات لانسحابات إيرانية من بعض المناطق يبدو أن إسرائيل لا تريدها أن تستمر فيها، وفي المجمل هناك مؤشرات إلى إدراك متزايد من جانب الأطراف الخارجية بمحاذير وصعوبات الاستمرار في الوضع الراهن، فضلاً عن أن الاستمرار مكلف مادياً ومعنوياً، ولا بد من الإجابة فيه عن سؤال الجدوى مع الكلفة، كما أن مزيداً من التورط قد يقودها إلى منزلقات يصعب السيطرة عليها، فوصول هذه الأزمة إلى هذه الدرجة العالية من التصعيد والتوتر منذ شهور قليلة عدة قد دق ناقوس الخطر، وهو ما يعني وفقاً لحسابات التحليل الرشيد، أن الأطراف الرئيسية يجب أن تبدأ التفكير الجاد في كيفية الخروج وحفظ ماء الوجه، وتحقيق الحد الأدنى المقبول لها من المكاسب – إذا كان هذا ممكناً، أو تقليل الخسائر قدر الإمكان.

وهنا أشير إلى أنني كنت من ناحية أخرى أنظر بتحفظ، وربما لست وحدي، لأي حديث في الشأن السوري تقوم فيه الأمم المتحدة أو الأطراف الخارجية بتطبيق كشكولها الجامد في عمليات تسوية الصراعات وبناء السلام، والتي تتضمن الأجندة الدستورية، على الحالة السورية، فابتداء كل صراع أو تفاوض دولي له خصوصيته، وما ينطبق على حالة قد لا يصح في الأخرى، فضلاً عن أن سورية لا ينطبق عليها ما تم في بعض حالات النماذج الأخرى، وذلك في ضوء ثراء التراث الثقافي والقانوني للأنتلجينسيا والمجتمع المدني السوري، الذي لا يحتاج إلى تدخلات خارجية بقدر ما يحتاج إلى من يفرض على النظام السوري قبول إجراء التعديلات، إلا أن ما جرت به الأمور في سورية من تطورات، جعلتني أجد في هذا المدخل الدستوري فرصة جادة لحدوث اختراق في المشهد السوري، وهو اختراق في التقدير سيتوقف على مدى حكمة دول النواة التي أشار إليها دي مستورا، وذلك في تقبل تصدر الدور الروسي في الأوضاع السورية ومساندته مقابل إخراج جميع الآخرين، وهو خيار صعب ومر، لكنه ربما يكون الحل الوحيد لإنتاج تسوية في سورية، حتى لو احتاج إلى مزيد من الوقت لإنضاجه وإكمال تحققه.

محمد بدر الدين زايد
المصدر: الحياة