المدنيون في شرق الفرات… من جحيم “داعش” إلى ابتزاز “قسد”

26

مع تواصل الاشتباكات بين “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) وما تبقى من فلول تنظيم “داعش”، تتفاقم محنة المدنيين المحاصرين من جراء المعارك والقصف، أو الفارين من مناطق الاشتباكات، نتيجة خوفهم من أن يتم اتهام الكثير منهم بالعلاقة مع “داعش”، وهو ما قد يعرّضهم لابتزاز مالي كي ينجوا بأنفسهم، فضلاً عن الظروف الصعبة نتيجة عدم توفر الخدمات الأساسية في المخيمات التي ينقلون إليها والواقعة تحت سيطرة “قسد”.

وتفيد المصادر الميدانية أن اشتباكات عنيفة تتواصل على أطراف بلدة الباغوز شرق دير الزور بين “قسد” وما تبقى من عناصر “داعش” ممن اختاروا القتال حتى النهاية، وذلك بعد هجوم فاشل نفذه عناصر التنظيم أول من أمس، وتسبب بخسائر لدى الطرفين، فضلاً عن أسر نحو 20 من عناصر “داعش”. وأعلن القائد العام لـ”قوات سورية الديموقراطية”، مظلوم كوباني، في مقابلة مع وكالة “فرانس برس”، أن الوجود العسكري لـ”الخلافة” التي أعلنها تنظيم “داعش” قبل سنوات سينتهي خلال شهر. وقال “أظن أننا خلال الشهر المقبل سنعلن بشكل رسمي انتهاء الوجود العسكري على الأرض للخلافة المزعومة”، مضيفاً “نستطيع القول إن عملية قواتنا ضد تنظيم داعش في جيبه الأخير وصلت إلى نهايتها”. وأشار إلى أن قواته ستعمل من أجل “الوصول إلى الحدود العراقية وتطهيرها، بالإضافة إلى تطهير المنطقة من الألغام وملاحقة الخلايا المختبئة فيها”. وحذر كوباني من أن “خطر داعش كتنظيم إرهابي سيستمر لفترة أخرى”. وأوضح أنه بعد طرد التنظيم من مدينة الرقة، أطلق استراتيجية جديدة بالتحول من “الولاية العسكرية إلى الولاية الأمنية”، وهذا يتضمن “تنظيم الخلايا النائمة في كل مكان وتجنيد الناس مجدداً بشكل خفي وتنفيذ عمليات انتحارية وتفجيرات واغتيالات” ضد المقاتلين والمدنيين على حد سواء. وتوقع ازدياد وتيرة عمليات “داعش” بعدما ينتهي وجوده العسكري، موضحاً أن قواته في المقابل ستواصل “عمليات التمشيط لتطهير كافة المناطق من الخلايا النائمة”، كما ستعتمد خصوصاً على “تنظيماتها الأمنية والاستخبارية، وتطوير قوات خاصة” لملاحقة تلك الخلايا.

وعلى صعيد محنة المدنيين، ذكرت شبكات إخبارية محلية في المنطقة الشرقية أن المدنيين في المراشدة، الواقعة تحت سيطرة “داعش”، لم يستطيعوا الخروج من المنطقة، إذ يتخذهم التنظيم دروعاً بشرية، في حين تشهد المنطقة قصفاً مكثفاً من قبل طيران التحالف الدولي ومدفعية “قسد”. وكانت المراشدة قد شهدت، قبل يومين، فرار نحو ألف مدني، إلى مناطق سيطرة “قسد”، ومن المتوقع أن يتم ترحيلهم إلى مخيم “الهول” في محافظة الحسكة. وفي سياق متصل، ذكرت صفحة “هجين نيوز” إن مدفعية التحالف استهدفت الخميس مكان تخييم العائلات النازحة من مناطق التنظيم قرب الباغوز. كما تعرضت المنطقة لقصف مدفعي مماثل من جانب قوات النظام الموجودة في البوكمال، مشيرة إلى أن طيران التحالف ومدفعيته يستهدفان بلدة الباغوز فوقاني بهدف إفراغها مما تبقى من أهلها وإجبارهم على الانتقال إلى بلدة الباغوز تحتاني، للفصل بين قريتي الباغوز والمراشدة بعد استهداف جميع السيارات بين معبر المراشدة والباغوز وتحويله إلى معبر للمشاة فقط. وأكدت أن الاستهداف العشوائي للمدنيين تسبب بسقوط العشرات بين قتيل وجريح. وكانت مصادر محلية ذكرت أن طائرات التحالف الدولي استهدفت قبل أيام سيارات تقل مدنيين فارين من مناطق يسيطر “داعش” عليها في بلدة الباغوز ما أدى إلى مقتل عدد منهم وإصابة آخرين. وجاء ذلك بعد ثلاثة أيام على ارتكابه مجزرة، قتل فيها 20 مدنياً، بينهم أطفال ونساء، بعد استهدافه عشرات العائلات خلال محاولتها الفرار من مناطق انتشار “داعش” في قرية الباغوز فوقاني.

في هذا الوقت، تتواصل عملية خروج دفعات جديدة من عناصر تنظيم “داعش” وعائلاتهم إلى مناطق سيطرة “قسد”. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد زاد عدد الخارجين عن الألف منذ صباح الخميس، بينهم نحو 300 من عناصر التنظيم. وأوضح أن عدد الخارجين من مناطق سيطرة “داعش” منذ مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي زاد على 28 ألفاً، من جنسيات مختلفة، سورية وعراقية وروسية وصومالية وفيليبينية وغيرها، من ضمنهم نحو 2100 عنصر من تنظيم “داعش” ممن جرى اعتقالهم، بعد تعرف السكان عليهم وإبلاغ القوات الأمنية بتسللهم، والقسم الآخر سلم نفسه بعد تمكنه من الخروج من الجيب الأخير للتنظيم.
ونشر ناشطون أشرطة مصورة لعمليات نزوح المدنيين ونقلهم إلى مخيم “الهول” في محافظة الحسكة. وتنقل “قوات سورية الديمقراطية” الفارين إلى حقل العمر النفطي في ريف دير الزور الشرقي قبل فرزهم، ونقل المشتبه بانتمائهم إلى “داعش” للتحقيق والباقي إلى مخيمات النزوح، خصوصاً “الهول” الذي تديره “الإدارة الذاتية” الكردية وتحميه قوات “الأسايش”. وذكرت شبكات محلية أن قاطني المخيم، الذين يزيد عددهم عن 40 ألف شخص، يعيشون في ظروف معيشية وإنسانية صعبة جداً، رغم أنه يضم مكاتب لعدد من المنظمات الدولية والإغاثية، مشيرة إلى أنه تم إسعاف أكثر من 25 طفلاً خلال اليومين الماضيين من المخيم إلى مستشفيات مدينة الحسكة لتلقي العلاج، نتيجة إصابتهم بأمراض مختلفة ناتجة عن سوء التغذية. كما توفي طفل حديث الولادة نتيجة الظروف الصحية السيئة. وسبق هذه الحوادث وفاة طفلة صغيرة من نازحي دير الزور في مخيم “الهول” نتيجة البرد القارس، بالإضافة إلى وفاة طفلة من نازحي حمص في حريق خيمة.

وزاد الاكتظاظ في المخيم أخيراً بعد نقل جزء كبير من النازحين من مخيم العريشة جنوب الحسكة إليه. وحسب مفوضية شؤون النازحين التابعة للأمم المتحدة، فإن نازحين آخرين اتجهوا نحو مخيم “أبو خشب” العشوائي، وهم يعانون الإنهاك بعد أن اضطروا للفرار سيراً على الأقدام، إذ قضى بعضهم أربع ليالٍ أو أكثر في العراء في ظروف مناخية سيئة. وأكدت شبكات محلية أن مليشيا “قسد” تبتز المدنيين الفارين مالياً. وحسب شبكة “فرات بوست” فإن عناصر من “قسد” يقومون في مركز “إيواء هجين” بريف دير الزور الشرقي، باحتجاز المدنيين ورفض إطلاق سراحهم قبل دفع مبلغ ألف دولار عن كل شخص. وأضافت الشبكة أن بعض المدنيين الذين تم احتجازهم، عقب خروجهم من منطقة هجين، تم اقتيادهم مباشرة إلى أحد مخيمات الإيواء المخصصة للخارجين من مناطق “داعش”، بهدف التحقق من هوياتهم كما جرى مع من سبقهم، لكن مع مرور الأيام، وانتهاء عمليات التحقيق، أخبر عناصر “قسد” الأهالي أن على كل من يرغب بالخروج دفع ألف دولار، وإلا سيبقى مكانه، ولن يسمح له بالتوجه نحو البحرة والشعيطات القريبة أو أي منطقة أخرى.

ولا تقتصر التجاوزات والانتهاكات بحق المدنيين في مخيم هجين الذي أنشئ منذ عدة أسابيع على الابتزاز المادي، لتمتد إلى المعاملة السيئة، وسط تردي الخدمات الأساسية خلافاً لما تروجه “قسد” في وسائل الإعلام عن واقع النازحين القابعين في مخيماتها. وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” ذكرت، في وقت سابق، أن السلطات التابعة إلى “مجلس سورية الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية” الكرديّة صادرت الوثائق الشخصية لسكان المخيمات، ومنعتهم بشكل تعسفي من المغادرة، ما زاد من خطر تعرّضهم للاستغلال وفصل العائلات، وتقييّد وصولهم إلى الرعاية الصحية. وأوضحت نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة، لما فقيه، أنه بسبب عدم امتلاكهم وثائق ثبوتية، ومع الغموض الذي يكتنف سبل المغادرة، بات سكان المخيمات المستضعفين مُجبرين على التعامل مع المهربين لمغادرتها أو الحصول على رعاية صحية أو الالتحاق بعائلاتهم، مشيرة إلى انتفاء الضرورات الأمنية لمثل هذه الإجراءات.

وينضم النازحون من الجيوب الأخيرة لسيطرة “داعش” إلى عشرات آلاف النازحين الآخرين ممن فروا من مناطق القتال في الرقة وغيرها. وقدرت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 125 ألف شخص من الرقة و250 ألفاً من دير الزور بسبب القتال. وقد أنشأ “مجلس سورية الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية”، بمساعدة منظمات دولية، ستة مخيمات في محافظتي الرقة والحسكة لاستقبال النازحين، اثنان منها (عين عيسى والهول) يؤويان أيضاً مواطنين أجانب في أقسام منفصلة. كما أقامت “قوات سورية الديمقراطية” نقاط تفتيش عدة للتحقيق مع الفارين، وتوجيههم نحو المخيمات بينما يتم احتجاز المشتبه بهم في مراكز أخرى. وأطلق ناشطون في 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حملة “مدنيون ليسوا داعش” لمناصرة المدنيين في دير الزور. وبحسب الحملة فإن المدنيين في دير الزور محاصرين “من قبل التحالف الدولي، وقسد، وداعش، والحشد الشعبي العراقي، والمليشيات الإيرانية ونظام (بشار) الأسد، وترتكب بشكل يومي مجازر بحقهم، راح ضحيتها مئات المدنيين خلال الأسابيع الماضية”.

المصدر: العربي الجديد