المرصد السوري لحقوق الانسان
المرصد السوري لحقوق الإنسان

المرأة السورية في تسع سنوات: ارتفاع نسب البطالة والأمية والاستغلال.. أوضاع إنسانية كارثية.. ومنظمات مدنية تدعم “إعلاميًا” فقط

المرصد السوري لحقوق الإنسان

مايو/آيار 2020

تسببت الحرب السورية التي أتمت عامها التاسع قبل نحو شهرين في تردي الأوضاع المعيشية لمختلف فئات المواطنين السوريين من رجال ونساء وأطفال. وكانت التداعيات التي حلت على المرأة السورية من بين الأكثر فجاعة على مستوى العالم، نظرًا إلى الأوضاع الصعبة التي ضربت المرأة السورية على مدار السنوات التسع الماضية، بدايةً من فقدان المنزل والزوج والأبناء مرورًا بالتشرد والنزوح ووصولًا إلى الانتهاكات التي تُمارس بحق المرأة السورية من مختلف الأطراف المنخرطة في الحرب.

المرصد السوري لحقوق الإنسان حاول الوقوف على الأوضاع المتردية التي عانت منها المرأة السورية على مدار السنوات التسع الماضية، وصولًا إلى ما آلت إليه أحوالهن في ظل تفرق مناطق السيطرة وخضوعها لأطراف مختلفة. وأجرى المرصد السوري لحقوق الإنسان استطلاعًا في مختلف مناطق السيطرة، كشف عن أن المرأة السورية تعرضت لأبشع أنواع الانتهاكات التي تتعارض مع القيم الإنسانية والمواثيق الدولية والمعاهدات الخاصة بمناطق الحروب.

مناطق النظام السوري.. معاناة مستمرة

على الرغم من تراجع وتيرة الحرب في عدد كبير من المناطق التي خضعت لسيطرة النظام، فإن الأوضاع المأساوية التي تتعرض لها المرأة السورية لم تشهد التراجع نفسه، حيث تعاني المرأة السورية بشكل مستمر من الإهمال وسوء الأوضاع والبطالة والتعدي على الحقوق الشخصية والعامة. وبحسب ما رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن وضع المرأة السورية العاملة في مناطق النظام يختلف قليلا من حيث أن النساء المتعلمات اللاتي حصلن على وظائف دائمة ومستقرة لدى النظام، يتقاضين رواتب تصل في بعض الأحيان إلى 130 ألف ليرة سورية، بينما حدها الأدنى 38 ألف ليرة سورية، ويتباين الراتب بحسب المؤهل الوظيفي للمرأة في تلك المناطق. ونتيجة الحرب، تعرضت نسبة كبيرة من الفتيات إلى ظاهرة التسرب من المدارس، ما جعل المرأة السورية في مناطق النظام أكثر عُرضة لظاهرة الجهل والأمية والبطالة.

إدلب وريفها.. أوضاع مأساوية

كانت المرأة في إدلب وريفها عُرضة للاعتقال والتغييب القسري، سواء من قبل النظام أو الفصائل الجهادية والمدعومة من تركيا أو القوات التركية. وعلى الرغم من ظهور بعد المنظمات التي تحمل الأفكار الديمقراطية والمدعومة من أوروبا والتي قدمت بعض الدعم للمرأة والبرامج التوعوية الخاصة بالمرأة، فإن المنطقة لا تزال مقيدة ومرهونة بالعادات والتقاليد، حيث حرمت الكثير من الأسر المرأة من حقها بالتعليم. 

وفيما يتعلق بتوفير الاحتياجات المعيشية، فإن نسبة قليلة جدًا من النساء تعملن في مهن مختلفة من أجل تأمين احتياجاتها واحتياجات عائلتها، إضافة إلى أن نسبة الأمية مرتفعة إلى حد كبير في أوساط النساء اللاتي تبلغن من العمر 30 عاما وما فوق، كما أن نسبة الفقر والبطالة مرتفعة بحكم العادات والتقاليد التي تحد من فرص عمل المرأة. 

وتسببت الأوضاع الكارثية التي عاشتها المرأة السورية على مدار السنوات التسع الماضية، في تزايد ظاهرة الزواج المبكر وحالات الاستغلال الجنسي والاستغلال بشكل عام، ما انعكس بشكل سلبي على الوضع المادي والمعنوي للمرأة والفتاة السورية. 

أم عبدالله، وهي مواطنة سورية تنحدر من ريف إدلب الجنوبي، تقول إنه “قبل اندلاع الثورة كنت التحق بدورة محو أمية وأحرزت تقدمًا، إلا أن اندلاع الثورة انعكس سلبا علي وعلى أسرتي على كافة الأصعدة وعلى رأسها المادية، وقد خسرنا مصدر رزقنا نتيجة النزوح”.

ونظرًا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، فإن المرأة في إدلب عانت ارتفاع نسب الفقر إلى حد كبير، ما دفع الكثير من النساء -وخصوصا الأرامل- إلى اللجوء إلى ظاهرة التسول لتأمين احتياجاتهن، خاصة وأن نسبة الأمية بين السيدات تبلغ نحو 30% تقريبا، بعد أن انخفضت إلى حد كبير نتيجة مشاركة النساء في منظمات المجتمع المدني والفرق التطوعية وافتتاح أفرع للجامعات، فيما بدأت بعض العوائل في دعم الإناث لإكمال الدراسة ليستطعن العمل ضمن المنظمات التي تطلب الإناث للعمل أكثر من الذكور. ووفقًا للمعلومات التي حصل عليها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن نسبة الفقر بين الأرامل وزوجات المفقودين تبلغ 90% تقريبا. 

وبحسب شهادة العديد من النساء، فإن الدعم المقدم من قبل المنظمات للسيدات هو عبارة عن “دعم إعلامي فقط عن طريق ورشات وحملات مناصرة لا تفيد السيدات بأي شيء”، في حين تعرضت الكثير من النساء لفقدان مصاغهن الذهبي عبر السرقة أو فقدانه في رحلات النزوح المتكررة، كما اضطرت الكثيرات منهن لبيع مصاغهن بسبب الفقر.

وتقول (ف)، وهي نازحة من قرية “أبو مكي” في ريف إدلب الشرقي، إنها كانت تملك قرابة 20 جرام من الذهب قبل نزوحها من قريتها، وكانت عائلتها ميسورة الحال، لكن مع بدء حملات القصف وتوقف عمل زوجها، بدأت العائلة تعاني من استهلاك المخزون المالي لها، ما اضطرها إلى بيع بعض مصاغها الذهبي أولًا لتنجح في النزوح ثم بيع الجزء المتبقي منه لشراء خيمة وتأمين بعض احتياجات العائلة، وبعد ذلك اضطرت إلى التسول لتأمين قوت يومها وأطفالها، مؤكدة أن “المنظمات المحلية منحتني سلة غذائية واحدة فقط خلال 6 أشهر”.

وفي ظل سيطرة الفصائل الجهادية على بعض مناطق إدلب وريفها وغياب الدور الحكومي، فإن دور المرأة يعتبر ملغيًا بشكل كامل في كل مفاصل الحياة، بسبب الأيدلوجية التي تفرضها الفصائل الجهادية على المنطقة، حيث تصل نسبة البطالة لدى المرأة في تلك المناطق إلى 95% تقريبا، ويبلغ أجر من تعملن في مجال الزراعة 3 دولارات على الأكثر يوميا، فيما يقتصر دعم المنظمات المحلية والدولية للمرأة على الدعم الغذائي في سلة قد تكون شهرية في بعض الأحيان والتي لا تتجاوز قيمتها 40$ في السوق المحلية. أما منظمات المجتمع المدني، فيكاد دورها يختفي في ظل سطوة الفصائل الجهادية وخصوصا هيئة تحرير الشام، التي تفرض على المرأة قيود صارمة وتمنع أي نشاط نسائي يهدف لتحرر المرأة ومشاركتها في قيادة المجتمع.

مناطق السيطرة التركية.. “بطش وعنف وأوضاع كارثية”

تسببت التطورات التي شهدها العامين الماضيين من سيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها على أجزاء من سوريا ضمن عمليات “نبع السلام” و”غصن الزيتون”، في تقلب الأوضاع داخل المناطق التي خضعت لسيطرة تلك القوات والفصائل. وبحسب شهود عيان، فإن سيطرة تلك الفصائل جاءت بالويلات على مختلف المناطق، حيث أكدت (س.ح.م) وهي سيدة كردية من أبناء مدينة رأس العين (سري كانييه)، أن دخول الفصائل الموالية لتركيا وسيطرتها على مدينة رأس العين كان بمثابة كارثة أجبرتها على مغادرة المدينة مع استمرار القصف التركي العشوائي واقتحام “الجيش الوطني” للمدينة.

وتؤكد السيدة الكردية، في شهادتها، أن زوجها توفي منذ 3 سنوات ولديها 3 بنات وشابين أحدهما يعيش في إقليم كردستان العراق والآخر يعيش معها لرعايتها ورعاية شقيقاته البنات، مؤكدة: “نعاني صعوبة في تأمين لمقة عيشنا، لكن وضعنا الأمني إذا بقي الحال هكذا سيكون جيدًا جدًا، ولكن إذا تعرضت الدرباسية المدينة التي أقطن فيها حاليا إلى هجوم، فلا مكان لنا نتوجه إليه مجدداً سوى البقاء في العراء”.

مناطق سيطرة “قسد”.. أوضاع صعبة على الرغم من الهدوء النسبي

أما مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي تشهده تلك المناطق، فإن الأوضاع المعيشية الصعبة عصفت بوضع المرأة السورية التي لم تعد تعرف كيف يمكن أن تدبر قوت يومها في ظل الغلاء المعيشي وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وبحسب (ع.خ.ب)، وهي مواطنة من أبناء مدينة الدرباسية من “عرب الغمر” الذين جلبهم النظام السوري إلى المنطقة ضمن سياسة “الحزام العربي”، فإن “المرأة في تلك المناطق تعيش كما بقية أبناء المنطقة من الكرد، فلا فارق بين العربي والكردي في التعامل المحلي معهما، ولا مشاكل بين الأكراد والعرب أبدًا، لكن المشكلة الرئيسية تتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة”.

وتقول (ع.خ)، في شهادتها، إن أسرتها تتكون من ثمانية أفراد يعيشون في منزل واحد ويحتاجون إلى 12 ألف ليرة سورية بشكل يومي من أجل توفير مستلزمات المعيشة، مؤكدة أن “المبلغ كبير جدا بالنسبة لنا، وهناك صعوبة في الحصول في هذه الظروف على المال، وخاصة مع انتشار فيروس كورونا وتوقف العمل”، مشيرة إلى أن بناتها “تعملن في مجال حواشة المحاصيل الزراعية لدى المزارعين بشكل يومي، وتتقاضين 300 ليرة عن كل ساعة عمل، بينما نتبادل أنا وزوجي على رعي الاغنام”.

وفي محافظة الرقة التي اشتهرت بكونها “عاصمة الخلافة” لتنظيم “الدولة الإسلامية”، أدت الأزمة السورية إلى تدهور وضع المرأة وانقسامه إلى عدة طبقات، على رأسها المرأة العاملة في الريف التي تمتهن عدة مهن مثل الفلاحة والخياطة وصناعة مشتقات الحليب، في حين تمتهمن المرأة في المدينة عدة مهن من بينها المعلمة والطبيبة والمهندسة والمحامية والممرضة والرئيسة المشتركة لأغلب الإدارات المدنية والسياسية، بالإضافة إلى انتساب المرأة للتشكيلات العسكرية والأمنية، مثل قوى الأمن الداخلي وقوات حماية المرأة المنضوية تحت لواء قوات سوريا الديمقراطية.

وفيما يتعلق بوضع المرأة المعيشي في الرقة، فإن المرأة العاملة قد تسد احتياجات الأسرة بالتشارك مع الرجل، أما الأرامل والمطلقات فيخضعن لرعاية منظمات ومؤسسات معنية بتلك الأسر، بالإضافة للمنظمات الإنسانية العاملة بالرقة. وفي الوقت نفسه، لا تزال المرأة تعاني من بعض الطقوس القبلية، حيث تعاني من النعرة الذكورية المتسلطة والنظرة الدون تحت مسمى “ضلع قاصر”، ونظرة أن “المرأة الريفية خلقت للحصاد والشتل والزواج”.

وخلال فترة سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على المنطقة، دفعت المرأة ثمنًا باهظًا لتطرف عناصر التنظيم، حيث تم منع المرأة من العمل بشكل مطلق وتم فرض الذهنية الذكورية وتوقفت مهن نسوية كثيرة خلال فترة الحرب وتوقف التعليم وحرمت أغلب الفتيات من أبسط حقوقهن بالتعليم والعمل.

وعن وضع المرأة في الرقة، تقول (ي.ن) وهي أرملة ومطلقة تزوجت مرتين الأولى وهي قاصر والثانية وهي بالغة، إنها حُرمت من أبنائها من الزواج الأول بسبب العادات والتقاليد، مؤكدة أنها تعيش في فقر تام في أحد المنازل بالرقة في حي الفردوس، ولا تمتهن أي مهنة أو تمتلك شهادة تعليم، وتعيش “تحت خط الفقر وتقتات من تصدق أهل الخير عليها”.

ديرالزور.. تحكمات مجتمعية وواقع سيء على الرغم من طرد تنظيم “الدولة الإسلامية”

أما وضع المرأة في دير الزور، فلا تزال الفتاة والسيدة السورية تعاني التحكمات المجتمعية بحكم العادات والتقاليد وإرث تنظيم “الدولة الإسلامية” على الرغم من مرور عامين من طرد التنظيم من المنطقة. وقد أدت الأعمال القتالية على مدار السنوات الماضية، إلى ارتفاع نسبة النساء الأرامل والعاملات نتيجة تحمل النساء مسؤولية إعالة أطفالهن.

وعلى الرغم من خروج تنظيم “الدولة الإسلامية” من المنطقة وإنشاء هيئة المرأة التي تعني بحماية حقوقها ومحاربة العنف ضد المرأة و تحقيق العدالة الإجتماعية وتفعيل دور المرأة في العمل السياسي ودعم المرأة اقتصاديا من خلال المشاريع والجمعيات، فإن الهيئة فشلت بشكل كامل لعدة أسباب، أهمها: رفض النساء أنفسهن لبعض القوانين التي حاولت الإدارة الذاتية وهيئة المرأة سنها، مثل تحديد النسل وتجريم تعدد الزوجات والدعوة إلى نزع النقاب والدعوة إلى الإنخراط  في المؤسسة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، حيث تنظر النساء إلى تلك القوانين على أنها “تحريض على مخالفة الشريعة الإسلامية وعادات وتقاليد المجتمع الريفي”.

وبسبب الحرب، ارتفعت نسبة الفقر في ريف دير الزور بشكل عام ولدى النساء اللاتي فقدن أزواجهن بشكل خاص، كما ارتفعت نسبة الأمية بين الإناث اللاتي تبلغ أعمارهن 20 عاما، حيث منع تنظيم “الدولة الإسلامية” الإناث من الذهاب إلى المدارس أثناء سيطرته على المنطقة، كما بلغت نسبة تسرب الأطفال من المدارس هذا العام نحو 20% أكثر من نصفهم من الإناث.

وتقول (أم محمد)، وهي أرملة ومعلمة سابقة، إنها “مريضة وعاجزة عن العمل، وما يهمني كيف أستطيع أن أطعم ابنتي وابني وأحفادي. أعيش تحت خط الفقر حال الكثير من الأرامل، والإدارة الذاتية لم تقدم لنا شيئا يقارن بما تأخذه من نفط دير الزور”، فيما تقول (سماح) وهو اسم غير حقيقي تم تغييره بناءً على طلب الشاهدة، إن “المرأة في ريف ديرالزور تحتاج الدعم المالي أكثر من أي شيء، ونتيجة للعادات والتقاليد التي تحكم مجتمعنا، نجد تجاوبًا شبه معدومًا للأفكار التي تطرحها هيئة المرأة”.

على مدار السنوات التسع الماضية، عانت المرأة السورية أبشع أنواع الانتهاكات والظروف الإنسانية الكارثية، وفي ظل عدم وضوح رؤية حول آفاق حل الأزمة السورية وسعي كل الأطراف إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من المكاسب، فإن المرصد السوري لحقوق الإنسان يدعو المنظمات الدولية المعنية بالتدخل على الفور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتحسين أوضاع المرأة السورية، ومحاسبة المنظمات المدنية المحلية التي تتلقى دعمًا وتمويلًا من المؤسسات الدولية والمتورطة بنهب ذلك الدعم دون أن تعمل على تحسين وضع المرأة الذي يتردى من سيئ إلى أسوأ بشكل شبه يومي. ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن استعادة سورية وبنائها من جديد لا يمكن أن يتم إلا بمشاركة المرأة التي تعد ركنًا أساسيًا في بناء المجتمع السوري من جديد، وفي ظل انتشار الفقر والبطالة والجهل، فإن فرص إنقاذ ما تبقى من المجتمع السوري تعد ضئيلة للغاية.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول