المرصد السوري لحقوق الإنسان : “إرضاء وعقاب”.. حملات أمنية “باتجاهين” تعيد التوتر إلى جنوب سوريا

يشهد الجنوب السوري حالة من التوتر، فرضتها حملتان أمنيتان، الأولى أطلقتها فصائل عسكرية محلية في محافظة السويداء ضد مجموعات تتهمها بالارتباط بـ”فرع الأمن العسكري” التابع للنظام السوري، بينما تقود الثانية قوات الأخير ضد مدينة طفس الواقعة في الريف الغربي لمحافظة درعا.

ورغم أن هاتين الحملتين تسيران “باتجاهين” مختلفين، سواء من ناحية الأهداف والأطراف المستهدفة، إلا أن ما يجمعهما هو “حالة التوتر”. وهذه الحالة ورغم أنها ليست بجديدة على المناطق الجنوبية في سوريا، إلا أنها وصلت في الوقت الحالي لمستويات “متصاعدة”، بحسب مراقبين.

وتخضع محافظتا السويداء ودرعا بالصورة العامة لسيطرة النظام السوري، وتقعان على الخط الحدودي، الذي يفصل سوريا عن الأردن.

وعلى مدى السنوات الماضية لم تتوقف التوترات فيهما، لاعتبارات تنوعت أسبابها ما بين الحملات الأمنية والعمليات العسكرية، التي أطلقت بشكل واسع مؤخرا في درعا على الخصوص، وتبعتها اتفاقيات عرفت باسم “التسوية”.

“قصف ومناوشات”
ومنذ الثلاثاء، تتعرض مدينة طفس في درعا لحملة عسكرية أطلقتها قوات الأسد، بـ”ذريعة” وجود مسلحين مطلوبين فيها، ما أسفر عن حملات نزوح للأهالي، حسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، حيث تعرضت منازل المدنيين لقصف بقذائف الدبابات والرشاشات الأرضية.

بدوره يوضح أيمن أبو محمود، الناطق باسم “تجمع أحرار حوران”، وهي شبكة محلية تغطي أخبار درعا أن “الحملة الأمنية ضد طفس الواقعة في ريف درعا الغربي لا تزال مستمرة حتى اليوم الخميس”، وأن المدينة تتعرض “لاستهدافات متكررة من قبل قوات النظام السوري، بقذائف الدبابات والمضادات الأرضية”.

ويقول الناشط الإعلامي لموقع “الحرة”: “هناك مناوشات مسلحة أيضا بين القوات المحلية من أبناء طفس من جهة وقوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية من جهة أخرى”، حسب تعبيره، مشيرا إلى أن: “النظام يتذرع بحملته بوجود مطلوبين، رغم أنهم خرجوا من المدينة. هو يريد فرض السيطرة لا أكثر ولا أقل”.

ولم يصدر أي تعليق من جانب النظام السوري، بخصوص ما تفعله قواته حيال طفس، وهي إحدى المدن البارزة في ريف درعا الغربي، التي شهدت خلال السنوات الماضية، توقيع سلسلة من اتفاقيات “التسوية”.

ونصّت مخرجات هذه الاتفاقيات على عمليات تسليم مطلوبين أمنيا وأسلحة وذخائر ثقيلة وخفيفة، و”تصحيح وضع ممن تضع الأفرع الأمنية أسماءهم على قوائم المطلوبين لديها”.

وتتميز محافظة درعا بوضع خاص يميزها عن باقي المناطق السورية التي دخلت في “اتفاقيات التسوية”، من حيث طبيعة القوى العسكرية المسيطرة على قراها وبلداتها، وأيضا طبيعة المقاتلين.

وهؤلاء المقاتلون ينقسمون ما بين تشكيلات أنشئت حديثا كـ”اللواء الثامن” التابع لـ”الفيلق الخامس”، وأخرى “أصيلة” في المنظومة العسكرية للنظام السوري، كـ”الفرقة الرابعة” و”الأمن العسكري” و”المخابرات الجوية”.

وألقى هذا التنوع في القوى المسيطرة بظلاله على الأرض، لتتشكل مناطق نفوذ مقسّمة داخل منطقة النفوذ المعروفة إعلاميا على أنها تخضع بكاملها لسيطرة النظام وحلفائه الروس والإيرانيين.

وحسب “مكتب توثيق الشهداء” في المحافظة، فإن درعا تشهد ما معدله 30 إلى 60 عملية اغتيال شهريا. وإذا ما تم أخذ المتوسط الحسابي لها وقورنت بالأشهر السابقة من اتفاق “التسوية” فقد يزيد عدد القتلى من جميع الفئات عن ألف شخص.

وفي شهر يوليو الماضي وحده، بلغ عدد قتلى الاغتيالات في درعا 18 شخصا، وفق المكتب الحقوقي، الذي أشار إلى أن معظمهم قضوا إثر إطلاق الرصاص المباشر والعبوات الناسفة وعمليات الإعدام الميداني، وتتضمن هذه الإحصائية المدنيين والمقاتلين السابقين فقط، ولا تشمل مقاتلي قوات النظام ومن التحق بقواته.

“حملة من نوع آخر شرقا”
إلى الشرق من درعا حيث محافظة السويداء، لا تختلف ظروف التوتر أيضا، إلا بنوعية الأسباب والجهات المستهدفة.

قبل أسبوعين، أطلقت فصائل محلية في المحافظة التي تقطنها الغالبية الدرزية حملة أمنية، استهدفت بموجبها مجموعة تسمى بـ”قوات الفجر”، وتتهم بالارتباط بفرع “الأمن العسكري” التابع للنظام السوري.

وأسفرت الحملة التي قادتها بالتحديد “حركة رجال الكرامة” عن السيطرة على كامل مقرات “قوات الفجر”، إلى جانب أسر وقتل عناصرها، وإجبار قائدها “راجي فلحوط” للفرار إلى خارج حدود المحافظة.

وصباح الخميس، تجددت الحملة لتستهدف مجموعة أخرى تسمى بـ”قوات الفهد” وقائدها “سليم حميد”، بتهمة الارتباط أيضا بـ”فرع الأمن العسكري”، والذي لطالما يتردد اسمه في كل ظرف متوتر تعيشه السويداء.

وذكر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن الحملة الأمنية للفصائل المحلية في السويداء تأتي في “إطار استمرارها في محاربة الجماعات التابعة لحزب الله اللبناني، والميليشيات الإيرانية”.

من جانبه يوضح ريان معروف، وهو صحفي ومدير شبكة “السويداء 24” المحلية أن الحملة هي استكمال للعمليات الأمنية التي أطلقت “ضد قوات الفجر التي كان يقودها راجي فلحوط”.

ويقول معروف لموقع “الحرة”: “قوات الفهد تأتي في المرتبة الثانية للحملة، من حيث القوة والنفوذ بعد قوات الفجر. هناك ارتباط عضوي بين المجموعتين”، وفق تعبيره.

ويضيف الصحفي السوري أن “مشيخة العقل وتحديدا الشيخ حكمت الهجري، مؤيد لهذا الموقف (الحملة الأمنية)”، وأنه “يوجد قرار على مستوى الطائفة في سوريا باجتثاث العصابات، وخصوصا المرتبطة بجهاز المخابرات العسكرية”.

“بعد سقوط قوات الفجر وقوات الفهد أعتقد أن ما تبقى من عصابات لن تبدي أي مقاومة”، ويتابع معروف: “هناك عصابات تسلم أسلحتها، مثل عصابة فداء العنداري في قرية الطيبة”.

وتحظى محافظة السويداء بنموذج “فريد” للقوى العسكرية والأمنية فيها، والتي تنقسم ما بين فصائل وتشكيلات محلية، البعض منها ذات نفَس معارض خالص والآخر حيادي.

في حين أن هناك قسما ثالثا له ولاءٌ خالص للنظام السوري، والأفرع الأمنية التابعة له.

وعلى وقع الحالة التي تعيشها المحافظة كانت قد شهدت، قبل أيام، وصول وفد من ضباط روس، حيث التقى قادة تشكيلات محلية، وشخصيات دينية واجتماعية، وممثل عن الشيخ حكمت الهجري.

ووصل الوفد إلى بلدة المزرعة في ريف السويداء الغربي، ومن بين قادة التشكيلات المحلية التي التقاهم “الشيخ ليث البلعوس”.

وأشار الصحفي معروف إلى أن “البلعوس” طالب الجانب الروسي بضرورة تطبيق 8 بنود بخصوص وضع المحافظة، من أبرزها: مسألة الخدمة الإلزامية لشباب السويداء، وحصرها داخل المحافظة، بسبب التجاوزات الكبيرة و”التمييز الطائفي” ضمن المؤسسة العسكرية.

كما طلب البلعوس، “إخراج المجموعات المسلحة التابعة لحزب الله وإيران من محافظة السويداء ورفض أي وجود إيراني في السويداء”، وأنه “ومنذ هذه اللحظة يعتبر أي شخص يتبع لإيران وحزب الله في السويداء هو هدف مشروع لنا”، وفق الصحفي السوري.

“إرضاء وعقاب”
ووسط ما تعيشه السويداء ودرعا من حالة توتر لم يصدر أي تعليق من جانب النظام السوري بخصوصهما. وهي سياسة لطالما اتبعها على مدى السنوات الماضية، سواء عندما شهدت الأولى حملات أمنية من جانب التشكيلات المحلية، أو في أثناء دخول الثانية ضمن “اتفاقيات التسوية”.

من جانبه يرى الباحث السوري في “مركز جسور للدراسات”، وائل علوان، أن “الجنوب السوري وبالعموم لم يستقر بشكل كامل خلال السنوات الماضية، فيما لم يتمكن النظام السوري من بسط نفوذه الأمني عليه، وخاصة منذ أن استعاد رسميا جميع المناطق عام 2018”.

وتتباين حالة الاستقرار الأمني ما بين المحافظات السورية الثلاث الواقعة في الجنوب (درعا، السويداء، القنيطرة)، وقد تمتد إلى ريف دمشق الجنوبي الغربي، وفقا لعلوان.

ويقول الباحث لموقع “الحرة”: “كانت هناك فرصة لتحقيق نسبة أكثر من الاستقرار، وإن كان نسبيا، مع التسوية في محافظة درعا العام الماضي، والتي أشرفت عليها روسيا، لكن ذلك لم يتحقق”.

وبخصوص ما يجري في محافظة درعا يوضح علوان أن “التوجه العام للنظام السوري فيها هو تأديب بعض المناطق التابعة لها”.

وذلك ما يعاكس سياسته الخاصة بالسويداء، إذ يقول الباحث: “في هذه المحافظة يحاول التهدئة وإرضاءها، دون إظهار الهزيمة”.

ويضيف “هناك عقاب لدرعا ومحاولة إرضاء للسويداء، كي لا تذهب الفوضى إلى ما هو أبعد من ذلك”.

ويتابع الباحث: “عقاب درعا يتم بالأدوات العسكرية الخشنة والمباشرة، لكن ليس بنطاق واسع قد يؤثر على الجنوب السوري بالعموم. أي عملية واسعة قد تتسبب باختلال الأمور كاملة”.

وبعد 11 عاما من الحرب بات الجنوب السوري أبرز “البقع الجغرافية المعقدة” في الخريطة السورية، وكان قد تردد ذكره كثيرا خلال الفترة الأخيرة، ولاسيما عندما اتجه الأردن للإعلان بشكل متواتر عن ضبط عمليات تهريب مخدرات وأسلحة، انطلاقا منه.

ولا يعرف بالتحديد الأسباب التي تحول حتى الآن دون فرض السلطة الأمنية والعسكرية للنظام السوري على الحدود الجنوبية لسوريا، بينما تغيب التفاصيل بدقة عن “الأطراف المستفيدة” من حالة التوتر الأمني القائمة، والتي لا توجد مؤشرات على انتهائها حتى الوقت الحالي.

 

 

 

 

المصدر:   الحرة