المرصد السوري لحقوق الإنسان: “الفرات” يحصد أرواح السوريين وسط موجة الحر

26 حالة وفاة خلال 7 أشهر بسبب التيارات المائية والطحالب على سطح القناة والغوص بعيداً

أضحت كل ضفاف الأنهار العذبة ومجاريها وكذلك برك الماء والمسابح وحتى أصغر تجمعات المياه المتناثرة في الأرياف والمدن مطلباً ملحاً لأغلب السوريين، مع ازدياد ارتفاع معدلات درجات الحرارة هذه الأيام، عسى أن تطفئ المياه الباردة شيئاً مما يقاسونه من لهيب موجة الحرّ التي تضرب سائر سطح الأرض في الآونة الأخيرة، لكن الهرب من حرارة الطقس ألهب قلوب عائلات سورية كثيرة وتسبب في غرق أبنائها في نهر الفرات.

فقد فُجع الشارع السوري خلال الأيام الماضية بفقدان أطفال وشبان فارقوا الحياة غرقاً بمياه نهر الفرات، الذي يبسط مجراه عبر أراضٍ شاسعة على امتداد الشمال والشمال الشرقي من البلاد، حيث يبلغ طوله في سوريا فقط 610 كيلومترات، إذ يدخل من مدينة جرابلس وينضم إليه نهر البليخ ثم نهر الخابور، ثم يمر بالرقة ويتجه إلى دير الزور، ويخرج منها من مدينة البوكمال الحدودية باتجاه العراق.

 السباحة في مياهه أحالت نعمة مائه العذبة إلى نقمة، بالنسبة لأصحاب الأرض على مجراه الذي عانوا مرارة فقدان أحبابهم في جوفه، وآخرها ابتلاع الفرات ستة سباحين من أبناء مدينتي الرقة ودير الزور يوم 23 يوليو (تموز) الحالي.

الفرات واصطياد الأرواح

ولطالما حظي الريفيون والأهالي في القرى على ضفاف هذا النهر بسقاية المزروعات والتمتع بالصيد الوفير من الأسماك النهرية، لكن هذا الرباط الوثيق تحول إلى “غدر ماء الفرات بالأبناء” حسب وصف حسن مقداد (30 سنة)، الذي يعتقد أن الضائقة المالية حالت دون دخول هؤلاء الضحايا المسابح الخاصة للترفيه، مع قلة عددها خصوصاً أنها غير متاحة للجميع من الباحثين عن الرطوبة. وأضاف: “للأسف يفارق الحياة الصبية والشبان القادرون على الغوص في الفرات، لا يعلمون أن تيارات النهر الجارفة أصعب من أن يقاوموها، فالنزول إلى النهر والابتعاد عن ضفافه بيدهم، ولكن العودة والخروج من مائه ليسا بإرادتهم في حال حدوث أي طارئ أو تشنج عضلي. لقد أنقذنا قبل أيام طفلاً كاد يفارق الحياة، فرحة الأهل لا تعادلها فرحة بعودته سالماً، وهنا أيضاً لا بد للأهالي من تحذير أبنائهم من المغامرة والسباحة بشكل غير آمن”.

المرصد السوري لحقوق الإنسان رصد تزايداً لحالات الغرق، ففي يوم 15 يوليو الحالي فقط، فارق الحياة خمسة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال بعد غرقهم أثناء السباحة بالمسطحات المائية في الشمال. وبحسب المرصد، فقد توزعت الوفيات على بحيرة ميدانكي في ريف مدينة عفرين وريف حلب الشمالي ومنطقة عين الزرقاء في ريف إدلب، وإنقاذ 10 مدنيين من بينهم تسعة أطفال.

الغرق في أقنية الجرّ

في غضون ذلك، وثّق المرصد حالات غرق ووفاة بلغت نحو 26 حالة وفاة منذ بداية العام الحالي 2022، بالمقابل تمكنت فرق الإنقاذ من مساعدة 50 شخصاً من النجاة في الجزء الشمالي لوحده، وفي الجزء الخارج عن سيطرة النظام، بينما تغص أقنية جر نهر الفرات التي تشق ريف حلب الواقعة تحت سيطرة الجيش النظامي والقادمة من الرقة، بالأطفال بلباس السباحة يمرحون تحت أشعة الشمس.

ويجزم آمر الزمرة في فوج الإطفاء فؤاد أتاسي، بأن ازدياد حالات الغرق يحصل في أقنية الجر القادمة من الفرات، ويعزو ذلك إلى كون المياه في القناة تبدو ضيقة وقليلة العمق، لكن الأمر ليس بهذه السهولة بحسب قوله، إذ توجد الكثير من الطحالب على سطح القناة المصنوعة من الإسفلت، والمنحدرة كذلك بزاوية 90 درجة تقريباً، ويردف: “الأمر صعب للسباح الفتي، فبعد أن تخور قوته سيواجه صعوبة في الصعود أولاً بسبب سطح القناة القابل للانزلاق، وثانياً بسبب الانحدار، وبالتالي سيكون بحاجة لمساعدة من الآخرين عبر مد حبل في حال عدم تمكنه من الخروج”.

وتطرق رجل الإطفاء الذي ساهم بعمليات الإنقاذ وانتشال الجثث الغرقى من جوف القناة، إلى تكرار سيناريو الغرق في كل فصل صيف إذ تتفاقم حالات الغرق وتكثر نداءات الاستغاثة القادمة من ريف المدينة، أو حتى من المسطحات المائية، منوهاً إلى ضرورة أن يتخذ المجتمع المحلي والأهلي دوره بالتحذير من مخاطر المغامرة تحاشياً لحدوث الفاجعة. ويتابع قائلاً “لابد من معرفة أن مياه الأنهار تختلف أعماقها من مكان لآخر، وليست كل الضفاف صالحة للغطس والسباحة”.

ويرى متابعون في هذا الشأن، أن ندرة وجود نقاط إنقاذ لسبب اتساع رقعة مجرى النهر واختراقه لكثير من القرى والمدن والتجمعات السكنية، سيؤخر عملية المساعدة وبالتالي يتولى السكان المحليون هذه المهمة، علاوة على وجود تيارات جارفة، واختلاف درجات المياه شديدة البرودة.

الحذر من القفز فوق الجروف الصخرية إلى ماء النهر، هي نداءات طالما أطلقها رجال الإنقاذ والإسعاف والإطفاء على حد سواء، لأنها أكثر الإشكاليات التي تواجههم، فالمغامرون بالقفز من ارتفاعات شاهقة لا يعلمون جيداً إن كانت أجسامهم ستصطدم بصخور أو أجسام غريبة، مثل مركبات غارقة في قعر النهر، ما يزيد من التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ، وتنخفض فرص النجاة من نهر يبتلع الشباب المغامر والأطفال الباحثين عن مياه باردة تطفئ لهيب الحرّ في هذه الفترة من السنة.

 

 

 

 

المصدر:  اندبندنت عربية