المرصد السوري لحقوق الإنسان: “القلب النابض لميليشيات الحرس”.. ماذا استهدف الجيش الأميركي في دير الزور؟

 

نفذ الجيش الأميركي، صباح الأربعاء، “ضربات دقيقة” استهدفت منشآت بنى تحتية، تستخدمها الميليشيات التابعة لـ”الحرس الثوري” الإيراني في محافظة دير الزور، شرقي سوريا، في خطوة “جاءت بتوجيه من الرئيس، جو بايدن”، وبعدما تعرضت قوات أميركية لهجمات مماثلة، خلال الأيام الماضية.

وكانت “الهجمات المماثلة” وقعت في 15 من شهر أغسطس الحالي، حيث هاجمت 3 طائرات مسيّرة انتحارية قاعدة “التنف”، التي تنتشر فيها قوات أميركية، وقوات محلية تعرف باسم فصيل “جيش مغاوير الثورة”.

وبعد خمسة أيام تعرض أيضا حقل العمر النفطي، أكبر قواعد التحالف الدولي في دير الزور، لقذائف صاروخية، دون أن يسفر الهجوم عن أي قتلى، بينما اقتصرت الخسائر على الماديات.

ووفق ما قاله المتحدث باسم القيادة الوسطى للجيش الأميركي، الكولونيل جو بوتشينو، فإن غارات الأربعاء استهدفت 6 مخابئ ذخيرة في دير الزور، تابعة لجماعات مدعومة من إيران.

وأوضح بوتشينو لـ”الحرة” أن الهدف الأصلي كان تدمير 11 مخزن ذخيرة، لكن تم إلغاء الهجوم على مخزنين، بعدما لوحظ تحرك أشخاص قريبا من موقعهما، حرصا على عدم سقوط مدنيين.

ولا تسعى الولايات المتحدة “إلى التصعيد”، حسب المسؤول الأميركي، لكنها “ستستمر في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية شعبها، وأن القوات الأميركية باقية في سوريا لضمان الهزيمة الدائمة لداعش”.

“عياش والصاعقة”

وتعد الضفة الغربية لنهر الفرات في محافظة دير الزور أبرز مناطق نفوذ إيران والمجموعات الموالية لها في سوريا، والمجموعات العراقية أيضا.

وفي تلك المنطقة لا يقتصر الانتشار على منطقة دون غيرها، بل ينسحب على مساحات كبيرة.

وتتمثل طبيعة هذا الانتشار في تأسيس قواعد عسكرية، أبرزها “قاعدة الإمام الحسين”، فضلا عن إنشاء مستودعات أسلحة وذخائر، ومراكز تدريب لعناصر الميليشيات التي تدخل بصورة دورية من الأراضي العراقية إلى السورية، وبالعكس.

وبينما لم يكشف الجيش الأميركي المواقع التي استهدفها بالاسم في دير الزور، أشار صحفيون وباحثون سوريون و”المرصد السوري لحقوق الإنسان” إلى أن الضربات طالت بالتحديد “معسكر الصاعقة” و”مستودعات عياش”.

ولطالما تردد هذان الاسمان خلال السنوات الماضية، أولا من زاوية الرصد الخاص بالتحركات والأنشطة الإيرانية، وثانيا بعدما تعرض الموقعان لضربات سابقة، كان أبرزها في مطلع عام 2021.

عمر أبو ليلى المدير التنفيذي لشبكة “دير الزور 24″، وهو طالب دراسات عليا في السياسة العامة في جامعة برنستون (الولايات المتحدة) يصف “عياش والصاعقة” بأنهما “القلب النابض لإيران وميليشياتها، من خلال تذخير المنطقة”.

ويقول أبو ليلى لموقع “الحرة”: “المستودعات والمعسكر نقطة ارتكاز أساسية للميليشيات الإيرانية. كل الأسلحة من العراق أو التي يتم إرسالها بالتبادل عن طريق الحرس الثوري تنطلق من عياش. من هذه المستودعات يتم تذخير الميليشيات في الميادين والبوكمال وريف حمص وباقي المناطق”.

وذلك ما يؤكده الصحفي السوري، بشير العباد، بقوله إن “مستودعات عياش تعتبر أهم نقطة للإيرانيين في المنطقة”.

ويوضح العباد لموقع “الحرة” أن “هذه المستودعات كبيرة، وتضم 80 بناءا. جميعها موجودة في منطقة صحراوية في الجهة الجنوبية من بلدة عياش”. تقع البلدة في ريف دير الزور الغربي، على بعد 10 كيلومترات من مركز المدينة.

وعلى مدى السنوات الماضية كانت الميليشيات الإيرانية “أقدمت على إحاطة المستودعات بالأسوار والسواتر الترابية، بينما زودت الحراسات في محيطها بمناظير وأسلحة قناصة”.

ويضيف الصحفي السوري أن غالبية العناصر المنتشرة في “عياش والصاعقة” من ميليشيا “فاطميون” و”زينبيون”، مشيرا: “لا يدخل عليهما سوى الإيرانيين أو الأشخاص الذين يأتون إلى سوريا لإجراء تدريبات. يمنع على المقاتلين السوريين دخولها”.

ويؤكد الصحفي على فكرة أن “المستودعات ذات سيطرة خالصة للإيرانيين”، وأن قوات النظام السوري لا يسمح لها بالدخول، بينما توكل بعض مهام الحراسة في المحيط، لمتطوعين محللين، ومجموعات مثل “مجموعة أبو ساري”.

“إمبراطورية أمنية وعسكرية”

وقال تقرير نشر مطلع عام 2021، على موقع “أتلاتنيك كونسيل”، إن إيران تمكنت من بناء “إمبراطورية عسكرية وأمنية” في محافظة دير الزور شرقي سوريا، عقب تدخلها في الصراع الدامي هناك لإنقاذ نظام بشار الأسد من السقوط.

وبحسب التقرير، الذي أعده الباحث السوري، نوار شعبان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه حاليا هو إلى أي مدى يمكن أن تحافظ إيران على نفوذها العسكري في دير الزور، إذا أصبحت روسيا التي تملك مصالح استراتيجية في سوريا أقل تسامحا مع تدخل إيران؟.

وكان التدخل الإيراني قد أصبح جليا في سوريا بين عامي 2013 و2018 عندما تدخلت طهران لمساعدة نظام الأسد في حربه ضد المعارضة، وعندما شاركت كذلك في محاربة تنظيم داعش شرقي سوريا، بغية فرض وجودها ونفوذها هناك.

وقد يكون أبرز هدف حققته إيران في دير الزور هو سيطرتها على مدينة البوكمال ومعبرها الحدودي مع العراق، الأمر الذي مكّن نظام طهران من تحقيق الحلم الذي أرادته منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، وهو إقامة ممر بري يوصلها إلى البحر الأبيض المتوسط ولبنان، عبر سوريا والعراق.

شعبان، وهو باحث في مركز “عمران للدرسات الاستراتيجية”، أوضح أن معسكر الصاعقة ومستودعات “عياش” يعتبران بالفعل من النقاط المهمة لإيران وميليشياتها في شرق سوريا.

ويقول في حديث لموقع “الحرة”: “المستودعات مؤمنة بشكل كبير، لدرجة أنها من المستودعات القليلة التي خندقت الميليشيات الإيرانية محيطها وأقدمت على إنشاء التحصينات”.

و”يتم استخدام المستودعات لتخزين شحنات معدة للإرسال إلى الجنوب السوري أو لبنان”.

ويوضح الباحث حديثه: “عندما يرسل الحرس الثوري الإيراني سلاحا وذخيرة من خلال البر وعن طريق دير الزور لا يتّبع عمليات النقل بدفعة واحدة. الآلية تتم على أكثر من شحنة، بعدما يتم التخزين في عياش”.

وفيما يتعلق بالمعسكر (الصاعقة) يشير شعبان إلى أنه مخصص لإجراء التدريبات، وأن “العنصر الذي ينتهي من إجرائها يكون الاعتماد عليه على نحو أكبر قياسا بالفئات الأخرى”.

بدوره تحدث الصحفي بشير العباد عن وجود “صواريخ قريبة ومتوسطة المدى في المستودعات” التي تقلت الضربات، إضافة إلى “طائرات مسيرة”.

وتوجد أيضا “مراكز تدريب تقصدها بين الفترة والأخرى حافلات قادمة من العراق، حيث تحمل عناصر من ميليشيات الحرس. هؤلاء يقدر عددهم بين ألف وألفي عنصر”.

ويتركز انتشار الميليشيات الإيرانية في أغلب المناطق الواقعة على امتداد نهر الفرات، وقبالة مواقع انتشار القوات الأميركية في العمر وكونيكو وغيرها في دير الزور.

ويضيف الصحفي السوري أنه سبق أن تلقى معلومات في يناير 2021 تفيد بأن “معسكرات عياش تشهد عمليات تجهيز لقواعد إطلاق الطائرات المسيرة”، كما أنها شهدت عمليات حفر وإنشاءات، لم تتضح طبيعتها.

ما حجم التأثّير؟

وتعتبر “ضربات الأربعاء” الثالثة من نوعها بـ”الحجم الكبير” من بين الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع انتشار ميليشيات الحرس الثوري في سوريا، منذ بداية عام 2021.

وكانت أولى الضربات ضمن إطار أول عملية عسكرية لإدارة جو بايدن، في فبراير 2021، حيث أعلن الجيش الأميركي حينها استهداف بنى تحتية، تستخدمها فصائل مسلحة موالية لإيران في شرق سوريا، مما أسفر عن مقتل 17 شخصا.

ووصف المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية، جون كيربي، في ذلك الوقت، عملية القصف بـ”الدفاعية”، موضحا: “سمح بها ردا على الهجمات الأخيرة على الطاقم الأميركي وقوات التحالف في العراق والتهديدات المستمرة ضد هؤلاء”.

وبعد أربعة أشهر، في يونيو 2021 أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عن ضربة مماثلة أيضا.

وقالت “البنتاغون” إنها نفذت ضربات جوية “ضرورية ومدروسة” ضد فصائل مسلحة مدعومة من إيران في العراق وسوريا، ردا على هجمات بطائرات مسيرة شنتها الجماعة ضد أفراد ومنشآت أميركية في العراق.

وبات من الواضح أن معظم الضربات الأميركية تأتي ضمن “سياق الدفاع عن النفس” من جهة، وكرد فعل على الهجمات التي تنفذها مجموعات “الحرس الثوري”.

وذلك ما تشير إليه التطورات الأخيرة التي سبقت “ضربة مستودعات عياش ومعسكر الصاعقة”، حيث كررت ميليشيات “الحرس الثوري” من استهدافاتها لقاعدة التنف، إلى جانب “حقل العمر النفطي”.

وقبل خمسة أيام من “ضربات الأربعاء” كان شبكة “دير الزور 24” المحلية قد نشرت تقريرا كشفت فيه أن “قيادة الحرس الثوري” عملت على نقل الأسلحة والذخائر من “عياش” إلى مستودعات قريبة وجديدة في المنطقة.

وقالت الشبكة المحلية، لتي تغطي أخبار دير الزور بانتظام، إن المستودعات الجديدة تبعد عن المستودعات القديمة مسافة  كيلومتر واحد، وما يقارب 5 كيلومترات عن الطريق العام، باتجاه الجنوب.

ويوضح مدير الشبكة الإخبارية، عمر أبو ليلى: “في الآونة الأخيرة دخل سلاح من العراق إلى سوريا”، متوقعا أن يقدم “الحرس الثوري على تصعيد ضد القوات الأميركية في شرق الفرات”، أو في التنف.

ويعتقد “أبو ليلى” أن تنفذ إيران “ردات فعل من القصف”، لكن ليس في المدى القريب العاجل، و”بشكل محدود جدا”. “الأمر مرتبط بسبب الضغوطات المتعلقة بالملف النووي”، حسب تعبيره.

من جانبه وبينما اعتبر الباحث السوري، نوار شعبان “ضربات الأربعاء” أنها “قوية بالنسبة للميليشيات الإيرانية”، لكنه يرى أنها “موجعة لحظيا”.

ويوضح حديثه بالقول: “مسار التضرر اللحظي نقطة أساسية بأن الاستهداف لا يضرب الخطة التي تعمل عليها إيران بالكامل”.

ويضيف الباحث: “بعد ضربة اليوم سيكون هناك معسكر آخر مجهزا بنفس الجودة. الضربات لن تشل إيران في نقل السلاح. جميع المستودعات تشهد عمليات تخزين منذ عام 2019. لماذا تأخر الاستهداف والتعامل مع الهدف إلى اليوم؟”. “المشكلة المتعلقة بالانتشار الإيراني تتعلق بكيفية التعامل معه”، حسب تعبيره.

 

المصدر:  الحرة