المرصد السوري لحقوق الإنسان: النظام ينتقم لاستهدافه بمجزرة في إدلب

عادت دماء المدنيين لتتصدَّر المشهد السوري، مع ارتكاب قوات النظام مجزرة في مدينة أريحا بريف إدلب الجنوبي صباح أمس الأربعاء، وذلك بعد ساعات قليلة من انفجار هز العاصمة دمشق واستهدف قوات النظام موقعاً 14 قتيلاً. وكان القصف على أريحا الرسالة الأقسى من قبل الروس والنظام للمعارضة السورية والجانب التركي الداعم لها، في سياق الرسائل العديدة التي تتوالى منذ أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي للضغط على أنقرة لتغيير معادلة الميدان في ريف إدلب الجنوبي لصالح النظام الساعي إلى استعادة أبرز الطرق الحيوية في سورية وهو طريق “أم 4”.

وأكد الدفاع المدني التابع للمعارضة مقتل 10 مدنيين بينهم 4 أطفال وامرأة، وإصابة أكثر من 20 آخرين بعضهم بحالة حرجة، جراء قصف مدفعي من قبل قوات النظام استهدف الأحياء السكنية والسوق الشعبي في مدينة أريحا جنوبي إدلب بالتزامن مع ذهاب الأطفال إلى مدارسهم. وقال الدفاع المدني على معرفاته الرسمية على وسائل التواصل، إن “المشاهد كانت مؤلمة في مدينة أريحا”، مضيفاً أن “الأطفال في طريقهم إلى مدارسهم أضحوا بين قتيل وجريح، وآخر مفقود يصارع في الطرقات بين القذائف يبحث عن أهله وبيته في الأحياء المدمرة”. ونشر صوراً تظهر جوانب من المأساة التي عاشتها أريحا جراء القصف المدفعي الذي تشير المعطيات إلى أن الهدف منه ترويع المدنيين وخلق أزمة إنسانية كبيرة عبر تهجير عشرات الآلاف للضغط أكثر على فصائل المعارضة والجانب التركي للحصول على مكاسب. من جهته، تحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 26 بجروح، جراء القصف على أريحا.

ووصف نائب منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية، مارك كاتس، تقارير القصف التي طاولت سوقاً وطرقاً بالقرب من المدارس، بينما كان الطلاب يتجهون إلى الفصول، بأنها “صادمة”. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، قُتل أربعة أطفال، إضافة إلى معلمتهم. وقالت المنظمة إن “عنف اليوم هو تذكير آخر بأن الحرب في سورية لم تنته بعد. المدنيون، ومن بينهم الكثير من الأطفال، يواصلون تحمل وطأة الصراع الوحشي الذي دام عقداً من الزمن”. وأضافت أن “الهجمات على المدنيين بمن فيهم الأطفال هي انتهاك للقانون الإنساني الدولي”.

وتعد مدينة أريحا التي تقع إلى الجنوب من الطريق الدولي “أم 4″، الذي يصل الساحل السوري في غربي البلاد بشمال البلاد وشرقها، الهدف الأبرز لقوات النظام في حال قررت هذه القوات الزحف أكثر في عمق إدلب لاستعادة الطريق بالقوة. وتقع أريحا إلى الجنوب الغربي من مدينة إدلب، مركز المحافظة التي تحمل الاسم نفسه، بنحو 15 كيلومتراً، وهي تتمتع بموقع حيوي، كونها تتموضع على سفح جبل الأربعين الذي يشرف على مساحات واسعة في محافظتي إدلب وحماة، ويقع إلى الجنوب الشرقي من أريحا. ووفق مصادر محلية، تضم مدينة أريحا اليوم عشرات آلاف المدنيين، عدد كبير من بينهم نازح من عدة مناطق سورية، خصوصاً من بلدات ريفي إدلب الجنوبي والغربي.

وجاءت المجزرة في أريحا بعد ساعات قليلة من تفجير في قلب دمشق أدى إلى مقتل عدد كبير من عناصر قوات النظام، في حادث غامض لم تتبنّه أو تعلن المسؤولية عنه أي جهة. ووفق وكالة “سانا” التابعة للنظام، تعرضت “حافلة مبيت عسكري لاستهداف إرهابي بعبوتين ناسفتين تم لصقهما مسبقاً بالحافلة”، ما أدى إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة آخرين، فيما فككت وحدات الهندسة “عبوة ثالثة سقطت من الحافلة”. ويُعد هذا التفجير الأكثر دموية في العاصمة السورية منذ العام 2017، حين أودى تفجير تبناه تنظيم “الدولة الإسلاميةة ” في آذار/مارس 2017 واستهدف القصر العدلي بحياة أكثر من 30 شخصاً.

أدى انفجار استهدف حافلة لقوات النظام في دمشق إلى مقتل 14 شخصاً وإصابة آخرين

وقال وزير داخلية النظام محمد الرحمون، في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الرسمية: “سنلاحق الإرهابيين الذين أقدموا على هذه الجريمة النكراء أينما كانوا”. وفيما لم تعلن أي جهة حتى عصر أمس المسؤولية عن هذا التفجير، قال معاون وزير خارجية النظام أيمن سوسان، في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي، إن المسؤول الأول عن هذه “الجريمة النكراء أصحاب المخطط التآمري ضد سورية وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني، لأن هذا المخطط بالأساس كان لخدمة إسرائيل وأجندتها في المنطقة، أما المسؤولية المباشرة فتتحملها أدواتهم الصغيرة ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات قذرة لخدمة المخطط التآمري ضد بلدهم وأبناء شعبهم”. واستنكر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده “الهجوم الإرهابي على دمشق”، معتبراً في تصريح أن “هذه الممارسات الإرهابية الجبانة مآلها الفشل ولا يمكن أن تترك تأثيرا على الحكومة السورية والشعب السوري وباتت عاجزة عن ثني الشعب السوري عن مكافحة الإرهاب وتحرير الأراضي السورية المحتلة”.

وتعليقاً على ذلك، وصف المحلل العسكري العميد مصطفى الفرحات، في حديث مع “العربي الجديد”، النظام السوري بـ”المجرم”، مضيفاً: “دائماً يحاول تصدير صورة للمجتمع الدولي على أنه ضحية الإرهاب وأنه يحاربه، لذا يسوّق فكرة أن كل الناس الموجودين في مناطق المعارضة السورية هم إرهابيون”. وربط الفرحات بين تفجير دمشق وبين مجزرة أريحا، مضيفاً: “النظام أو الجانب الإيراني يقف وراء التفجير في دمشق ولا يوجد طرف ثالث على الإطلاق”. ورأى الفرحات أن النظام “افتعل حادث دمشق ليبرر انتقامه من المدنيين في الشمال الغربي من سورية والتصعيد العسكري ضد البلدات والقرى في محافظة إدلب”. وأشار إلى أن “هدف النظام والروس هو الطريق الدولي أم 4″، مضيفاً: “يعمل النظام وحلفاؤه الروس والإيرانيون على هذا الهدف منذ عدة أشهر من خلال تكثيف عمليات الاستطلاع والتمهيد الناري بشتى الوسائل الجوية والأرضية في خطوة باتجاه شن هجوم بري”. وأشار إلى أن النظام “لا يمتلك إرادة قتال، والمليشيات الإيرانية التي تسانده تضم مرتزقة لا يتقدمون من دون أرض محروقة عبر القصف الصاروخي والمدفعي والجوي”. ورأى أن مجزرة أريحا “محاولة لاستنزاف سكان المنطقة وتهجيرهم ومن ثم يحاول التقدم باتجاه مدينتي أريحا أو جسر الشغور في ريف إدلب الشمالي الغربي والمنطقة الفاصلة بينهما لإحكام السيطرة على الطريق أم 4″، مضيفاً: “المعركة لن تكون سهلة وسوف يتكبّد النظام خسائر كبيرة. ربما تشن فصائل المعارضة السورية هجوماً مضاداً وتطرد قوات النظام من عدة مناطق. لن يُفتح الطريق بعمل عسكري”.

من جهته، رأى الباحث السياسي في مركز الحوار السوري محمد سالم، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “لا جديد في تكرار مجازر النظام وإجرامه”، مضيفاً أنّ “لا جدوى من محاولة البحث عن أسباب منطقية لإجرامه دائماً. استهداف المناطق المدنية السكنية الآمنة نهج دأب عليه النظام منذ بداية الثورة، والهدف استمرار القتل والتهجير بهدف إركاع معارضيه بالحديد والنار”. ولم يستبعد أن تكون مجزرة أريحا “رداً على التفجير الذي استهدف حافلة في دمشق”، مضيفاً: “النظام غير بعيد أبداً عن اصطناع مثل تلك التفجيرات خصوصاً في بدايات أي اجتماعات سياسية كما هو الحال في موضوع اللجنة الدستورية، ليتخذها فرصة للتأكيد على “محاربة الإرهاب”، وهو البند الذي كان يصر عليه ويدخله في كل الاجتماعات. توتير الموقف عموماً يؤكد أن النظام السوري بعيد تماماً عن الاستجابة لأي حل سياسي ولو كان شكلياً”.

في غضون ذلك، رفعت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام والتي يعتمد عليها في إيصال الرسائل الإعلامية لمختلف الأطراف، أمس الأربعاء، سقف التهديدات للجانب التركي في شمال غربي سورية في مؤشر واضح على أن الشمال الغربي من سورية ربما ذاهب إلى صدام جديد لتغيير معادلة الصراع. وقالت إن الطيران الروسي سيستهدف النقاط التركية في إدلب ما لم يرضخ الجانب التركي “لاستحقاقات اتفاق موسكو” الموقّع في 5 مارس/ آذار 2020، والخاص بفتح طريق عام حلب اللاذقية أو ما يعرف بطريق “أم 4″ أمام حركة المرور والترانزيت، و”اتفاق سوتشي” منتصف عام 2018 و”الخاص بفصل التنظيمات الإرهابية عن المليشيات التي يموّلها النظام التركي”، بالإضافة إلى تنفيذ “التفاهمات” التي يفترض أن تكون قمة سوتشي الأخيرة قد توصلت إليها. وأشارت الصحيفة إلى “أن المقاتلات الروسية وجّهت رسائل تحذيرية قوية عبر استهداف محيط نقطة البارة (الثلاثاء)، من خلال تقليص “مسافة الأمان” إلى نحو 10 أمتار فقط من سور النقطة بدل 40 متراً كما في الاستهدافات السابقة للنقطة ذاتها أو لنقاط أخرى في جبل الزاوية”، وفق الصحيفة. وكانت الطائرات الروسية قد شنّت الثلاثاء 4 غارات في ريف إدلب الجنوبي، غير بعيد عن نقطة مراقبة تركية، في رسالة واضحة للجانب التركي الذي يبدو أنه ليس في وارد التنازل في ملف محافظة إدلب ما لم يحصل على ما يريده في ريف حلب الشمالي وفي منطقة شرقي نهر الفرات. ومنذ قمة الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في سوتشي في التاسع والعشرين من الشهر الماضي، والتي لم تفض إلى تفاهمات جديدة، يشهد الشمال السوري تصعيداً عسكرياً واسع النطاق من قبل الجانب الروسي.

 

 

المصدر: العربي الجديد

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد