المرصد السوري لحقوق الإنسان: “حياة ما بعد الهول”.. أرامل تواجهن “مخاض المعيل” و”وصمة الدولة”

على مدى العامين الماضيين وجدت الكثير من النساء الأرامل اللواتي خرجن من مخيم “الهول” أنفسهن أمام “حياة” يبدأ الخوض فيها “من الصفر”، ورغم القصص “المضيئة” التي استعرضتها البعض منهن لموقع “الحرة”، إلا أن كثيرات ما تزلن تواجهن “مخاض المعيل”، في وقت تحاول لجان محلية التأسيس ولو بشيء بسيط لرحلة “الألف ميل”، والتي تشوبها الكثير من المحطات، يرى متحدثون أنها “صعبة”.

يرتبط “المخاض” المذكور بسلسلة تحديات، أولها أن هذه الشريحة الاجتماعية “الأرامل” تفتقد للزوج الذي من المفترض أن يبني حياتهن مع أطفالهن، وهو الأمر الذي بات في “طي الماضي”، فيما يضاف إليه التحدي المتعلق بالاندماج مع “حياة ما بعد الهول”، ولاسيما أن هؤلاء النساء تعانين من “وصمة” لا ترتبط بهن فحسب، بل بكل من كان في المخيم، والذي يعرف بالصورة العامة بأنه “مخيم الدواعش”.

في مدينة الرقة شمال شرق سوريا يمكن للمار أن يميّز منتجات الحليب التي تصنعها “أم مدين”، عن تلك التي تُباع في الأسواق المحلية الأخرى، وكما يُقال بالعامية “الدّارجة”، إذ تعكف هذه السّيدة السورية النّازحة، على تصنيع الأجبان والألبان ومشتقّاتها في منزلها، ضمن مشروع صغير، تحاول من خلاله أن تعيل أطفالها الخمسة، بعد أن فقدت زوجها خلال سنوات الحرب.

نزحت “أم مدين”، قبل سنوات، من محافظة دير الزور باتجاه “مخيّم الهول” ثم استقرّ بها الحال في الرّقّة، لتجد نفسها مضطرّة للعمل بمهنة لم تكن تعرف عنها شيئا.

وتقول في حديث لموقع “الحرة”: “بدأت المشروع بتشجيع من منظمة (إيواز)، بعد أن التحقت من خلالها بدورة تدريبية لتصنيع الألبان والأجبان، وبعد عدّة محاولات استطعت البدء بمشروعي الخاص، وأصبح لدي زبائني لأنني أحاول إنجاز الطلبات بكل أمانة، وأنا سعيدة اليوم، ليس فقط بسبب استقلاليتي المادية التي حققتها من خلال المشروع، وإنما بسبب مساهمتي في كسر الصورة النمطية السلبية التي التصقت بالأهالي الخارجين من مخيم الهول”.

ومنذ صيف عام 2021، تشكلت “لجان محلية” مؤلفة من وجهاء عشائر وناشطين مدنيين ومنظمات مجتمع مدني في مناطق الطبقة والرقة والشعفة والباغوز والصور في ريف دير الزور.

وعمدت هذه اللجان المعروفة باسم “لجان حل النزاع” إلى حل مشكلات العائلات العائدة من “الهول”، التي تتمحور في نواحي التعليم والصحة والمعونات الإغاثية والأوراق الثبوتية والسكن.

وتتألف كل لجنة من 10 أشخاص، موزعين بين شيوخ العشائر ووجهائها وممثلين عن الجهات الرسمية في “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا، ومنظمات المجتمع المدني.

وتسعى، حسب القائمين عليها إلى المساهمة في “ضمان وجود دخل مادي للعائلات عن طريق فتح مشاريع صغيرة، وبالتعاون مع المنظمات المحلية والدولية، التي ركزت أيضا على دعم الأيتام والأرامل والفقراء وذوي الحاجات الخاصة.

“الانتشال غير كامل”

وتقول نجاح الخوجة، وهي أحد أعضاء “لجنة حل النزاع” في الرقة، إن عملهم بدأ في الخامس عشر من شهر ديسمبر 2021، إذ يختصون بعملية “إعادة دمج العوائل العائدة من مخيم الهول، والتي خرجت بطريقة نظامية بموافقة الإدارة الذاتية ومجلس الرقة المدني، على شكل دفعات (بلغ عددها 5 منذ 2018 وحتى 2021)”.

وتوضح الخوجة في حديثها لموقع “الحرة” أنهم ومن الناحية المادية غير قادرين على تقديم أي شيء للعوائل الخارجة، مشيرة إلى أن نشاط اللجان “عبارة عن تشبيك الأرامل وأطفالهن مع المنظمات الموجودة في المنطقة”، والمعنية بذلك.

ولا يقتصر عمل اللجان على مدينة الرقة فقط، بل تأسست لجان خلال الفترة الأخيرة في عموم مناطق شمال وشرق سوريا، في دير الزور ومدينة الطبقة أيضا، التابعة لمحافظة الرقة.

وتحدثت الخوجة عن “نتائج” لنشاط عمل اللجان، لكنها تضيف أن “الدعم قليل جدا بالنسبة للعوائل الخارجة من الهول. العوائل كلها أطفال ونساء وليس لديهم أي معيل أو منازل أو ماديات أو أي مقومات معيشية”.

وكانت “لجنة حل النزاع” في الرقة قد تواصلت، مؤخرا مع منظمات في المدينة، وتمكنت على إثر ذلك من “دمج بعض النساء، كما أمنت فرص لهن، للاعتماد على أنفسهن لمواجهة الحياة الجديدة، وعملت أيضا على إجراء دورات مهنية للأطفال، وأدخلت قسم منهم إلى الروضات”.

وتشرح الخوجة أن “غالبية النساء الخارجات من الهول تعملن في محال ألبسة. أغلبهن صغار في العمر ولا تحملن شهادات. الوضع سيء جدا جدا”. وتقول: “من خلال زياراتي للعوائل أرى الوضع صعب. غالبية العوائل تسكن في منازل على العظم. لا أبواب ولا نوافذ. نحن نساعد العائلة من جانب واحد فقط، وغير قادرين على انتشالها من الفقر”.

“تجارب قاسية”

ورغم إقبال المجتمع المحيط بالسيدة “أم مدين” من جيران وأصدقاء ومحلات بقالة على شراء منتجات الحليب منها، بعد السمعة الطيبة التي استطاعت من خلالها كسب ثقة الزبائن وقلوبهم أيضا، إلا أن مشروعها استطاع تغطية جزء بسيط من الاحتياجات الضرورية لأسرتها.

إذ تلجأ السيدة الأربعينية في كثير من الأحيان إلى استدانة المبلغ الذي ستشتري فيه الحليب لعدم وجود رأس مال لديها، فيما يضطر اثنان من أطفالها إلى العمل بمهن شاقّة لتغطية إيجار المنزل وبقية الاحتياجات.

وكانت الحياة القاسية في “الهول” قد دفعتها لاستذكار تجربتها والظروف المأساوية التي عانت منها مع أطفالها، وتقول إنها استطاعت الخروج مما وصفته بـ”الجحيم” بكفالة شيوخ العشائر باتجاه الرقة لتبدأ معاناة جديدة من عدم تقبّل المجتمع لها ولأطفالها.

وتوضح لموقع “الحرة”: “لم يقبل أحد أن يؤجرنا منزلا، وفي النهاية استأجرنا غرفة صغيرة بصعوبة بالغة، كانت تُستخدم سابقا كمخزن للعلف. نظفناها وجلسنا فيها وفي تلك الفترة عملت بمهن مختلفة مثل الزراعة وخبز العجين، والمونة لكي نستطيع العيش”.

أما اليوم تتابع “أم مدين” أن “الحال تبدل، وأصبحت بحمد الله عنصرا فاعلا في المجتمع، ونموذجا ناجحا للمرأة المعيلة تستأنس به الكثير من النساء”، وفق تعبيرها.

وكذلك الأمر بالنسبة لـ”عليا” (25 عاما)، إذ وبينما امتهنت حرفة “الحلاقة النسائية” داخل منزلها في مدينة الطبقة من أجل تأمين عيشها مع أطفالها، إلا أنها ما تزال تعاني من الحاجة، لسد كافة احتياجاتها.

ومع ذلك ترى في حديث لموقع “الحرة” أن كلّ ما تمرّ به اليوم، أفضل من البقاء في مخيم الهول حيث عانت هي الأخرى من ظروف معيشية قاسية جدا.

يعج منزل “عليا” بالكبار والصغار حيث تتقاسم المنزل مع أخوتها، ليصبح مجموع سكان المنزل 12 فردا، فيما اضطر الابن الأكبر لها إلى ترك المدرسة والعمل في واحدة من أصعب المهن، وهي مهنة “العتالة”، للمساعدة في تأمين دخل شهري معقول.

وسبق وأن نشر “المرصد السوري لحقوق الإنسان” تسجيلا مصورا استعرض فيه “حياة ما بعد الهول” لعدة نساء أرامل، إذ قالت واحدة وهي تخفي وجهها: “وضعنا تحت الصفر. نحن راحت علينا. بدنا بس حق الأطفال. نواجه صعوبة في تأمين الحصول على منزل”.

وتضيف أخرى كما أظهر التسجيل المصور: “العالم كله عافنا (تركنا). من أهل زوجي المتوفي وأهلي، لأننا مشينا بهاد الطريق”، في إشارة منها إلى الفترة التي عاشوا فيها في أثناء سيطرة تنظيم “داعش” على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا.

“محتاجين مساعدات ولدينا أطفال. وضعنا حيل (جدا) تعبان. كل ما أذهب إلى منظمة أو منزل يطلبوا مني شهادة وفاة لزوجي. نحن راحت علينا الحياة. بدنا مستقبل لأطفالنا فقط. أهلي كلهم توفوا في أثناء سيطرة الدولة (داعش)”، كما تابعت السيدة الثانية في الفيديو.

“لكسر الوصمة”

ويقع مخيم “الهول” بالقرب من الحدود السوريّة العراقيّة، ويضمّ الأسر التي نزحت في السنوات السّابقة بفعل المعارك والعملياّت العسكريَة في سوريا والمدن العراقية المجاورة لها.

واستطاعت حوالى 2064 عائلة الخروج منه بسبب الأوضاع المأساوية وشحّ الخدمات، متجهين نحو محافظتي الرقة ودير الزور في سوريا.

ولا تزال جهود الناشطين ومنظمات المجتمع المدني مستمرة لإخراج بقيَة العائلات، ولاسيما حملة “بين أهلكم”، التي أطلقها عدد من الناشطين ومنظمات المجتمع المدني بالتعاون مع لجان “حل النزاع”، التي تسعى أيضا إلى دفع المجتمع المحلي إلى تقبل العائلات التي استطاعت الخروج من المخيم، ومساعدتها على البدء من جديد.

تقول “ياسمين”، وهي أرملة من مدينة الرقة ولديها طفلان: “قبل الحرب كنت أحبٌّ أن أصنع مونة المنزل بنفسي، وبعد أن تهجّرنا إلى مدينة الطبقة كان لا بدّ لي من العمل، فحوّلت هوايتي في تصنيع المربّيات والمكدوس والمخللات إلى عمل من داخل المنزل، لأستطيع تسجيل أولادي في المدرسة وتأمين احتياجاتنا الأساسية. هذه المهنة هي التي اختارتني لأنني لم أجد أي فرصة أخرى أفضل منها”.

ياسمين التي تنحدر بالأصل من محافظة دير الزور دخلت “الهول” في بداية عام 2019، بعد أن قُتل زوجها الذي كان منتسبا لـ”داعش” خلال المعارك والمواجهات، لا تجد اليوم صعوبة في التأقلم مع المجتمع المضيف، ولاسيما أنها استطاعت عبر مشروعها الصغير أن تلتقي بعدد كبير من السيدات وتتأقلم مع طبيعة حياتهم.

وتضيف لموقع “الحرة”: “لم يعد الأمر يقتصر على الزبائن فقط، فقد أصبح لدي صديقات نتبادل مع بعضنا الهموم وأطراف الحديث، ومن أهم ما استطعت إنجازه بعد خروجي من المخيم تسجيل أطفالي بالمدارس، مما سهل اندماجهم مع أقرانهم”.

وتتّفق ياسمين (34 عاما)، مع “أم مدين” حول قساوة الظروف في المخيم وتتحدث عن رداءة الوضع الطبي هناك، إذ تقول: “كان أحد أولادي يعاني من الربو، ولم أستطع تأمين دواء له، كذلك لم يكن الوضع الغذائي والمعيشي بحال أفضل. خلال كلّ الشهر كنا نحصل على سلة غذائية واحدة فقط”.

ويوضح، حسن الخمري، من “قبيلة الولد”، وأحد أعضاء “لجنة حل النزاع” في مدينة الطبقة أن “اللجان تلقت دورات تدريبية مكثفة على حل النزاع والتعامل مع العوائل العائدة من مخيم الهول، بكفالة شيوخ العشائر، وذلك منذ عام 2017 وإلى هذا التاريخ”.

ويقول الخمري لموقع “الحرة”: “الحيز الأكبر لعملنا مرتبط بوضع العوائل العائدة من الهول، وعملية دمجهم في المجتمع المحلي. اللجان تعمل كوسيط فقط، وهي مؤلفة من ناشطين ونشطاء وشيوخ ممن لديهم الخبرة للتعامل مع عوائل التنظيم. هناك خصوصية لذلك، وتم انتقاء أشخاص من العشائر من أبناء المنطقة”.

ورغم الصعوبات التي واجهت عمل “لجنة حل النزاع” في الطبقة ومثيلاتها أيضا، إلا أنها تمكنت إلى حد ما من “كسر جبل الجليد ما بين العوائل والمجتمع المحلي”. “حاولنا أن ندمج العائلات قدر المستطاع”.

وتخصّ عمليات الخروج من “الهول” النساء الأرامل وأطفالهن إلى حد أكبر من الرجال، إذ يوضح عضو لجنة الطبقة أن “العائلة التي يوجد فيها رب أسرة لا نتدخل بها. نحن وسطاء بين العوائل والمجتمع المحلي والعوائل والمنظمات والعوائل والإدارة المدنية في شمال وشرق سوريا”.

ويشير من جانب آخر إلى “تحديات وعقبات” على العوائل وكذلك على “الوسطاء”.

ويوضح أن “العوائل تعيش ظروفا اقتصادية صعبة. هناك أطفال لا أوراق ثبوتية لهم أو إثبات نسب. هم غير مسجلين ونحاول قدر الإمكان أن نجد آلية مع الإدارة (الذاتية) لتسجيل الأطفال ولو ببطاقة مؤقتة”.

“معضلة الأطفال”

وفي آخر تقرير لها في نوفمبر 2022 حذّرت منظمة “أطباء بلا حدود” من حياة “مأساوية” يعيشها أطفال “الهول”، من جراء نقص الخدمات والرعاية الصحية وازدياد العنف.

وقال مدير العمليات في المنظمة، مارتن فلوكسترا: “الهول في الحقيقة سجن مفتوح، وغالبية قاطنيه من الأطفال، الكثير منهم ولدوا فيه، وحرموا من طفولتهم، وحُكم عليهم أن يعيشوا حياة معرضة للعنف والاستغلال، ومن دون تعليم، وفي ظل رعاية صحية محدودة”.

ورغم أن الكثير من الأطفال خرجوا خلال العامين الماضيين بموجب “مسارات الوساطة” مع أمهاتهن، إلا أن هذه الفئة ماتزال تواجه مستقبلا مجهول و”ظروفا صعبة”، ولاسيما من زاوية الاندماج في الحياة الجديدة، والتي تتطلب إثبات نسب وأوراق أخرى للدخول إلى سلك التعليم.

وتحدث الخمري أنهم حصلوا على موافقة من “الإدارة الذاتية” تتعلق بدراسة ومتابعة تعليم أطفال العوائل الخارجة من المخيم، “بدون تقديم أوراق ثبوتية”، بل من خلال “أوراق شكلية تتأسس بياناتها على سبر عمر الطفل، ومن ثم توزيعه على الصفوف الدراسية”.

ويضيف: “حصلنا على موافقة أيضا بأن تعامل العائلات كمعاملة نظيراتها في المجتمع المحلي، من خلال الأمور المتعلقة بالحصول على الخبز والمازوت وما إلى ذلك. بمعنى أن يكون وضع العوائل الخارجة من الهول كوضع المجتمع المحلي المحيط”.

لكن ما سبق لا ينفي حال الفقر الشديد الذي يلقي بظلاله على معظم العائلات.

ويوضح الخمري: “لدينا أعداد هائلة. الكثير من العوائل تعيش بالفقر. يجب على المجتمع الدولي أن ينظر لهذا الحال وأن يدعم المنظمات، من خلال مشاريع سبل العيش”.

وفيما يتعلق بوضع الأطفال، يشير ذات المتحدث بالقول: “من دخل إلى الهول بعمر الخمس سنوات بات الآن 13 وأكثر أي أصبح في الطور الثاني. نبحث عن آلية لإنشاء مراكز إعادة تأهيل العوائل والأطفال التي تخرج من المخيم، نفسيا وتعليميا. الطفل خرج من الفكر ودخل المخيم ومن ثم خرج وما زال الفكر موجودا”.

وفي إحصائية حصل عليها موقع “الحرة” من “لجان حل النزاع” في شمال وشرق سوريا بلغ عدد العائلات الخارجة من “الهول” حتى الآن 2064، منذ منتصف عام 2021 وحتى يوليو 2022.

وتظهر الإحصائية أن عدد العائلات التي لا تحمل أوراق ثبوتية يبلغ 828 عائلة، 28 عائلة حصلت على الثبوتيات، عدد الأطفال المسجلين في المدارس 288، عائلات من دون مسكن 249، عائلات تسكن في خيام ومراكز إيواء 196.

وهناك 560 عائلة ليس لديها أي مردود مادي، 633 عائلة تفتقد للمساعدات الإغاثية، 500 عائلة تعاني من مشاكل نفسية، 526 عائلة تشوب أوضاعها خلافات تستوجب الصلح والقضاء.

 

 

 

 

المصدر: الحرة