المرصد السوري لحقوق الإنسان: سماسرة النظام… استغلال السوريين عبر أملاكهم

في سورية، إن أقفلت باب بيتك وغادرت، لن تكون في مأمن على امتداد جغرافية البلاد، إذ قد يأتي من يحاول استغلالك ويلوي عنق القانون ليكون ضدك. قد تكون عرضة لابتزاز مالي، لتخسر كلّ تعب الحياة مع عدم القدرة على فعل شيء لاستعادة ما تملك. هذه هي حال كثير مع السوريين الذين تعرضوا للاستغلال، فلا هم قادرون على إيجاد حلّ للحفاظ على أملاكهم ولا هم قادرون على وضع حد لمستغليهم.
منذ عام 2015، بدأت معاناة الخمسيني عيسى، الذي استولى أحد المتنفذين في مليشيا تابعة للنظام السوري، على بيته في دمشق عنوة، مستغلاً وجوده في تركيا، ليدخل في دوامة محاولة استرداد البيت. يقول عيسى لـ”العربي الجديد”: “غادرت دمشق، وأقفلت باب بيتي خلفي وأنا أشعر بالثقة أنّ لا أحد سيقترب منه، وسأعود إليه يوماً وإن طال الأمر. مضت أعوام على ذلك، وبعد مدة علمت أنّ هناك من اقتحم بيتي عنوة، كأنّنا نعيش في غابة، كلّ شيء مباح فيها. بداية، لم يكن هناك ما يمكن أن أفعله فأنا مطلوب للنظام، ولا يمكنني العودة إلى سورية، أو فتح قضية في محكمة، أو أيّ خيار آخر لإخراج من احتلّ المنزل”.
يتابع: “أرسلت أحد الأشخاص للتفاوض مع المحتل. هنا، بدأت سلسلة المفاوضات، فالرجل الذي استولى على المنزل طلب أن آتي شخصياً، وكان هذا الشرط تعجيزياً إذ يستحيل عليّ ذلك. وبعد جدال وأخذ وردّ، طلب مبلغاً ضخماً من المال، بحجة أنّه كان يحمي المنزل، كما ادعى أنّه أجرى بعض الصيانة فيه. المبلغ قارب فعلياً ثلث سعر منزلي، وكان هذا الخيار أيضاً صعباً جداً، لكنّه لم يترك لي أيّ حلّ آخر، فاستسلمت للواقع وتركت كلّ شيء على حاله. لا أملك أيّ حلول، فالبيت في منطقة سكن عشوائي، وإثباتات الملكية صعبة في ظلّ الوضع الراهن، كما تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين. قد يكون دفع المبلغ هو خياري الوحيد لاستعادة منزلي”.
يضيف عيسى: “وصلت إلى سماسرة قدموا لي عروضاً لاستعادة البيت، لكن، ليست لديّ ثقة بهم أيضاً، فهم نفسهم متعاملون مع من يقتحمون البيوت ويحتلونها، وقد يغتالني أحد ما إذا خاطرت بأيّ محاولة لاستعادة البيت. لكن، في نهاية الأمر، سيبقى البيت ملكي، ولن يستطيعوا سلبي حقي، وإن لم أستعده الآن”.
بات الاستيلاء على أملاك المهجّرين من قبل عناصر الأمن أو المليشيات أمراً شائعاً في مناطق سيطرة النظام، ففي مدينة دوما بريف دمشق جرى الأمر بغطاء قانوني من قبل النظام، تحت تهمة الخيانة وارتكاب أعمال إرهابية. وفي مدينة تدمر في الريف الشرقي لمحافظة حمص، سطا عناصر المليشيات الإيرانية على منازل في الأحياء الغربية، كما اقتحم عناصر مليشيا “فاغنر” الروسية منازل أيضاً في المدينة ليتخذوا منها مساكن لهم. وهو ما دفع بعض أهالي تدمر للرضوخ للسماسرة الذين يستغلون ما يحدث في المدينة ويجبرون من يريد بيع بيته على القبول بسعر بخس يحدده السمسار. أما في بلدة عسال الورد بريف دمشق، قرب الحدود مع لبنان، لجأ النظام السوري لمصادرة أملاك المنشقين عنه، كما أنّ أقاربهم من الدرجة الأولى، لا يمكنهم إجراء أيّ عملية تتعلق بأملاكهم منها البيع أو الشراء أو حصر الإرث، مع مضايقات يتعرض لها ذووهم. وهذا ما يعانيه الثلاثيني عمار أبو محمد، المقيم في تركيا. يوضح لـ”العربي الجديد” أنّ معاملة حصر الإرث التي بدأها والده بدأت تتشعب بشكل كبير، إذ صودرت أملاك والده لأنّ شقيقه الضابط، انشق عن النظام عام 2012. يؤكد أنّ أملاك العائلة مصادرة وهناك مبالغ مالية ضخمة عليهم دفعها ومعاملات طويلة، فيما سماسرة وضباط أمن في صفوف النظام يعملون على استغلالهم.

حرية البيع مقيدة
في ريف حمص الشمالي، مع تردي الأوضاع المعيشية، لجأ البعض لبيع عقاراتهم، وهو ما أتاح فرصة ذهبية لسماسرة العقارات لاستغلال الموقف، بدعم من قوات الأمن التابعة للنظام، التي تساند هؤلاء. يتحدث عبد الكريم، من بلدة الدار الكبيرة لـ”العربي الجديد” عن تجربته مع هؤلاء السماسرة فيقول: “قبل أعوام، بعت أرضاً بسعر مقبول. كنت مضطراً لذلك، كما اضطر كثيرون غيري. لكن، بعد سيطرة النظام على المنطقة، أردت أن أبيع أرضاً أخرى، فعرض عليّ أحد السماسرة شراءها بأقل من ثلث قيمتها، في عملية استغلال واضحة. وبعد محاولات، علمت أنّ السماسرة عبارة عن شبكة تنسق عمليات الاستغلال في ما بينهم”.
يتابع عبد الكريم: “الصورة باتت واضحة، إذ يريدون استغلالنا بأيّ شكل من الأشكال، فيضعون العراقيل لمن يريد إثبات ملكيته، كي يعود إليهم، فتبدأ عملية استنزاف قد تطول سنوات. يتابع: “لن أترك أرضي تذهب هباء، بأن تكون ملكاً في النهاية لسمسار جشع. إذا باتت ملكاً له سيستغل غيري ليحصل منه على أضعاف ما يدفعه لي. طبعاً، معاملاتهم ميسرة عند النظام على العكس منا نحن، إذ ندخل في قضايا كثيرة ونحتاج إلى موافقات أمنية للتصرف بأملاكنا، تكلفنا الكثير وتعيدنا أيضاً إلى رحمة السماسرة، في حال أردنا التصرف بها”.

يفيد المرصد السوري لحقوق الإنسان، في تقرير له، أنّ دوريات تابعة لـ”الأمن العسكري” التابع للنظام، أنذرت قاطني نحو 50 منزلاً في مدينة البوكمال، بضرورة إخلائها خلال مدة زمنية أقصاها أسبوع واحد فقط. ولفت إلى أنّ ملكية هذه المنازل تعود لأشخاص معارضين للنظام السوري ممن شاركوا في الحراك الثوري ضده في بدايات الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، وهُجّروا من البوكمال بعد سيطرة تنظيم “داعش” عليها ثم الإيرانيين. يؤكد المرصد أنّ إنذار قاطني المنازل جاء بطلب مما يسمى “مكتب الأصدقاء” التابع بشكل مباشر للحرس الثوري الإيراني، إذ أبلغ قوات “الأمن العسكري” بتسليم البلاغات لقاطني المنازل التي ستصادر خلال أيام، علماً أنّ من يقطن تلك المنازل أقارب لأصحابها الأصليين.
وعمل النظام خلال السنوات الأخيرة على صياغة قوانين تتيح له مصادرة ممتلكات المعارضين له، متيحاً لسماسرة تجارة العقارات استغلال الناس بغطاء منه، بينما لجأت جهات أخرى، كالمليشيات الإيرانية والروسية وغيرها، للقوة في سبيل مصادرة أملاك السكان.

ليس النظام وحده
وفي مدينة إدلب الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في تقرير لها خلال الفترة الواقعة ما بين أواخر 2018 ومنتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2019 استيلاء هيئة تحرير الشام على ما لا يقلّ عن 550 منزلاً ومحلاً تجارياً تعود ملكيتها لعائلات من المدينة، وذلك بحجّة عدم تواجدهم فيها. ونقلت المنظمة عن  شهود عيان وأهالٍ من مدينة إدلب، أنّ هيئة تحرير الشام أجّرت هذه الأملاك من أجل الانتفاع منها، فيما أسكنت عائلات عناصرها في عدد من المنازل التي استولت عليها. وقالت المنظمة في تقريرها: “في أوائل أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بدأت هيئة تحرير الشام بإرسال بلاغات تقضي بتسليم العقارات التي تعود ملكيتها إلى مسيحيين في مدينة إدلب، وطالبت مستأجري هذه العقارات بالتوجّه إلى أحد المكاتب التابعة لها من أجل الحصول على موافقة تخوّلهم المكوث في هذه العقارات، مقابل دفع رسم الإيجار الشهري لها وليس إلى المالكين”.
واتبعت الهيئة سياسة وضع اليد في قضية السكن الشبابي بمدينة إدلب، وهو عبارة عن مشروع كتل سكنية نفذته حكومة النظام التي كانت تسيطر على المدينة، على غرار مشاريع الجمعيات السكنية الشائعة في سورية، إذ يسدد من يريد التملك في هذه الجمعيات سعر العقار بالتقسيط على مدة زمنية طويلة. ووفقاً لمصدر محلي من مدينة إدلب، لم تكن الشقق السكنية موزعة بعد، إذ لم يكن المشروع جاهزاً. يقول المصدر لـ”العربي الجديد” إنّ مالكي هذه العقارات يواجهون مشكلة، فهم لا يعرفون العقار المخصص لهم، وبعد سيطرة هيئة تحرير الشام لجأت عن طريق حكومة الإنقاذ التابعة لها، لعملية التفاف بغرض إخراج العائلات المهجرة من المساكن، لتستفيد الهيئة من عائداتها المادية بعد تأجيرها.

وفي خطوة مماثلة بمدينة الرقة، اتجهت قوات سورية الديمقراطية “قسد” للسيطرة على السكن الشبابي في حي الرميلة بمدينة الرقة. فقد استولت على نحو 20 منزلاً، وذلك بهدف تأمين سكن للعسكريين التابعين لها. وهذا التصرف تكرر في العديد من مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية، ولاقى ذلك استهجاناً من جانب السكان، لكنّ “قسد” تجاهلت الاحتجاجات كافة.
وفي عفرين، سجلت تجاوزات وعمليات استغلال من قبل عناصر تابعين لفصائل في الجيش الوطني، التابع للمعارضة السورية. وقالت بريانكا موتابارثي، المديرة المؤقتة لقسم الطوارئ في “هيومن رايتس ووتش”: “على الجيش السوري الحرّ ألاّ يدمر أو يسكن أملاك من اضطروا إلى الفرار من القتال عند وصوله. بدلاً من حماية المدنيين الضعفاء، يعمّق المقاتلون الانتهاكات” فقد عمدت بعض الفصائل إلى تأجير المنازل التي استولت عليها.

 

 

 

المصدر: العربي الجديد

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد