المرصد السوري لحقوق الإنسان: عودة الهدوء بعد يوم دامٍ.. ماذا يحدث في السويداء السورية؟

بعد يوم دامٍ شهد احتجاجات شعبية أسفرت عن مصرع شخصين أحدهما شرطي وإصابة آخرين، عاد الهدوء إلى محافظة السويداء جنوب غربي سوريا، الاثنين، وفي وقت اتهمت السلطات المتظاهرين بأنهم “خارجون عن القانون”، أكد نشطاء أن الوضع الاقتصادي الصعب هو ما دفع الناس إلى الاحتجاج. فما الذي حدث بالضبط؟

قبل منتصف نهار الأحد، تجمع عشرات الأشخاص وسط مدينة السويداء استجابة لدعوات للاحتجاج انتشرت خلال الأيام الماضية عبر مواقع التواصل. رفع المحتجون شعارات تطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، إذ يعاني السكان ظروفاً اقتصادية قاسية جراء غياب الخدمات الرئيسية والغلاء الفاحش وتراجع مستوى الدخل.

وبحسب ما ذكرت شبكات محلية، قطع محتجون سلميون شارعاً رئيسياً بالإطارات المشتعلة، قبل أن يتوجهوا إلى مبنى السراي الحكومي وسط المدينة، إلا أنه سرعان ما حدث تحول مفاجئ عندما اخترقت سيارة أمنية محملة برشاش صفوف المتظاهرين، ما دفعهم إلى مهاجتمها وتحطيمها، وأتبع ذلك توتر شديد وارتفاع حدة الشعارات المناهضة للسلطات، ثم اقتحم المتظاهرون السراي الحكومي.

وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت المحتجين وهم يقتحمون السراي الحكومي ويقومون بإزالة صورة للرئيس السوري بشار الأسد، ثم قام البعض بإضرام النيران داخل المبنى. وأظهرت مقاطع أخرى حالة من الفوضى بين المحتجين نتيجة إطلاق الأجهزة الأمنية الرصاص الحي باتجاههم، ما أدى إلى سقوط شاب وإصابة آخرين بجروح متفاوتة.

روايتان متضاربتان

السلطات السورية اعتبرت ما جرى في السويداء “حالة تمرد يقف خلفها خارجون عن القانون”. وقالت وسائل إعلام رسمية إن “عشرات الهاربين من العدالة اقتحموا مقر المحافظة وأحرقوا ملفات وأوراقاً رسمية”.

كما أعلنت وزارة الداخلية السورية سقوط شرطي. وأشارت في بيان نشرته على صفحتها في “فيس بوك” إلى أنه “في الساعة الـ11 والنصف صباحاً أقدمت مجموعة من الأشخاص الخارجين عن القانون وبعضهم يحمل أسلحة فردية على قطع الطريق بالإطارات المشتعلة بجانب دوار المشنقة في محافظة السويداء”.

وأكدت الوزارة أنها “ستلاحق الخارجين عن القانون وستتخذ الإجراءات القانونية بحق كل من تسول له نفسه العبث بأمن محافظة السويداء واستقرارها وسلامة مواطنيها”.

وفي مقابل الرواية الرسمية التي لم تؤكدها جهات محايدة، نقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن شهود قولهم إن أكثر من 200 شخص تجمعوا حول مبنى المحافظة وسط المدينة، مرددين هتافات تطالب بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وسط زيادات الأسعار والصعوبات الاقتصادية، لافتاً إلى سقوط شخص وإصابة 6 برصاص الأمن.

وفي تقرير نشرته الاثنين، قالت صحيفة “الشرق الأوسط” إنها المرة الأولى منذ اندلاع احتجاجات شعبية مشابهة قبل عام تقريباً في السويداء، تُهاجم الحشود مقراً رسمياً، ما يُشكّل انعطافة كبيرة وخطيرة في مجرى الأحداث هناك، مشيرةً إلى أن “النظام أعاد تكرار الأخطاء نفسها التي تفرضها العقلية الأمنية”.

ونقلت الصحيفة عن ناشطين قولهم إن “الأجهزة الأمنية تراهن على معادلتي كسب الوقت وزراعة الخوف، وتحاول إشراك أطراف أخرى يعتمد عليها في صناعة الفوضى في المدينة، من دون السعي للوصول إلى نقاط اتفاق مع المتظاهرين، وهو الأمر الذي يخشاه الجميع”.

كما أظهرت صور متداولة استنفاراً أمنياً لسيارات تحمل رشاشات متوسطة، قال ناشطون إن الهدف منها تهديد المواطنين في حال خروجهم للاشتراك في المظاهرات، وسط هدوء حذر يعم المحافظة وشوارع فارغة ومحال مقفلة، في انتظار ما ستؤول إليه الأحداث.

الرئاسة الروحية

الرئاسة الروحية لطائفة المسلمين الموحدين الدروز في سوريا، وصفت ما جرى في السويداء بأنه حراك سلمي عفوي من “شعب صامد هدّه الجوع والحاجة وآلمته المزاودات وآذته القسوة وعدم الاستجابة لمطالبه المحقة من كل ما يعانيه من كل الجهات وعلى كل الجبهات”.

ونقلت شبكة “السويداء 24” عن مصدر مقرب من شيخ العقل حكمت الهجري قوله إنه “كالعادة تحاول بعض الجهات المشبوهة حرف الحقائق وتغيير العناوين، وحاول بعض المارقين استغلال الموقف والإساءة، لتحييد الحقيقة عن أصولها وتسليط الأضواء على شغب اصطنعوه”.

واعتبرت الرئاسة الروحية أن “هناك محاولات لتشويه سمعة الحراك السلمي عند الجهات المعنية والرأي العام، مشددةً على رفض أي تحرك مسلح ضد الأهالي”. وقال المصدر “نرفض إراقة الدماء وأي تخريب للمتلكات العامة أو الخاصة، لأنها تخص الشعب كله. الناس يتصرفون بعفوية والغضب الشعبي يتحرك بلا توجيه”.

وعلى غرار باقي المناطق السورية، يُعاني سكان السويداء أوضاعاً اقتصادية صعبة، إذ أن هناك تراجعاً كبيراً في مستوى الخدمات، وبشكل خاص الكهرباء التي لا تصل المنازل لأكثر من ساعات قليلة في اليوم.

ونتيجة لذلك، اضطر الكثيرون خلال السنوات العشر الماضية إلى مغادرة البلاد، لاسيما اتخاذ طرق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.

وهذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها احتجاجات شعبية في السويداء للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، إلا أنه لم يحدث سابقاً أن وصل مستوى التصعيد إلى اقتحام مباني حكومية، ما يُفسره البعض بازيداد الضغط على المواطنين في ظل عجز السلطات عن إيجاد حلول تنتشل الناس من الفقر والجوع.

من يحكم السويداء؟

منذ بدء الأزمة السورية في مارس 2011، اتخذت السويداء التي تُشكل الطائفة الدرزية غالبية سكانها، موقفاً ملتبساً بالنسبة إلى البعض، فمن ناحية شهدت المحافظة احتجاجات محدودة وبرزت فيها شخصيات مدنية وعسكرية مناهضة للحكومة، ومن ناحية أخرى أبدت الغالبية عزوفاً عن الانخراط في الصراع.

وفي ضوء تراجع سلطة الدولة، وانتشار الفوضى الأمنية، برزت حركات شعبية مسلحة في السويداء، منها ما يتبع للسلطات على غرار “قوات الدفاع الوطني”، ومنها ما عمل بشكل مستقل، ولعلّ أبرزها حركة “رجال الكرامة” التي أسّسها عدد من رجال الدين بزعامة الشيخ وحيد البلعوس عام 2014، والذي استطاع خلال وقت قصير كسب تأييد واسع بين الأهالي.

وفي 4 سبتمبر 2015، لقي البلعوس مصرعه باستهداف سيارته، واتهمت الحركة دمشق باغتياله، فتولى القيادة شقيقه لفترة قصيرة، قبل أن يتراجع بسبب وضعه الصحي، ثم تزعمها الشيخ يحيى الحجار، في حين انسحب نجلا البلعوس من الحركة قبل سنوات عدة وشكّلا فصيلاً مستقلاً باسم “رجال الشيخ وحيد البلعوس”.

وفي تصريح لـ”الشرق” قال المتحدث باسم “رجال الكرامة” أبو تيمور إن الحركة “تُحمّل الأجهزة الأمنية مسؤولية دماء الضحايا والمصابين، وتؤكد على المطالب المحقة للأهالي المتعبين من تردي الوضع المعيشي والفساد الذي أرهق كاهل المواطن السوري”.

وأضاف: “تُهيب الحركة بالأخوة المواطنين عدم السماح لحاملي الأجندة غير الوطنية بركوب الموجة وتوجيه الحدث بما يخدم موقفهم، ونؤكد التفافنا حول طرح سماحة الشيخ حكمت الهجري”.

وأشار أبو تيمور إلى أن الحركة ستصدر بياناً في وقت لاحق لتوضيح موقفها بالتفصيل مما يجري.

فوضى أمنية

منذ سنوات تعيش السويداء حالة غير مسبوقة من الفوضى والفلتان الأمني، إذ تنتشر الكثير من العصابات التي تقوم بأعمال سلب ونهب وخطف، إلى جانب تجارة المخدرات. وكثيراً ما أدى السلاح العشوائي إلى سقوط ضحايا مدنيين سواء في نزاعات أهلية أو تنافس بين عصابات محلية.

وعلى الرغم من وجود مؤسسات الدولة كافة في السويداء، إلا أن سلطة الأجهزة الأمنية تراجعت إلى حد كبير في المحافظة، وذلك بفعل الضغط الذي شكّلته الحركات المحلية المسلحة والتي اصطدمت في مناسبات عدة مع السلطات. وكان من الواضح أن دمشق تحاول تفادي أي توتر قد يؤدي إلى تفجر الصراع في هذه المنطقة التي تعيش فيها أقلية لا تشكّل أكثر من 3% من سكان سوريا.

وتقول بعض هذه الحركات إنها اضطرت إلى أخذ زمام المبادرة نتيجة ما تصفه بـ”تراخي الأجهزة الرسمية في ضبط الأمن ووضع حدٍّ لعصابات ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر مع أجهزة أمنية”.

وفي وقت سابق هذا العام، أدى نزاع مسلح في إحدى البلدات إلى تعاون عدد من الفصائل ضد عصابة محلية، ما أشعل حملة واسعة شاركت فيها “حركة الكرامة” وغيرها لـ”تطهير المحافظة” كما قالوا حينها من العصابات. وأسفرت معركة وقعت في قرية محاذية للمدينة إلى القضاء على عصابة “قوات الفجر” وفرار زعيمها، ليتبين لاحقاً بعد اقتحام مقارها وجود أدلة تُثبت تورطها في تصنيع الحبوب المخدرة وتجارتها. وقد تداول ناشطون صور بطاقات أمنية لعناصر في تلك العصابة.

ولطالما أشارت تقارير إلى دور بارز لـ”حزب الله” اللبناني في الإشراف على صناعة وتجارة المخدرات في المنطقة الجنوبية من سوريا، حيث نقل الحزب عدداً من عناصره منذ سنوات إلى تلك المنطقة للقيام بهذه المهام. واشتكى الأردن مرات عدة من ازدياد عمليات تهريب المخدرات من سوريا باتجاه أراضيه.

 

 

المصدر: الشرق