المرصد السوري لحقوق الإنسان: قمة طهران بين “ترويكا أستانة” حول سوريا:دوران في المربع الأول وتكرار الحرص على استمرار العمل المشترك

 

صعّدت تركيا من هجماتها العسكرية على مواقع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في ريف حلب، بموازاة مواصلة استعداداتها لشن حملة عسكرية تستهدف هذه الأخيرة شمال سوريا، حيث دفعت بتعزيزات وأرتال عسكرية جديدة، تضم دبابات وعربات مصفحة ومواد لوجستية وغيرها، وذلك تزامناً مع انعقاد القمة الثلاثية التي يشارك فيها الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، ونظيراه الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان في العاصمة الإيرانية طهران، ضمن إطار مسار “أستانة”.
رسائل من أرض الميدان قبل اللقاء الروسي – الإيراني – التركي
ومن المقرر أن تناقش القمة عدداً من القضايا في مقدّمتها وقف إطلاق النار والعملية السياسية في إطار اللجنة الدستورية. وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الثلاثاء، إن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تقييم لمسار أستانة بخصوص سوريا وتفعيله مجدداً. وأضاف في مؤتمر صحافي مشترك، عقده اردوغان مع نظيره الإيراني إبراهيم رئيسي، بعد اجتماع مجلس التعاون التركي – الإيراني رفيع المستوى، بنسخته السابعة في قصر سعد أباد في العاصمة طهران، أن إعادة التقييم والتفعيل لمسار أستانة ستكون في القمة الثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران المقررة في وقت لاحق. وبين أنّ القمة الثلاثية ستبحث آخر التطورات في سوريا، مشيداً بالرؤية التي طرحها نظيره الإيراني لتطوير علاقات بلاده مع دول الجوار.
مكاسب سياسية وعسكرية
ويعكس انعقاد القمة الثلاثية، حرصاً على استمرار العمل المشترك سياسياً وعسكريّاً في سوريا، إلّا أنّها أيضاً تُشير إلى التراجع الكبير في الثقة بين الضامنين لمسار أستانة؛ نتيجة التقدّم البطيء وغير المثمر في تطبيق مذكّرتي سوتشي (2019) وموسكو (2020) وفي مسار الإصلاح الدستوري، وذلك وفق قراءة لمركز جسور للدراسات الاستراتيجية، التي اعتبرت أن الدول الضامنة، تتطلع كل على حدة لتحقيق مكاسب من القمّة الرئاسية بما يصب في مصالحها سياسياً وعسكرياً، فإيران وفقاً للمصدر تعوّل على تحقيق خرق في الوساطة بين النظام السوري وتركيا، وبما يقود لاحقاً لإعادة العمل بموجب صيغة معدلة لاتفاق أضنة كإضافة ملحق يشير لإنشاء منطقة أمنية – لا آمنة – تعالج قضايا الإرهاب (PKK) واللاجئين والنشاط والوجود العسكري التركي شمال سوريا. وفي حال استطاعت روسيا وإيران من ثني تركيا عن شنّ عملية عسكرية جديدة في سوريا فإنّ ذلك يعني توسيع النفوذ العسكري لقوّات النظام في مناطق تل رفعت ومنبج وعين العرب في محافظة حلب على حساب قوات سورية الديمقراطية. لكن في حال أخفقت الجهود الدبلوماسية فإن ذلك سيُشكّل تهديداً لنفوذ النظام السوري وحلفائه، لا سيما إيران، في مناطق حلب التي قد تشملها العملية العسكرية التركية المحتملة.
أمّا بالنسبة لروسيا، فإنّ القمّة الثلاثية تبدو بمثابة إعادة تأكيد لأهمية الملف السوري في سياساتها الخارجية رغم انشغالها في الصراع في أوكرانيا، وغالباً ما ستعيد التأكيد على أهمية تطبيق مذكّرات التفاهم الثنائية، ولن تتوانى عن دعم جهود إيران في الوساطة بين النظام وتركيا كآلية للاستجابة إلى مخاوف الأخيرة الأمنية، إضافة إلى عرض نقل مباحثات اللجنة الدستورية من جنيف، وأيضاً مصير آلية المساعدات الإنسانية عبر الحدود.
سياسات روسيا وإيران، ستجعل من فرصة حصول تركيا على موافقة لشنّ عملية عسكرية جديدة شمال سوريا ضئيلة، وفق الدراسة التي رأت أن ذلك يضع تركيا أمام خيارات محدودة، وهي إمّا القبول بتوسيع آليات المراقبة والتنفيذ لمذكرات التفاهم المشتركة والاحتفاظ بحقها في تنفيذ عملية أمنية نوعية بما يضمن إبعاد حزب العمال الكردستاني عن حدودها بعمق 30 كيلومتراً، أو القبول بمقترح المنطقة الأمنية وأي صيغة معدلّة عنه، أو تقليص الالتزام بخفض التصعيد بما يتيح لفصائل المعارضة شنّ هجمات عسكرية على مناطق “قسد” والنظام من دون أن تكون هناك مشاركة بالضرورة للقوات التركية.
ومع إعلان تركيا نيتها شن عملية عسكرية داخل الأراضي السورية زادت وتيرة الأعمال العسكرية من قبلها، ومن قبل الفصائل السورية المعارضة المدعومة منها، وتمثل ذلك من خلال استهداف الجيش التركي لقواعد النظام بشكل مباشر مرتين خلال شهر، وكذلك استهداف مواقع “قسد” سواء شرق الفرات أو غربه، دون أن تتوقف عن استخدام الطائرات المسيرة ضد أهداف تعود لـ”قسد”. وهو ما اعتبره الباحث لدى المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، النقيب رشيد حوراني “إن دل على شيء فإنما يدل على عزم الجانب التركي في التصعيد الميداني إلى أن يحقق الهدف المعلن المتمثل بالمنطقة الآمنة”.
واعتبر المتحدث لـ “القدس العربي” أن ما يزيد من إصرار تركيا على العملية، هو ضعف الجاهزية القتالية لدى كل من قوات النظام وميليشياته، فضلاً عن التنافس الروسي – الإيراني على النفوذ فيما بينهما على الأرض السورية، ما يجعل احتمال ترك روسيا لإيران في المعركة مرجحاً، من باب التأديب. وفي قراءة للمشهد، قال حوراني: قد تعمل قمة طهران على رسم مناطق تحرك العملية مقابل مقايضتها بمصالح أخرى لصالح تركيا (اقتصادية كما بدا من تصريحات الرئيس الإيراني) لكي تكون العملية في اتجاه مناطق قسد فقط دون التقدم في اتجاه مناطق النظام.
في الميدان
وفي ثاني استهداف خلال الـ 24 ساعة الأخيرة، أصيب ضابط وعنصر من قوات النظام السوري، نتيجة استهداف طائرة تركية، مسيّرة من نوع “درون” موقع عسكري مدينة تل رفعت في ريف حلب شمال سوريا. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن الطائرة مسيرة استهدفت صباح الثلاثاء، نقطة تابعة لقوات لنظام السوري في مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، بقنبلة، ما أسفر عن إصابة ضابط برتبة ملازم وعنصر بجروح متفاوتة، حيث جرى نقلهم إلى مستشفى تل رفعت لتلقي العلاج.
ويوم أمس، استهدفت طائرة تركية من نوع “درون” موقعاً آخر لقوات النظام، في مدينة تل رفعت الخاضعة لنفوذ الميليشيات الكردية، وقوات النظام، كما تضم قاعدة عسكرية روسية، ما أدى لأضرار مادية، دون معلومات عن خسائر بشرية. وكان المرصد السوري أشار في الثالث من الشهر الجاري، إلى أن طائرة مسيرة مذخرة من نوع “دورن” استهدفت بقنبلة حاجزاً لفرع أمن الدولة، بالقرب من سكة القطار وسط مدينة تل رفعت شمالي حلب، حيث اقتصرت الأضرار على الماديات فقط.
تعزيزات تركية وسورية
في موازاة ذلك، قالت مصادر محلية متطابقة، إن الجيش التركي دفع برتل عسكري تركي، يتألف من عشرات الآليات والشاحنات المحملة بالأسلحة الثقيلة وراجمات صواريخ ومدرعات ناقلة للجند ومواد لوجستية، إلى ريف إدلب. ودخل الرتل العسكري التركي، الثلاثاء، من معبر كفر لوسين، وتوقف عند معبر باب الهوى، واتجه نحو القواعد العسكرية التركية في ريف إدلب. وعلى وقع هذه التعزيزات، وسعت قوات النظام السوري، انتشارها عبر دفعها بالمزيد من التعزيزات ونشر الجنود وإنشاء نقاط ومواقع عسكرية جديدة، حيث وصلت أرتال عسكرية جديدة، الثلاثاء، لقوات النظام السوري إلى محاور القتال مع فصائل “الجيش الوطني” في ريف عين عيسى شمالي الرقة، اشتملت على دبابات ومدافع ثقيلة وسيارات محملة بالذخائر وجنود، كما وصلت تعزيزات أخرى، لقوات النظام إلى محاور القتال مع فصائل “الجيش الوطني” في ريف منبج في ريف حلب الشرقي، تضم عدة باصات محملة بعناصر من النظام إلى خط جبهة عرب حسن شمالي منبج، فضلاً عن وصول أسلحة ثقيلة من دبابات ومدافع وسيارات محملة بالذخائر، إلى جبهات منبج.
وترافقت التعزيزات مع تحليق مروحيات روسية في أجواء المنطقة لحماية أرتال وتعزيزات قوات النظام السوري، التي تصل تباعاً إلى محاور القتال. في غضون ذلك، تمركزت قوات عسكريّة تابعة للنظام السوري في محيط بلدة العريمة، على خط الساجور، في ريف منبج شرق حلب، كما انتشرت عناصر النظام مع الميليشيا الموالية لها مدعومة بأسلحة ثقيلة و3 دبابات و3 راجمات صواريخ في مناطق سيطرة “قسد”، فضلاً عن توزعها داخل مطار صرين.
تزامناً مع اللقاء الثلاثي أثيرت الكثير من التكهنات حول إمكانية التواصل التركي السوري في الآونة الأخير وخصوصاً من خلال الجانب الأمني منه وكان لافتاً أمس ما أفادت به وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا) من أن وزير الخارجية السوري فيصل المقداد سيزور طهران الليلة تزامناً مع وصول قادة “ترويكا أستانة” إلى العاصمة الإيرانية.
وأضافت أن المقداد سيلتقي نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، ليتباحث معه بشأن القضايا الإقليمية، والقضايا ذات الاهتمام المشترك. ويأتي هذا بينما تستضيف طهران قمة تضم قادة إيران وروسيا وتركيا، ضمن الصيغة المعروفة باسم “مسار أستانة” بشأن الأزمة السورية.

 

المصدر:  مركز الشرق العربي