المرصد السوري لحقوق الإنسان : معضلة البادية السورية…”داعش” يستنزف النظام والمليشيات الحليفة

 

يستعر الصراع مجدداً في البادية السورية بين فلول تنظيم “داعش”، وقوات النظام السوري والمليشيات الموالية لإيران التي تستعد، كما يبدو، لبدء حملة تمشيط جديدة للحد من هجمات هذه الفلول التي توجّه ضربات تُوصف بـ”الموجعة”، على الرغم من القصف الجوي الروسي المتكرر الذي يستهدف التنظيم.

تعزيزات عسكرية إلى البادية السورية

وذكرت شبكات إخبارية محلية، منها “نداء الفرات”، أن تعزيزات عسكرية لـ”حزب الله” اللبناني وصلت، مساء الجمعة الماضي، من ريف حمص الشرقي إلى ريف الرقة الجنوبي الخاضع لسيطرة النظام، مشيرةً إلى أن هذه التعزيزات ضمّت ثلاث شاحنات محملة بالأسلحة والذخيرة المتوسطة والخفيفة، وأتت من مستودعات الحزب في بادية حمص الشرقية إلى بادية الرصافة جنوب الرقة.

وأشارت الشبكة إلى أن “الذخيرة والأسلحة سيتم توزيعها على نقاط المليشيات الإيرانية، بهدف رفع الجاهزية للقيام بعملية تمشيط في المنطقة، إثر تزايد نشاط خلايا لتنظيم داعش ضد مواقع عصابات الأسد في بادية الرقة”.

تعزيزات عسكرية لـ”حزب الله” اللبناني وصلت من ريف حمص الشرقي إلى ريف الرقة الجنوبي

وجاءت التعزيزات عقب أيام من كمين نفذته خلايا تنظيم “داعش” استهدف حافلة مبيت لقوات النظام بريف الرقة، قتل على إثره 18 عنصراً من هذه القوات، وحُرقت جثثهم داخل الحافلة قبيل انسحاب عناصر التنظيم من الموقع.

وكانت هذه العملية دليلاً إضافياً على أن التنظيم هو المتحكم الفعلي في البادية السورية، والقادر على توجيه ضربات في المكان والزمان الذي يحدده.

من جهتها، قالت وزارة الدفاع الروسية، في بيان لها أول من أمس السبت، إن وحدات من قوات النظام اكتشفت خلايا التنظيم التي نفّذت الهجوم “وبعد ذلك، تم توجيه ضربة عالية الدقة قضت عليهم”.

النظام يواصل التمشيط في البادية مع تصاعد عمليات “داعش”

وفي السياق، أكد “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، أنّ قوات النظام ومليشيات تابعة لها، منها “لواء القدس”، تواصل حملة التمشيط والبحث عن خلايا التنظيم في منطقة جبل البشري، ضمن بادية الرقة الجنوبية الشرقية المتصلة مع بادية محافظة دير الزور.

وأشار إلى أنه رصد 11 عملية لعناصر تنظيم “داعش” في البادية خلال شهر يونيو/حزيران الحالي، وتحديداً منذ الثاني من يونيو وحتى 22 منه، مؤكداً أنه وثّق مقتل 42 من عناصر قوات النظام والمليشيات الموالية لها وإصابة 31 منهم بجروح متفاوتة، جراء هذه العمليات، بالإضافة إلى مقتل مدني وإصابة 14 آخرين بجروح متفاوتة.

ولفت المرصد إلى أن المليشيات الإيرانية اعتقلت نحو 28 مسلحاً محلياً تابعاً لها، لرفضهم المشاركة في حملات التمشيط للبادية السورية من قبل هذه المليشيات التي تسيطر على ريف دير الزور جنوب نهر الفرات، وجانب من ريف الرقة الجنوبي.

وكانت قوات النظام والمليشيات الإيرانية شنت في إبريل/نيسان الماضي، حملة تمشيط لبادية دير الزور، إلا أنها كسابقاتها لم تنجح في احتواء التنظيم.

ومنذ انكفاء “داعش” عن شرقي سورية باتجاه البادية في عام 2018، تعمد خلاياه إلى توجيه ضربات مستمرة لقوات النظام والمليشيات الإيرانية على امتداد البادية السورية، والتي باتت ميداناً كبيراً تتحرك فيه خلايا التنظيم. وعجزت هذه القوات عن القضاء على التنظيم أو الحد من هجماته، على الرغم من عشرات الحملات البرية والقصف الجوي المستمر من الطيران الروسي.

ووفق مصادر محلية في ريف الرقة الجنوبي الغربي، فإن قوات النظام “تتلقى ضربات بشكل مستمر في بادية الرصافة”، مشيرةً في حديث مع “العربي الجديد” إلى أن عناصر هذه القوات “أهداف سهلة للتنظيم، كونهم لا يمتلكون السلاح الذي يمكنهم من الدفاع عن أنفسهم”.

وأوضحت المصادر أن خلايا التنظيم “تتحرك بشكل سريع ضمن مجموعات قليلة العدد على دراجات نارية، ما يُفشل الطيران الروسي في استهدافها”.

رصد 11 عملية لعناصر تنظيم “داعش” في البادية خلال شهر يونيو الحالي

أهمية البادية السورية

وتعتبر البادية السورية نطاق عمل ونشاط للجانب الروسي، ولم يسبق لطيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أن شنّ أي عملية فيها، على الرغم من أنه يتمركز في قاعدة التنف التي تتوسط بوادي سورية والعراق والأردن.

وتشكّل البادية نحو نصف مساحة سورية، وتتوزع إدارياً على محافظات عدة، هي: دير الزور، الرقة، حلب، حماة، حمص، ريف دمشق، السويداء. وينشط “داعش” في محيط الطرق التي تستخدمها قوات النظام والمليشيات الإيرانية التي تتخذ من مدينة تدمر مركزاً رئيسياً لها في قلب البادية السورية، حيث تتمركز وحدات من مليشيات عدة منها “فاطميون” و”زينبيون”.

وتعد البادية مهمة لجميع الأطراف الفاعلة، كونها تضم العديد من حقول وآبار الغاز، منها حقل الشاعر، وهو أكبر حقل للغاز في البلاد، واستعادته قوات النظام من تنظيم “داعش” في عام 2017.

كما تضم البادية السورية حقول فوسفات، والتي تعد ثروة لا تقل أهمية عن الغاز، وقد وضعت روسيا يدها عليها في عام 2018 عبر اتفاقية مع حكومة النظام السوري.

وكانت سورية تحتل المرتبة الخامسة عالمياً على قائمة الدول المصدِّرة للفوسفات حتى عام 2011، وتعتبر مناجم السلسلة التدمرية، خصوصاً خنيفيس والشرقية، الخزان الأكثر أهمية وجدوى اقتصادية من هذه الثروة.

وتعتبر البادية السورية ذات أهمية فائقة للجانب الإيراني كونها تقع في منتصف الممر البري الآتي من إيران مروراً بالعراق وسورية وصولاً إلى لبنان.

رشيد حوراني: الجانب الروسي يسمح أحياناً بتمدد داعش في البادية لضرب المليشيات الإيرانية

في المقابل، تعد البادية هي الملاذ الأخير لتنظيم “داعش” في سورية، منذ أن خسر معقله الأخير في شرقي البلاد مطلع عام 2019 في ريف دير الزور الشرقي. ويتحرك التنظيم عبر البادية بكل يُسر، مستفيداً من التضاريس الصعبة، ومعرفة خلاياه لطبيعتها الجغرافية، كونه يسيطر عليها عملياً منذ عام 2015.

وفي السياق، رأى النقيب المنشق عن قوات النظام، رشيد حوراني، وهو باحث في “المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام”، أن الجانب الروسي “يسمح أحياناً بتمدد تنظيم داعش في البادية السورية لضرب المليشيات الإيرانية”. وأشار، في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن التنظيم “يستفيد من خبرته في هذه البادية، التي يقسّمها لقطاعات، ولديه فيها شبكة متعاونين يوظفها ضد أعدائه”.

 

 

 

المصدر: العربي الجديد