المرصد السوري لحقوق الإنسان: مهد الاحتجاجات السورية.. درعا وإخفاق “المصالحة القسرية” بإعادة الاستقرار

 

في منتصف عام 2018، تعرضت مدن وبلدات درعا لحملة عسكرية قادها النظام وحلفاؤه، مما دفع بمئات الآلاف المدنيين للنزوح صوب الحدود الأردنية، قبل أن يتمكن النظام بدعم روسي من فرض المصالحة على الفصائل العسكرية المعارضة في يوليو 2018، والتي نصَّت على “وقف إطلاق النار وعودة النازحين ودخول الشرطة العسكرية الروسية إلى المدينة، إلى جانب انتشار حواجز لقوات النظام وعودة مؤسساته الخدمية والإدارية للعمل في المنطقة، وتسليم الفصائل المعارضة لأسلحتها الثقيلة والمتوسطة وخروج الرافضين للاتفاق باتجاه الشمال السوري.

 

أربعة سنوات على المصالحة المزعومة.. ولا أمان

ورغم مرور نحو أربعة سنوات على اتفاق المصالحة المزعومة بين النظام وأهالي درعا وأبنائها المسلحين، لا تزال الأوضاع في المحافظة الجنوبية مضطربة، إذ لا يمر أسبوع تقريباً دون تسجيل حوادث أمنية ضد عناصر في صفوف قوات النظام، أو ضد مسلحين سابقين من أبناء درعا، ممن واجهوا النظام يوماً.

ولم يكون شهر يوليو الجاري مستثناً من ذلك، فمنذ بدايته، وتحديداً في الثاني منه، عندما استهدف مجهولون الشرطي أيمن حمورة من مرتبات ناحية خربة غزالة بريف درعا الشرقي، وذلك بعد ساعات على مقتل الشرطي المنشق حسام السمارة في بلدة محجة شمال شرقي درعا، وذلك في استمرار لعمليات الاغتيال في درعا التي ينفذها “مجهولون”.

وقد وثّق قسم “الجنايات والجرائم” في “مكتب توثيق الشهداء” بدرعا حدوث 49 عملية ومحاولة اغتيال خلال يونيو الماضي، وبحسب تقرير له، إذ أدت تلك العمليات والمحاولات إلى مقتل 42 شخصاً، منهم 34 من المدنيين والأطفال، ومن مقاتلي فصائل المعارضة سابقاً، الذين انضموا إلى اتفاقية “التسوية” في عام 2018، وثمانية قتلى من المسلحين ومقاتلي قوات النظام السوري.

وتكرر الأمر في السابع من يوليو، عندما أعلن نشطاء، أن شاباً عائداً منذ نحو شهر من الأردن، تعرض لإطلاق نار من قِبل مجهولين في منطقة الكتيبة شمالي خربة غزالة بريف درعا الشرقي، الأمر الذي أدى لمقتله على الفور، ووفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغت إلى ذلك التاريخ، حصيلة الاستهدافات في درعا، منذ مطلع شهر يناير، 290 استهدافاً.

وجرت وفق المرصد، الاستهدافات بطرق وأساليب مختلفة، وتسببت بمقتل 248 شخص، هم: 123 من المدنيين بينهم سيدتين و5 أطفال، و102 من العسكريين تابعين للنظام والمتعاونين مع الأجهزة الأمنية وعناصر “التسويات”، و12 من المقاتلين السابقين ممن أجروا “تسويات” ولم ينضموا لأي جهة عسكرية بعدها، وعنصر سابق بتنظيم “داعش” و7 مجهولي الهوية، و3 عناصر من الفيلق الخامس والمسلحين الموالين لروسيا.

منطقة آمنة.. بين الحقيقة والوهم

وبالتوازي مع تلك الاستهدافات، التي يبدو الكثير منها مفهوماً، إن من جهة استهداف أبناء درعا لعناصر من النظام، وإن من جهة استهداف النظام لبعض المسلحين السابقين من أبناء درعا، ممن أجروا تسويات، لكن لا يزال النظام يعتبرهم ضمن دائرة أعدائه، ومن مشكلي الخطر عليه، فقد تداول سكان بجنوب سوريا، وبالأخص درعا، أنباءاً عن إنشاء منطقة آمنة على طول الحدود مع الأردن، في منطقتهم، وهو ما أكده نقيب المحامين الأحرار في درعا، سليمان القرفان، بقوله لـصحيفة الشرق الأوسط، في السادس من يوليو، إن “منطقة آمنة ستنشأ بعمق 35 كلم داخل الأراضي السورية”.

الانباء أتت عقب حديث عن تطلعات جديدة لإعادة تشكيل مجموعات مسلحة جنوب سوريا، بهدف إنشاء منطقة آمنة على طول الحدود الأردنية – السورية، بعمق 35 كلم، ومحاربة وجود إيران وحزب الله، والتنظيمات الإرهابية، مثل داعش، حيث قال القرفان إن “اجتماعات عُقدت مؤخراً في إحدى الدول العربية، مع قادة محليين من درعا والسويداء والقنيطرة، منهم داخل سوريا، ومنهم خارجها، وهم عشرة قادة من درعا، وأربعة قياديين محليين من السويداء، وخمسة من القنيطرة”، منوهاً إلى أنه تم اغتيال أحدهم، وهو القيادي كنان العيد.

واعتبر حينها، القرفان أن المنطقة الجنوبية في سوريا، ستكون مقبلة على مرحلة جديدة؛ إذ ستنشأ المنطقة الآمنة، بعد إدراك دول المنطقة خطر المد الإيراني في جنوب سوريا، وأن عملية كبح التموضع الإيراني، تبدأ من أبناء المنطقة الجنوبية عبر تشكيل مجموعات مسلحة، مثل التي كانت سابقاً في المنطقة، وإخراج النظام السوري وقواته من المنطقة، ما يبعد خطر إيران ووكلائها أو المتعاونين معها.

لكن، لم يمر وقت طويل حتى جرى نفيها رسمياً من الجانب الأردني، حيث فند مصدر مسؤول أردني في السابع من يوليو الجاري، ما جرى تداوله مؤكداً لوكالة “عمون” الأردنية، نفيه بصورة قاطعة ما تردد، مضيفاً أنه لم يطرح أي شيء من هذا القبيل على الإطلاق، مشيراً إلى أنه لا توجد أي أحاديث حول إنشاء منطقة آمنة مع التأكيد على أن الأردن لا يفكر بإنشائها.

النظام واستهداف أبناء درعا

ولكونها كانت مهد الانتفاضة الشعبية على حكمه، في آذار العام 2011، يبدو أن النظام السوري، لا يزال ساعياً للانتقام من المحافظة، عبر اقتناص شبابها أينما تهيئت الفرصة لقواته، ففي منتصف يوليو، ذكرت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان، بأن عناصر حاجز يتبع لـ “المخابرات الجوية” في قوات النظام متمركزين على أوتوستراد حمص عند جسر بغداد، اعتقلوا شاباً من أبناء مدينة جاسم شمالي درعا، وذلك بعد عودته إلى سوريا قادمًا من لبنان، دون معرفة أسباب ودوافع الاعتقال الذي تم خارج نطاق القانون.

وأشار المرصد حينها، إلى أنه قد سبق لنفس الحاجز تنفيذ عمليات احتجاز بحق شبان من أبناء محافظة درعا، عقب عودتهم من لبنان، حيث يعد حاجز “جسر بغداد” من أبرز الحواجز الأمنية تشديداً على المدنيين، وعلى صعيد متصل، شهدت مدينة الصنمين في ريف درعا، حركة نزوح لبعض سكانها، بعد أنباء عن استعداد قوات النظام السوري لعملية عسكرية فيها، حيث ذكرت وقتها وسائل إعلامية، بوجود مفاوضات بين وجهاء ومعنيين من المدينة وضباط من النظام السوري طالبوا بتسليم أو ترحيل عدد من أبناء المدينة، متهمين بعمليات اغتيال أو البدء بعملية عسكرية محدودة للبحث عنهم.

إذ عاشت الصنمين العديد من عمليات الاغتيال، كان آخرها بتاريخ 27 يونيو، راح ضحيتها 5 أشخاص، بينهم أمين فرع حزب البعث السابق في درعا كمال العتمة، ومدير الزراعة في مدينة الصنمين زكريا العتمة، و3 آخرون كانوا برفقتهم، إضافة إلى إصابة طفلة وسيدتين بجروح بليغة، بعد هجوم نفذه مسلحون مجهولون على منزل زكريا العتمة مدير دائرة الزراعة، واستهداف الموجودين فيه بالرصاص المباشر.

درعا ترفض إيران

لكن، ورغم التضييق الذي تمارسه قوات النظام، خرج مجموعة من أبناء مدينة درعا البلد بوقفة احتجاجية عقب صلاة يوم الجمعة\15 يوليو، عند ساحة المسجد العمري في المدينة، ورفعوا شعارات تطالب بخروج إيران وحزب الله، من المنطقة وتحملهم مسؤولية الفلتان الأمني وانتشار المخدرات، وهتفوا: “سوريا حرة حرة إيران تطلع برا”، حيث كانت الوقفة الاحتجاجية بعنوان (درعا خالية من الدواعش) التي يبدو أن النظام يسعى للانتشار في المنطقة تحت ذريعة وجود عناصر من التنظيم الإرهابي فيها.

وأخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن كل ما تشهده درعا من انفلات أمني وعمليات قتل واغتيال تستهدف تارةً معارضين سابقين، وتارةً أخرى قوات للنظام السوري وفصائل التسويات، بجانب انتشار السطو المسلح والسرقة والمخدرات، هي أمور تبدو إلى حد كبير نتيجة “طبيعية”، لعملية “المصالحة القسرية”، التي أجبر عليها السوريون في درعا منتصف العام 2018، ومن غير المرجح أن تتراجع تلك العمليات أو تنتهي، ما دامت الطغمة الحاكمة في سوريا، تحكم على جبل من الجماجم، وترفض الانتقال بالبلاد إلى الحل السياسي، الضامن لمشاركة كل السوريين بحكم بلادهم، بغض النظر عن الخلفيات العرقية أو الدينية أو الطائفية التي ينحدرون منها.

 

 

 

المصدر:  ليفانت نيوز