«المرِّيخ».. طريقنا إلى القدس

تُعبِّر القضية الفلسطينية عن وجدان العرب والمسلمين؛ ذلك أنها ارتبطت بهم وتحوَّلت إلى بدهية اعتيادية.. الضخُّ السياسي والاجتماعي والإعلامي طوال العقود المنصرمة حوَّلها إلى موضوعٍ شعري، ووجداني، وأساس انتماء عاطفي لا يمكن أن يخبو مع تقادم السنين. ولأنها القضية التي وعى الناس على مشروعيتها، وعلموا ظروف المظلومية التي وقعت على الفلسطينيين حينها، فإن ملامسة شغاف قلوب الناس تتم بشكلٍ سهل حين يتم توظيفها في أي خطابٍ سياسي، أو انتخابي حتى تحوَّلت بمرور الزمن، وتحديدًا في الستينات، إلى محور تأجيل سهل لموضوعات التنمية، حين صعد خطاب «التحرير ثم التنمية»، منذ تلك اللحظات والخطابات القومية تستخدم هذه الصيغة بذكاء لأغراض سياسية.. واستبداديةٍ أيضًا.
العاطفة القويَّة العربية تجاه فلسطين وضعت القضية مقدمةً وديباجةً لكل خطاب، وبخاصة مع تصاعد نبرات الوحدة، والعروبة، وصولاً إلى تغول الأصولية، كل تلك المراحل كانت فلسطين هي العبارة الأساسية والمقولة المرجِّحة لأي مشروعٍ كان حتى ولو كان دمويًا.
معادلات عديدة وضعت: «التحرير قبل الحرية»، و«التحرير قبل التنمية»، و«القضية قبل الدولة». المحصِّلة أن مشروعية القضية لا تعني أن جميع حالات التوظيف التي مورست طوال العقود الماضية كانت مشروعة، بل بدت في مجملها مبررةً ومشرِّعةً لحراسة ما هو قائم بكل بلادةٍ واستسلام، مما يؤكد ضرورة البحث عن خطاب جديد يعيد لها وهجها المقنع بعد أن باتت سيفًا تستخدمه الأحزاب البعثية والأصولية والإرهابية العدوانية.
مع الثورة الإيرانية عام 1979 قيل إن الطريق إلى القدس يمرُّ عبر القضاء على الشياطين في الخليج، والشيطان الأكبر في أميركا، ورأى عدد من المتمردين الفلسطينيين في السبعينات أن الطريق إلى القدس يمرُّ عبر لبنان، بينما تفتَّقت عبقرية صدام حسين عام 1990 عن طريقٍ جديدٍ إلى القدس مساره يمتد عبر الكويت والرياض والخفجي والدمام، لنصل إلى أسامة بن لادن الذي وجد الطريق إلى القدس كما لم يرها أحد من قبل؛ طريق أسامة للقدس يمرُّ عبر برجي التجارة العالمية في مانهاتن، بينما «داعش» طريقه إليها من «القديح» و«الدالوة» و«العنود»، ومؤخرًا اكتشف حسن نصر الله طريقًا جديدًا يؤدي بدوره إلى نفس الهدف (القدس) ويمر عبر الزبداني والقلمون، حيث يشارك في الحرب الأهلية السورية الكارثية من أجل تسريع الوصول إليها وتحريرها!
كل تلك الاقتراحات والطرق طرحت من قيادات أصولية أو بعثية تمتاز بالرؤية الشمولية والاستئصالية، والجامع بينها مفردة «القدس». وإذا كانت الطريق إليها ستمر عبر طريق مختلف في كل حقبة تهدم على دربه مؤسسات الدول وتسفك على قارعته الدماء فإن القضية نفسها يراد لها أن تظلَّ مؤبَّدة تتعقد بتقادم الزمن لتكون عائقًا أمام مصالح الدول الأخرى وأمنها واستقرارها، بل لتكون ضد حياة الإنسان نفسه.
على الفلسطينيين تدارك حالات الاستخدام التي تمارس ضد القضية، لئلا تتحول إلى أيقونة تدل على إمكانات الحرب، واحتمالات الدمار، ومؤشرات الإفناء وتدمير مؤسسات الدول. إن أكثر الأمم فرحًا بهذا التشويه العربي والإسلامي لقضية فلسطين هي إسرائيل، ذلك أنها لو دفعت ملء الأرض ذهبًا لتصل بصورة القضية إلى ما وصلت إليه لما استطاعت، بينما ترمى صورتها بأقذع الأوصاف، وأبشع الاستخدامات من دون إدانة مسؤولة أو توبيخٍ إعلامي وسياسي محكم ضد هذا الاستهتار بقضية شعبٍ يعيش مأساةً تاريخية، ويبحث عن حلٍ جذري نهائي لتأسيس دولةٍ حيَّة.
إنهم يستخدمون القضية لغرض التطهُّر الموهوم من دنسٍ لم يعترفوا به لهذا يضعون فشل الحلول على غيرهم، بينما لا يمكن لأي قضية أن تحل خارج إرادة الشعب المعني ودفاعه عن مشروعية مطالبه وحمايتها من الطغاة والإرهابيين. إن أكبر ارتداد ثقافي واجتماعي سببته قضية فلسطين كان بسبب تعميمها وجعلها قضية الجميع بنفس المستوى مع المعنيين الأصليين، أدى كل ذلك إلى دخول المشوِّهين لها والطامعين بالكسب عبرها، بل والاستبداد من خلالها.
أثبتت الأحداث أن الدول التي تدعم القضية بجدٍّ وإخلاص لم تستخدم فلسطين في صراعاتها وحروبها، أضرب مثلاً بدول الخليج وعلى رأسها السعودية التي تخوض الحروب على أسس العصر، ضمن صورة الحرب المعاصرة النظيفة، وتعلن العمليات والحروب لأهداف تتعلق بالأمن القومي وحماية الحدود وتثبيت المصالح وترسيخ الاستقرار من دون أي شعارات آيديولوجية، فضلاً عن استخدام القضية الفلسطينية التي تدعمها وتخدمها، وتضعها على أولويات دبلوماسيتها، لكنها لم تستخدمها.
أهل القضية أعرف بطرقهم إلى القدس، وحين تعلن خرائط أخرى فإننا أمام إرادة لتدنيس القدس وتفريغ القضية من مضمونها وتحويلها إلى شعار تدعِّم به دعايات الأحزاب نحو الدماء والموت.
إن أكبر إهانة لفلسطين وأهلها وللقدس وتاريخها أن يرسم لها أو باسمها طريقًا تركل على جوانبه الجثث، ليتحول طريق القدس إلى مفازةٍ موحشة، جماجم الأطفال رسمها، ودماء الحروب الأهلية وسمها، وكهوف هياكل لبقايا أجسادٍ تعيث على أطرافها القوارض، طريق يخلو من كل صوت، إلا صوت النسور، وآخر أنين الموتى وقد امتدت قلوبهم إلى حناجرهم.
بالتأكيد، الطريق إلى القدس لا يمرُّ عبر «طريق النحل» الذي تغنَّت به فيروز، ولا من خلال طرق نيويورك وكابل وبغداد ولا الرقة وحلب، ولا الزبداني والقلمون، ولا القديح والدالوة.. الطريق إلى القدس يمرُّ عبر تغيير شامل للخطابات القديمة الراديكالي منها والعروبي، السلمي والدموي. إن تخشُّب القضية الفلسطينية يعبِّر عن أزمة كبرى في المجتمعات العربية والمسلمة، لأنها لم تفكِّر بخطاب تحريرٍ جديد، أو بمفاهيم تفاوض تغلُّب الإمكان على المستحيل، ولا بصيغ واقعية تمنح المستقبل المشروعية على أغلال الماضي، لعلَّ أجيال القدس الجديدة تعي الخطر الخطابي المحدق الذي يستخدم عاصمتهم العريقة والتاريخية متعاليةً فوق كل هذا الصراخ. إنها القدس، وحين وصفها محمود درويش قال: «المحبة والسلام مقدَّسان… وقادمان إلى المدينة».
فهد سليمان الشقيران 
الشرق الاوسط