المعارضة السورية.. والخذلان الأميركي

3209976000578

أدلى أخيراً روبيرت فورد (السفير الأميركي السابق في سورية، ومنسق ومبعوث واشنطن الخاص إلى فصائل المعارضة السورية، وأحد أهم المعنيين بمتابعة الأزمة السورية منذ بدايتها) في أول كلمة علنية له منذ تركه منصبه في مطلع آذار (مارس) الماضي تحدث فيها عن الوضع السوري، وتحديداً عن أسباب صمود الرئيس السوري بشار الأسد على مدى الأعوام الثلاثة الماضية، إذ أرجع فورد ذلك الصمود إلى ثلاثة أسباب، أولها: ما يتعلق بفشل المعارضة السورية من ناحية التنافس والطموح الشخصي بين شخصيات المعارضة، منذ بداية الأزمة السورية، وهو ما أدى إلى انقسامها واختلافها وعدم اتفاقها، وفشلها من ناحية أخرى، أيضاً في طمأنة الدعامات التي يعتمد عليها الأسد وهم العلويون والمسيحيون في حال سقوطه، وعدم إدانتها التنظيمات المتشددة.

 

 

ثانيها: الدعم العسكري والسياسي الكبير الذي قدمته كل من روسيا وإيران وحزب الله والمليشيات الشيعية التي تقوم اليوم ميدانياً بدور أكبر من الجيش السوري المساند والقابع في ثكناته. ثالثها: الاتحاد والتماسك الداخلي الواضح داخل قلب النظام وعدم تصدعه من الداخل، وهو ما لم يوجد مثله داخل المعارضة على رغم أن النظام بحد ذاته في تآكل.

 

 

السيد فورد في محاضرته تحدث وأسهب عن جوانب من حقيقة هذه الأزمة، وأرجع تبعات بقاء نظام الأسد وصموده إلى أسباب واضحة، ولكنه في الوقت ذاته تجاهل – وفي شكل واضح – جانباً مهماً كان له دور بارز في صمود النظام طوال هذه الأزمة، فليس بخافٍ على الكثيرين في الداخل والخارج السوري أن من أهم نقاط الضعف الخطرة في الثورة السورية كانت تشتت المعارضة وخلافاتها الكثيرة، التي بدأت منذ الأشهر الأولى للثورة بين الفريقين الرئيسين في المعارضة آنذاك: المجلس الوطني وهيئة التنسيق الوطني، وافتقارها أيضاً – وبعد تشكل الائتلاف الوطني – إلى مرجعية وقيادة قوية مؤثرة تمتلك القدرة على احتواء الخلافات داخل المعارضة وحسمها، وتوحيد وبناء التحالفات العربية والدولية، وتكون قادرة على فرض وإقناع أعضائها باستراتيجية سياسية وعسكرية واضحة، وهو ما أسهم في ضعف دورها وتأثيرها في سير الأمور بالداخل المتمثل في فقدان سيطرة المعارضة السياسية على التشكيلات العسكرية وعلى من يحملون السلاح في الأرض، وهذه حقيقة واضحة، ولكن مهما كانت إخفاقات المعارضة وفشلها فلا يمكن إلقاء اللوم الأكبر عليها ووضع المسؤولية على عاتقها وبأنها المسؤول الأول عن بقاء نظام الأسد واستمراره، كما ذكر السفير الأميركي، الذي تجاهل في الوقت نفسه وبكل وضوح الموقف الأميركي وضعفه وغموضه وتذبذبه تجاه ما حصل ويحصل حتى اليوم في سورية.

 

 

في مقابل الدعم الكبير الذي أشار إليه من حلفاء وأصدقاء النظام السوري الذي اتسم بالوضوح وعدم الغموض بتقديم أسلحة وأموال وخبراء واستشارات ودعم سياسي واستراتيجي من دون أي سقف أو حد، إضافة إلى تدخل ونشر «حزب الله» والمليشيات الشيعية قواتها في سورية، فمن يراقب مجمل سياسات ومواقف الإدارة الأميركية المأساة السورية، منذ اندلاعها قبل أكثر من ثلاثة أعوام ومنحنيات صعودها وهبوطها فيها وتصريحات أركانها (الرئيس، الخارجية، مجلس الأمن القومي) المتراوحة بين التصعيد السياسي والتهدئة، والتنقل بين موقف وآخر، يتبين له مدى التذبذب والتردد في اتخاذ قرارات حاسمة تجاه نظام الأسد، وتجاه دعم المعارضة السورية عسكرياً، فالولايات المتحدة لم تقدم إلا القليل نسبياً للمعارضة وكل ما قدّمته هو مساعدات سياسية وإدانات لفظية، وجهود ديبلوماسية، وبعض المساعدات العسكرية المحدودة، وحتى حينما ظهر تحول في الموقف الأميركي من رفض التسليح إلى التسليح في حزيران (يونيو) 2013، وقرر أوباما تقديم الدعم العسكري للمعارضة السورية في غضون أسابيع بعد أن رفض توصيات عدة من كبار مساعديه من قبلُ، بتسليح المعارضة السورية، إنما كان الغرض من ذلك هو استعادة توازن القوى الميداني قبل عقد القمة الروسية – الأميركية المرتقبة ومؤتمر «جنيف 2»، فالخطوة لم تكن إلا في سياق الحل السياسي وليس في سياق التحوّل نحو حل وتسليح عسكري للمعارضة، وهو ما جعل حجم التسليح يكون محدودًا بتقديم أسلحة آليّة خفيفة تؤدي فقط إلى تصحيح الخلل الذي نشأ بعد معركة القصير في موازين القوى بين النظام ومعارضيه.

 

 

وقد استمرت إدارة الرئيس أوباما في تمسكها طوال فترة الأزمة السورية برفض إمداد المعارضة السورية المعتدلة بأسلحة نوعية ثقيلة في صراعها مع قوات الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما جعل سياستها أقرب إلى إدارة الصراع والعودة من حين لآخر إلى ممارسة الضغوط، للتوصّل إلى تسوية سياسيّة، والعمل على تسليح المعارضة بالمقدار الذي يخفف من عبء الانتقادات التي تطاول إدارة أوباما في سورية ومن دون أن تصب الزيت على النار.

 

 

فما الذي يمكن أن تقدمه المعارضة حتى وإن كانت في وضع أفضل مما هي عليه من تطمينات للموالين للنظام وهم يرون تخلي المجتمع الدولي وخذلانه لهم، في مقابل تدفق المال والسلاح والدعم اللامتناهي لبقاء النظام واستمراره؟

 

 

ومنذ أيام قال دانييل روبنستين (المبعوث الأميركي الجديد إلى سورية خلفاً لروبيرت فورد) بشأن مطالبة بعض أعضاء الكونغرس بتسليح المعارضة: «ما يمكنني قوله إننا سنزيد ونكثف مراجعاتنا واستشاراتنا لنرى ما بالإمكان فعله لتقوية المعارضة، وهذا يتطلب الكثير من التنسيق مع شركائنا الدوليين». ولكن المعلومات تشير أخيراً وبعد الاجتماع الذي ضم الرئيس الأميركي أوباما وخادم الحرمين الشريفين إلى حدوث تطور وتغير بشأن تسليح المعارضة لم تتضح بعد حدوده ومعالمه من الجانب الأميركي، ومن السابق لأوانه الحكم عليها وعلى حجم تأثيرها في ميدان المعركة.

حسن بن سالم