المرصد السوري لحقوق الانسان

المعارض البارز سمير عيطة: سوريا لم تسقط بكوارث تيمورلنك وسفربرلك.. وستنهض رغم كل شيء

يتزايد التساؤل حول نهاية الصراع في سورية الذي دام نحو عقداً من الزمن، مع تمسك النظام بسياسة الهيمنة والتهميش بمعية دول أخذت سورية إلى الصراع الدامي وأغرقتها في دمائها، وكان هدفها تدمير الوطن، لكن الصراع في سورية أيقظ السوريين، برغم سعي السلطة إلى إفشال ثورتهم السلمية حتى لا تؤسِّس لبديلٍ يجمع كلّ السوريين بكلّ موروثاتهم وتقاليدهم وأطيافهم.
المعارض السوري البارز ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب والسياسي المحنك ،سمير عيطة، تحدث في حوار مطوّل مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن الوضع في سورية بمختلف مستوياته وعن الخلافات والحرب الأهلية ومشروع التقسيم.

 

• بداية، ما هي قراءتكم للمشهد السياسي والأمني حاليا في سوريا.. وإلى أين خلصت الحرب الأهليّة وحرب الآخرين بالوكالة في سوريا؟

ج- خفّـت وطأة القتال بشكلٍ كبير في السنتين الماضيتين، وتضاءلت أعداد ضحايا الحروب بشقّها العسكريّ بعد الأرقام المروعة التي وصلت إليها، وباتت سورية مقسّمة إلى ثلاث مناطق نفوذ: أمريكيّة في الشمال الشرقي، وتركيّة في الشمال، وروسيّة إيرانيّة في باقي سوريا، هذا بالإضافة إلى منطقة إدلب في الشمال الغربي التي تتطوّر ببطء نحو اقتسامها بين منطقتي النفوذ الأخيرتين.
لقد دخلت سورية مرحلة صراع سياسيّ بين القوى النافذة حول مستقبل البلد وأجزائه، وليس مؤكّداً أنّه سيتمّ الاتفاق على نهاياته على مدى قريب. سورية ليست على أولويّات الإدارة الأمريكيّة، وروسيا مشغولة بكثيرٍ من المشاكل الداخليّة، وتركيا ترى في مصلحتها ألاّ تحسم الأمور إلاّ بعد تطوّرات بطيئة على الأرض.
إيران بدورها فقدت الكثير من نفوذها في مناطق السلطة لصالح روسيا، ولكن لا تزال روسيا بحاجة لها ولمقاتليها على الأرض.
كذلك، إسرائيل مسرورة بإضعاف سورية كدولة لتبرير مشروعها الطائفي العنصريّ.. هذا كلّه مع عودة ارتباط الملفّ السوريّ بالملفّ الليبيّ كما في بداية النزاع، في ظلّ تطوّرات هناك تُبرز تناقضات كبيرة بين تركيا وروسيا.

 

• قلتَ إن الاحتلالات الخارجيّة لن توحّد السوريين.. وفي خضم ذلك، نشأت أحلام بكانتونات وفيدراليّات.. ألا يُخشى من اقتطاع أجزاءٍ أخرى من سورية ضمن مخطط التفتيت والتقسيم القديم الجديد؟

ج- ما كتبته في مقالٍ آخر هو أنّه حتّى الاحتلالات لم توحّد السوريين كما كان الأمر عند نشوء الدولة السوريّة، إذ أنّ الحرب وآلامها ومآسيها قد غيّرت ذهنيّات السوريّين، بحيث طغت المشاعر الطائفيّة والإثنيّة المفترضة على مشاعرهم الوطنيّة وحرصهم على بلادهم. بالطبع هناك مسؤوليّة كبيرة تقع على وسائل الإعلام المختلفة و”ماكينات” التلاعب بالرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، من قبل السلطة السوريّة وبعض قوى الأمر الواقع المسلّحة، كما خاصّة من قبل قوى النفوذ الخارجيّة، لكن المسؤوليّة الأكبر تقع على السوريين أنفسهم وعلى ما يسمّى نخبهم.
بالطبع هناك أطراف سوريّة تحلم بترسيخ الأمر الواقع لتشكيل شبه دول بدعمٍ من قوى النفوذ، هذا علماً أنّه ليس بين هذه الكيانات ما هو قابل حقيقةً للاستمراريّة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية دون الترابط مع بقيّة سورية.
المجتمع السوريّ شديد التعدديّة في جميع المناطق، ومشاريع الإدارة المحليّة التي كانت ولا تزال قائمة لا يُمكن أن تستمرّ دون تدفّقات خارجيّة كبيرة، خاصّة على شكل مساعدات من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا، وأبعد بكثير ممّا تقوم به الأمم المتحدة في الإغاثة، لكنّ هذه المساعدات لقوى النفوذ لها أهدافها. ثمّ ماذا في حال إذا ما توقّفت؟ وكيف سيؤّمن الناس قوتهم ومعيشتهم؟ وكيف ستستمرّ هذه الكيانات المفترضة؟

 

• مع اقتراب موعد دخول قانون قيصر حيز التنفيذ، تسجل الليرة السورية انهيارا جديدا مقابل الدولار.. ما هي العوامل التي أدت إلى هذا الانهيار؟

ج- دخل قانون قيصر حيّز التطبيق حتّى قبل أن يوقّعه الرئيس الأمريكي، وبالطبع سيأخذ طابعه التنفيذي الرسمي بعد بضعة أيّام، إذ أخذت معظم الشركات الخارجيّة التي بقيت تتعامل مع سورية، وخاصّة الصينيّة والآسيويّة، إجراءاتها الإحترازيّة تحسّباً من أيّة عقوبات أمريكيّة، وبالتأكيد سيُحكِم قانون قيصر الخناق الاقتصادي على سورية، بحيث يعطّل حتّى الليونة التي تواجدت مؤخّراً عند دول الاتحاد الأوروبي في تصدير مواد وتجهيزات إنسانيّة تساعد في استمراريّة معيشة السكّان.
بالنسبة لما أدّى إلى انهيار الليرة السوريّة مقابل الدولار، فهو أوّلاً وأساساً أزمة لبنان. كان السوريّون قد تأقلموا مع الإجراءات الأحاديّة الجانب الأمريكيّة والأوروبيّة، ووجدوا متنفّساً لتجارتهم الخارجيّة عبر لبنان خاصّة، وكذلك عبر العراق والأردن (منذ انفتاح معبر نصيب) والإمارات.
وكان عامَا 2018 و2019 قد شهدا بعض التحسّن الاقتصادي بفضل موسم المطر الجيّد وهذا التأقلم. وكان سعر صرف الدولار قد ثبت نسبيّاً منذ منتصف 2016 حتّى منتصف 2019، وهذا أمر لافت في بلدٍ يعيش حرباً وفوضى وضغوطاً اقتصاديّة.
لقد أدّى تفجّر أزمة لبنان إلى احتجاز، وربّما ضياع، أكثر من 30 مليار دولار من ودائع المؤسسات الصغيرة والمتوسّطة وكذلك من ودائع الطبقة الوسطى السوريّة.. كذلك توقّفت حركة دفع الواردات بالدولار انطلاقاً من المصارف اللبنانيّة. لقد فُقِدَ الدولار في لبنان ففُقِدَ في سورية.
هكذا تُمكن ملاحظة ترابط تغيّرات سعر الصرف الحرّ للدولار في كلّ من لبنان وسورية منذ تشرين الأوّل 2019، مع تزامن الخضّات التي يتعرّض لها السعران.
أضف إلى ذلك أنّ ضغوطاً كبيرة تمارَس من قبل الولايات المتحدة على الحكومة اللبنانيّة الحاليّة في تفاوضها مع صندوق النقد الدولي، وقطع تجارته الرسميّة وغير الرسميّة مع سورية، وتطبيق قانون قيصر أيضاً. التضخّم في لبنان لم يرتفع بقدر انهيار ليرته لأنّ البضائع الغذائيّة تأتي رخيصة من سورية، وبيع هذه البضائع هو الذي يخلق بعض التوازن في سوق القطع السوري.
من ناحية أخرى، هناك تخبّط كبير في سياسات المصرف المركزي السوري في إدارة سوق الصرف، كما في سياسات الحكومة السوريّة، سببها انتشار الفساد وفوضى أمراء الحرب.. إن الظاهرة البارزة في هذا الإطار هي مسلسل فيديوهات رامي مخلوف الذي يرفض أن يدفع ضريبة للدولة، على عكس شركة الهاتف الخلوي الأخرى.
هذه هي العوامل الأساسيّة، لكن الارتفاع الجنونيّ السريع الأخير له أيضاً أسباب أخرى، فهناك هلع في كلّ مناطق سورية للاستحواذ على الدولار وأكثر من ذلك على شراء البضائع وتخزينها، ومردّ هذا تخوّف من المستقبل وما سيأتي به، وهناك الكثير من الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الإجتماعي إذ عادت “ماكينات” التلاعب بالرأي العام السوري إلى أوجها. وأنا لا استبعد أن يكون هناك أيضاً تلاعبًا بالليرة ذاتها من قبل دول نافذة لخلط الأوراق في تفاوض خفيّ قائم بينها حول المستقبل السوريّ.

 

• قلتَ إن العقوبات لم تُسقط يوما سلطة، وضربتَ مثلا بالعراق وكيف أدت العقوبات لمدةٍ استمرت أكثر من عقدٍ من الزمن، إلى استشهاد مئات الآلاف من المدنيين.. ألا يُخشى أن يتكرر هذا السيناريو في سورية وتكون أغلبية الشعب هي الضحية، خاصة في واقع سيطرة الولايات المتحدة على المصادر الشحيحة أصلا للنفط في سورية؟

ج- نعم لن تؤدّي العقوبات أو هذه التلاعبات حُكماً إلى إسقاط السلطة القائمة، ها هو مثال العراق قائمٌ وكذلك مثال إيران وفنزويلا حديثاً، حيث انهارت أسعار الصرف بأكثر من الانهيار الذي تشهده سورية اليوم، هذه العقوبات تضعف المواطنين وتلهيهم بالبحث عن قوت يومهم وتقوّض قدرتهم على مقاومة الاستبداد، إنّهم سيضطرّون أكثر فأكثر للجوء إلى شبكات الاستبداد غير النظاميّة، وما يُمكن أن يحدُث هو انهيار المجتمع قبل انهيار السلطة.
هكذا تشهد سورية اليوم في كلّ مناطقها تسارع عمليات خطف الأفراد مقابل فدية وتفجّر صراعات طائفيّة من جرّاء ذلك، كما تشهد انخراط الكثير من الشبان في ميليشيات للقتال لحساب قوّة النفوذ هذه أو تلك، في سورية أو في ليبيا أو غير ذلك. والمشكلة الأكبر أنّ هذا الوضع لا يشجّع على أيّ تغيير سياسيّ في ظلّ غياب بديل قادر على إدارة الدولة في ظلّ صراعات قوى النفوذ.

 

• لا شك في أن العقوبات أحادية الجانب، موضوع خلافي على مستوى العلاقات الدولية، ويتم إقرارها وتنفيذها خارج إطار الأمم المتحدة.. ألا ترقى مثل هذه الممارسات إلى جريمة ضد الإنسانية بحكم كونها تصيب الفئات الاجتماعية الهشة والضعيفة أصلا أكثر من تأثيرها على أي سلطة حاكمة؟

ج- أدانت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في 2018 استخدام التدابير القسريّة الأحاديّة الجانب، أي تلك المقرّة خارج إطار الأمم المتحدة، خاصّة على الدول النامية. وأصدر مبعوث خاصّ للأمين العام في ذات السنة تقريراً عن الآثار السلبيّة لهذه التدابير القسريّة على حقوق الإنسان في سورية.
وقد أوضح هذا التقرير كيف تُعرقِل هذه الإجراءات حتّى المساعدات الإغاثيّة الضروريّة وأنّها تسبّب معاناة متزايدة تتزايد أكثر بمرور الزمن، معطياً أمثلة عن مستلزمات الزراعة والأدوية وتجهيزات الكهرباء وتنقية مياه الشرب.
وبيّن أنّ الأمر يذهب إلى أبعد من نصّ العقوبات الأحادية الجانب، فمثلاً هناك عقوبات على تصدير النفط السوري ولكن لا تستطيع سورية رسميّاً استيراد المشتقات النفطيّة لإنتاج الكهرباء أو للنقل.
واقترح المبعوث حلولاً لتأمين تدفّق الإغاثة بحدّها الأدنى حتّى ضمن إطار الإجراءات الأحادية الجانب. ولكن لم يَجرِ التجاوب معها، إذ أوقف إقرار قانون قيصر التجاوب الإيجابي التي أبدته دول الاتحاد الأوروبي مع التقرير.. فلا قدرة لأوروبا على مجابهة قانون أمريكي.

 

• حمّلتَ على السواء، كلا من السلطة السورية وأطراف المعارضة والقوى الإقليمية والدولية المتصارعة بالوكالة عبر السوريين مسؤوليّة ما آلت إليه الأمور فى البلاد.. في ظل هذا الوضع، هل هناك نور يلوح في نهاية النفق ينهي الظروف المأساوية التي يعيشها الشعب السوري منذ عشر سنوات متتالية؟

ج- هناك كثير من العوامل لا تدفع للأمل على الأمد القصير، فأزمة لبنان لن تحلّ بسرعة، والصراع بين قوى النفوذ محتدم في العراق كما في ليبيا، والمجتمع الدولي كرأي عام فقد اهتمامه بمعاناة شعوب المنطقة.
ولا تبدو سورية مركز اهتمام في السياسة الأمريكيّة، خاصّة مع ما تعيشه الآن داخليّاً. وروسيا في خضم أزمة الوباء الخاصّة بها وكذلك العقوبات عليها.
الأمل قد ينبع من السوريّين أنفسهم، عبر نبذ الأحقاد التي خلّفتها الحرب وكذلك الأوهام التي تبتكرها قوى النفوذ، وأن يعملوا من أجل جميع أبناء بلدهم وليس لفئة منهم، وأن يعوا أنّ لا فائدة من العمل على صياغة دستور إذا فقد الوطن مقوّماته، وأنّ نهاية الاستبداد تأتي من وحدة المجتمع وليس من شرذمته، وأنّ خلاص سورية لا يأتي إلاّ عبر أخذ مسافة من جميع القوى الخارجيّة، وأنّ سورية لا تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات لتنهض بل أقلّ من ذلك بكثير فأهلها نشيطون حتّى في أسوأ الظروف. أنا شخصياً مسكونٌ بهذا الأمل، فسورية باقية منذ آلاف السنين، شهدت كوارث تيمورلنك وسفربرلك ولكنّها بقيت ونهضت برغم جميع الكوارث.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول