المعارض السوري سلامة درويش: الحلّ السياسي في سورية يمرّ عبر تشكيل هيئة حكم انتقالية لا وجود للأسد فيها.. والمعارضة لا تملك أي مقومات لتعديل الكفّة

تدعو أطراف سورية عديدة إلى إطلاق حوار حقيقي وطني بين مختلف التيارات السياسية السورية المعارضة، لبلورة تصوّر سياسي واضح لسورية المستقبل، وبغاية خلق جسم سياسي سوري ‘جامع وثوري’ يُمكّن من تحقيق الحلّ السلمي الذي يضمن الاستقرار ويُنهي الخلافات والحرب القائمة منذ 10سنوات.
هذه الدعوات لاقت مساندات دولية من بعض الأطراف برغم التغيرات السياسية الدولية الحاصلة والتغيرات الجيوسياسية في المنطقة ككل، لكن تبقى الدعوة لإجراء العملية التفاوضية استنادًا إلى مرجعية قرارات الأمم المتحدة 2254- الأقوى، باعتبارها وفق هؤلاء أجدى من تضييع الوقت في اللهاث وراء ‘وهم الحوار مع النظام السوري’، الذي يسعى إلى عرقلة كل المفاوضات بحسب مراقبين.
ويرى المعارض السوري وعضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري، الدكتور سلامة درويش في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن وضع نهاية للأزمة السورية يقتضي بتشكيل هيئة حكم انتقالية لا وجود للأسد فيها، من أجل تحقيق مطلب الشعب السوري المشروع في الحرية وبناء دولة المواطنة الديمقراطية والتعددية.

س) عقوبات أمريكية جديدة لشلّ اقتصاد النظام، زادت من مأساة الشعب السوري ولم تلحق ضررا بالنظام ..كيف تعلقون في حزب اليسار على هذه العقوبات وتداعياتها؟

ج- العقوبات تناولت النظام ومن يدعمه وخاصة القتلة والمجرمين في الصف الأول، وإلى الآن لا توجد طريقة لمحاسبة هؤلاء على الجرائم المرتكبة إلا عن طريق محاصرتهم ماليا وسياسيا، فالأزمة الاقتصادية وهبوط سعر صرف الليرة والغلاء وارتفاع الأسعار وأزمة المحروقات والخبز، كلها كانت قبل تطبيق قانون قيصر، وأدّت إلى خروج مظاهرات في السويداء وحوران وفي الشمال، وتململ حاضنة النظام الشعبية في الساحل، والعقوبات موجهة ضد النظام وحلفائه أساسا، وأولهم روسيا حسب الرؤية الأمريكية التي تعتبر أن سورية أصبحت منطقة نفوذ روسية ( وهناك شعور أمريكي أوروبي بضرورة حصر نفوذها في سورية) والحد من تحالفها مع إيران أو تركيا، وجاء القانون بمثابة إنذار لروسيا وإيران لإعادة النظر في سلوكهما في سورية واللتين تسعيان إلى إخراج النظام من أزمته المالية وحصوله على السيولة والمضي في إعادة الإعمار.
وتعتبر هذه العقوبات الأقسى على النظام بفرضها على شركات وأشخاص أجانب يدعمون النظام، كما شملت المصرف المركزي ومن يقدم البضائع والخدمات التي تمكن النظام من الإستمرار في السيطرة على النفط والغاز ومن يقدم الخدمات للطيران، واستثنت العقوبات المساعدات الإنسانية، والهدف هو إرغام النظام على العودة إلى المسار السياسي ووقف الأعمال العدائية وإطلاق سراح المعتقلين وتمكين المراقبين من زيارة السجون، لكن النظام يسعى إلى الالتفاف على العقوبات عن طريق اعتماده على أنصاره في لبنان والعراق، وظهرت بوادر العقوبات من خلال انخفاض قيمة الليرة السورية وقد توجت العقوبات بما حدث داخل بيت النظام ( بين رامي مخلوف وأسماء الأخرس)

س- هل تتوقعون الوصول إلى حل سياسي بعد كل هذه المعاناة والتجارب والمؤتمرات واللقاءات محليا وإقليميا ودوليا ؟

ج- تقوم استراتيجية حزبنا، حزب اليسار الديمقراطي السوري، على مبدأ ثابت لا تراجع عنه وهذا المبدأ يستند إلى كون الحل السياسي هو الحل الممكن لوضع حد لمعاناة السوريين، ولكن أي حل سياسي لا يقوم على أساس قرارات جنيف 2012 ويستند لقرارات الشرعية الدولية ولا سيما القرارين 2118 و2254 والقاضييْن بتشكيل هيئة حكم انتقالية لا وجود للأسد بها، هو حل ناقص لن يرضاه الشعب السوري الذي دفع الغالي والنفيس من أجل تحقيق مطلبه المشروع وهو الحرية والكرامة وبناء دولة المواطنة الديمقراطية التعددية، ولذلك يرى الحزب أنه دون ذلك لا يعتبر حلا سياسيا، أي في حال تم فرض أي حل على السوريين خارج هذا الإطار لن يعتبره الشعب السوري-وبطبيعة الحال حزبنا- حلاً سياسياً عادلاُ، ولذلك فإن خمدت نيران الثورة لفترة من الزمن بفعل البطش الذي نفذه النظام وحلفاؤه الإيرانيون وحزب الله وبالطبع إجرام آلة الحرب الروسية، إلا أن ثورات الشعوب وكما علمنا التاريخ لا تهزم ولكن تبقى جذوتها مشتعلة حتى تحقيق أهدافها، ونحن كحزب نحذر المجتمع الدولي من خطورة فرض أي حل سياسي لا يقبله الشعب السوري لأن ذلك سيُبقي الحالة السورية جرحا نازفا ومصدر قلق لكافة دول العالم وبالأخص الدول الإقليمية، ولذلك وبالجواب على تساؤلك، نعم نحن نتوقع أن يكون الحل في سورية حلاً سياسياً وفق ما يريده الشعب السوري.
ونحن على يقين بأن هذا النظام أصبح عبئا على من يريد بقائه، والآن البحث عمّا يتوافق عليه الشعب السوري، وهو الحل السياسي الذي يحقق للسوريين الحد الأدنى من انتصار ثورتهم.

س- دكتور سلامة .. قلت سابقا في أحد حواراتك الصحفية إن حزب اليسار ليس معارضة من أجل الوصول إلى السلطة .. ما هو هدفكم إذن، وكيف يمكن اليوم في ظل هذه الظروف الصعبة الابتعاد عن الحزبية والانضواء تحت راية الثورة ؟

ج- نعم.. قلت إن حزبنا الآن لا يسعى إلى السلطة لأننا بثورة تحرّر وطني ولسنا معارضة في دولة ضد نظام، ولو أردنا ذلك لكنّا في التشكيلات الرسمية للمعارضة التي تدعي تمثيل الثورة، والسبب أن الشعب السوري يريد ثورته تنتصر ويريد الخلاص.. فنحن لسنا حزبا معارضا بقدر ما نحن حزب ولد من رحم الثورة السورية أي حزب ثوري.. علينا الابتعاد عن الحزبية والتحزب، والإنضواء فقط تحت راية الثورة.. نعمل على جمع كل القوى الوطنية والديمقراطية بتحالفات واحدة أو تكتلات كبيرة من أجل الوصول بها إلى مؤتمر وطني عام ينتخب قياداته الثورية التي تمثل بشكل حقيقي الشعب والثورة وتعبُر به إلى بر النصر وبناء الدولة المدنية الديمقراطية ومؤسساتها الديمقراطية، دولة محايدة أمام جميع مكونات المجتمع العرقية والإثنية والسياسية، وفصل السياسة عن الدين وفصل الدين عن السياسة، والتأسيس لحالة سياسية ديمقراطية تنتهي بصناديق الانتخاب انطلاقا من كون الجميع متساوين أمام القانون.. لن نبيع شعارات بقدر ما نعمل من أجل الثورة ووحدة سوريا كوطن للجميع، وعدم تبعية وارتهان القرار الثوري بيد غير السوريين.
إن كل ما نراه الآن من تشرذم لهذه القوى هو التحزب والتمترس حول مواقف متشددة لا تخدم الثورة وبعضها تابع لأجندات خارجية، وعلينا العمل على تحويل ذهنية الصراع من صراع مذهبي عرقي قبلي إلى صراع سياسي، وكذلك العمل على أن تكون هذه القوى وطنية وديمقراطية بامتياز ولا تتبع لأجندات خارجية.

س- ماهي الصورة التي ترسمها للمشهد السياسي الحالي في سورية بكل تداخلاته ؟

ج – لن أخفي الحقيقة.. فصورة المشهد السياسي الحالي في سورية من ناحية الثورة ليست صورة “قرمزية زاهية” الألوان وذلك نتيجة الردّ الوحشي لقوات النظام في معرض الرد على الثورة إضافة إلى التدخلات الدولية التي جاءت للأسف في صالح النظام ( وإن كان يبدو على بعضها ظاهرياً في صالح الثورة)، ولكن بالمحصلة كافة التدخلات الدولية ولا سيما الإقليمية كانت وبالاً على الثورة، ولكن بنفس الوقت لا يمكننا وصف الصورة بالنسبة للثورة بأنها صورة سوداوية، فهذه الثورة وإن خمدت كما قلت ولكن يكفيها أنها كسرت حاجز الخوف الذي تربى عليه الشعب السوري الذي دعس على كل قدسيات الأنظمة الديكتاتورية بكل أجهزتها القمعية، وها أنتم ترون وتوثقون كمرصد ما يحصل في الجنوب السوري، حيث نرى كل يوم لا بل كل ساعة عملية لثوارنا الأبطال تنغص على قوات النظام والقوات الروسية لذة ما يعتقدون أنها انتصارات.
أما بالنسبة لصورة المشهد السياسي من ناحية النظام، فأنا أراه أشد أنواع السوداوية، وما ثباته الآن سوى وسيلة من وسائل الروس لرفع البازار السياسي لعملية بيع رأس النظام، لتحصيل أعلى فاتورة يمكن للروس أن يحصلوا عليها لقاء هذا البيع، أما بالنسبة للإيرانيين ودورهم فهم أصبحوا خارج اللعبة نهائياً ولا يغرّ البعض التصريحات النارية التي تخرج من القادة الإيرانيين أو من حسن نصر الله فكلها تصريحات تهدف إلى ذر الرماد بالعيون علّهم، وأؤكد علّهم يتحصلون على فتات أي مقايضة سياسية قادمة.

س- أيّ دور للمعارضة الداخلية والخارجية لتعديل الكفة ؟ ولماذا فشلت في طرح الحل السياسي السلمي على أساس القرار الأممي 2254 كمخرج وحيد للحلّ في سورية، أو القرار 1118 ومقررات مؤتمر جنيف1 ؟

ج- أولا سؤالك هذا يوجّه لمن يصدرون أنفسهم بأنهم معارضة سواء خارجية أو داخلية، فحزبنا حزب ثوري تأسّس في عام 2014 أي نشأ من رحم الثورة وفي خضمّها، والرفاق الذين ساهموا في تأسيس هذا الحزب شاركوا في انطلاقة الثورة، وعلى رأسهم الرفيق الأمين العام الراحل منصور أتاسي الذي لم يمنعه تقدم عمره من المشاركة في الثورة ومن تحويل مكتبه في قلب مدينة حمص إلى مقر تنسيقيات الثورة، وأعتقد أنك قد قرأت مقالة الرفيق رامي أتاسي حول ظروف اعتقال المرحوم منصور أتاسي على خلفية الثورة، والتي نشرتها صحيفة “الرافد” وهي الصحيفة الناطقة بلسان حال حزبنا.
– أما فيما يخص تساؤلك فيؤكد حزبنا أن هؤلاء الذين يصدرون أنفسهم كمعارضة سياسية سواء بالخارج أم بالداخل لا يملكون أي مقومات لتعديل الكفة.. من يملك تلك المقومات هو شعبنا السوري الثائر وشبابه وطليعته الثورية هم الذين يملكون مقومات تعديل الكفة من خلال ثباتهم ومقاومتهم لأي حلول لا ترضي شعبنا السوري الثائر، أما حول أسباب فشل ما يسمى المعارضة في طرح حل سياسي فذلك يعود إلى عدة أسباب على رأسها حالة القحط السياسي التي كان شعبنا السوري يعيشه منذ أكثر من خمسين سنة، ولنكن واضحين بهذه النقطة: إن مَن تصدر المشهد السوري كمعارضة هم “الإخوان المسلمين” مستغلين إمكانياتهم المالية والتنظيمية وهذا التنظيم لم يكن من مصلحته انتصار الثورة في البدايات، إنما كان يرغب في إطالة عمرها حتى يتسنى له ترتيب أوراقه الداخلية لأنه كان ولا يزال يطمح إلى السلطة، فكل التنظيمات السياسية لها مشروعية الطموح إلى السلطة، ولكن ليس على حساب معاناة الشعب ودمائه (وهذا الموضوع لن ينساه الشعب السوري بسهولة)، ولتنفيذ أجندتهم عمل “الإخوان المسلمون” على”أسلمة “الثورة وذلك بالطبع بمساعدة الأموال الخليجية بشكل عام والقطرية بشكل خاص، وعندما أقول الخليجية فأنا لا أستثني دولا تعادي الآن “الإخوان المسلمين” مثل السعودية والإمارات العربية لأنهما في بداية الثورة لم يكونا على هذه الدرجة من العداء مع جماعة “الإخوان” وربما ما حدث في مصر من قبل السيسي هو الذي فجر هذا الخلاف، ولا أحد منا يستطيع أن ينكر أن تلك الأموال الخليجية قد ساهمت في تشتيت العمل المسلح الذي بدأه “الجيش الحر” فتم العمل على تهميشهم بدلاً من تسليمهم راية العمل العسكري على الأقل نظراً لخبرتهم، يضاف إلى ذلك الموقف المتخاذل من قبل من يسمون “أصدقاء الشعب السوري” سواء الإقليميون أو الدوليون.. فالإقليميون كمثال تركيا- وإن كنا لا نستطيع إلا أن نقدر موقفها من ناحية استقبال اللاجئين السوريين-إلا أنها لم تقدم الكثير لثورة الشعب السوري، بل كانت السياسة التركية مترددة جدا في ذلك واعتمدت على التصريحات التخديرية التي قام الرئيس التركي أردوغان بإطلاقها بين الفينة والأخرى.. فمن منا لا يتذكر خطوط أردوغان الحمراء (من حماه إلى حلب والآن إدلب) وكل ما نسمعه من تصريحات يصب في خانة المصلحة القومية لتركيا.. أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الأوروبي لم يكونا جادين في إنهاء مأساة الشعب السوري.
كانوا يريدون إخراج سورية من المعادلة السياسية في المنطقة كما خرجت مصر والعراق بما يتناسب مع المصلحة الإسرائيلية بترتيب البيت العربي، وانتصار الثورة بمفهومها الوطني الديمقراطي لا يخدم أجنداتها.. كل تلك العوامل ساهمت بإطالة عمر ثورتنا وزيادة تكلفتها الإنسانية.

س- ما موقف اليسار من الأزمة السوريّة؟ و أين اليسار العربيّ والعالمي من دعم الثورة في سورية؟

ج-للأسف اليسار العربي يعيش أزمة خانقة كأزمة الأنظمة العربية وأزمة اليسار العالمي، ولم يستطع اليسار بشكل عام أن يطور أدواته النظرية وعلاقته بالشعب وخاصة بعد سقوط الإتحاد السوفييتي الذي كان مأزوما بدوره، ولقد بني اليسار العربي موقفه على مقولة خاطئة واصفا الثورة السورية بأنها حرب جهادية ضد نظام علماني! وتناسى أزماته وابتعاده عن الناس وهمومهم ..
طبعا هذه المغالطة بموقف اليسار عززت قوة النظام وشاركته ممارساته، وبدأ اليسار المأزوم يغرد حول شعار الممانعة والمقاومة وأن إيران المقاوم الأول وروسيا قبلته ومازالت على عهد لينين، الأمر الذي أدى إلى تغول التيار الجهادي وظهور القاعدة بألوانها: النصرة وداعش، وكتائب لاتمت للثورة بصلة، وهذا عزز موقف اليسار العربي والعالمي بأن الثورة تمثلها هذه التيارات المتطرفة..

س- يقول مفكرون إن “اليسار إما مستقطبٌ سلطوياً أو نخبوي مرضي”.. ما تعليقك دكتور سلامة ؟

ج- نعم هي بنية تكوينية لليسار والتعامل مع الثقافة العربية والتبعية لما يرسمه لها مركز اليسار العالمي وترك خصوصيتنا كمجتمعات عربية تحكمها علاقات إنتاج كولونيالية تابعة، فدائما المناخ العام في الدولة ينعكس على البنية الداخلية لأحزاب اليسار.
ففي المناخ الديمقراطي ينشط اليسار ويعبر أكثر عن طموحه وهذا ماكانت عليه سورية في عهد التجربة الديمقراطية ومكانة اليسار ونشاطه وتأثيره على المجتمع والثقافة السورية، لكن بعد انقلاب البعث ومحاولة النظام إظهار نفسه بأنه هو من يمثل اليسار في حين أن عداءه لليسار متجذّر، وزج بكوادره في السجون بحجة محاربتهم الديمقراطية والإشتراكية، أدى ذلك إلى هروب العقول المبدعة والمفكرة إلى الخارج..
تراكم أزمة اليسار، تلتها انشقاقات في تلك الأحزاب ومورست الديكتاتورية وعبادة الفرد داخلها، مما حولها إلى هياكل فارغة وتحول اليساريون المغادرون لهذه التنظيمات إلى مجموعات صغيرة تلتقي في صالونات الثرثرة بدون تأثير، أما تلك القيادات الحزبية فما تلبث أن تضع نفسها تحت جناح السلطة لعجزها اولا وكف شر الأجهزة الأمنية عنها ثانيا. وهناك نخب سياسية تعالت بطروحاتها على الثقافة الوطنية والنظر إليها كمرحلة يجب تجاوزها لا التعايش معها والإرتقاء بها، واعتبرت نفسها فوق المجتمع والحراك الثوري، تنتقد الكل وأحيانا تبرر عزوفها عن المشاركة بأن النظام والمعارضة لايستحقان المجازفة، ظلت ترسم الخطط الطوباوية في صالوناتها المغلقة.. لذلك فالأزمة عامة بالنسبة لليسار العالمي، إلا إذا استثنينا يسار أمريكا اللاتينية الذي له دور كبير في صنع القرار ولم يكن مستقطبا فكانت له طريقته الخاصة بالاندماج والعيش مع الهموم اليومية للمهمشين ما جعل اليسار اللاتيني أكثر قدرة على الوقوف بعيدا عن الإستلزام السلطوي بل كان في أكثر من مكان ناضجا كفاية للمساهمة في صناعة السلطة والانتظار في مقاعد المعارضة.

س – سورية بلد تحتله عدة قوى أجنبية لديها مصالح متضاربة.. كيف السبيل إلى تطهير البلد وطرد المحتل، علما أن لكل دولة على الأراضي السورية معارضة تحميها وتدعمها؟

ج- نحن لا نسير نحو عملية تطهير سورية من المحتلين فالتطهير يكون بنار الحرب، ولا حروب بعد اليوم حسب ما يصرح المتحاربون، بل إلى تقليص مصالح المحتلين إلى درجة تسمح للسوري بأن يعيش، وأن يكف عن الترحال كنازح أو لاجئ.
وإذا أصر المجتمع الدولي كما يصر السوريون على تطبيق روح قرار 2245 الذي سيرعى تشكيل مجلس حكم انتقالي، وتطبيق القرار الدولي سيستبعد كلا من إيران وروسيا الذين يبحثان في إعادة الإعمار عن كومسيون تتيحه السيطرة العسكرية على رأس النظام وهم يحاولون منذ فترة مد سلطتهم على كامل النظام الأمني والعسكري، لضمان كمسيوناتهم عندما يضطرون إلى تغيير رأس النظام، ولا يبقى لدينا إلا لاعبان الفرنسي والتركي .. علينا ان نهدد الفرنسيين بالأتراك إذا أصر الفرنسيون كما فعل ماكرون حتى الآن على تأييد النظام الطائفي في كل من لبنان وسورية والعراق، وعلى الساسة الفرنسيين أن يتواضعوا ويقبلوا بنظم حديثة في سورية ولبنان بدل الطائفية القائمة.

س- هل من السهل انتشال سورية الجريحة كبلد مدمر عمرانيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا والنهوض به بعد هذا الكم من الدمار ، وكيف السبيل ؟

ج- أبدا ليس سهلا انتشال سورية من الدمار الذي وصلت إليه وخاصة على صعيد العلاقات الإجتماعية لشبكات الإنتاج المدمرة تماما، فقد نجد لأسباب تتعلق بالوضع الجيوسياسي السوري، ممولا أو مجموعة ممولين لإعادة إعمار المعمار السوري، لكنه سيكون غير مستدام بل وعرضة للتآكل إن لم يترافق مع إعادة بناء الثقة بشبكات الإنتاج وعلاقاتها العابرة لخطوط الصراع في النفوس وعلى الأرض.. فالاقتصاد المافيوي المقاطعاتي الذي نشأ بعد اجتياح الجيش للمدن السورية هو عاجز اليوم عن تأمين وجبة طعام للعائلة السورية.. فكيف نزيل الحواجز النفسية بدو دعم دولي ونطمئن العاملين على مستقبلهم بإحالة المجرمين إلى العدالة الإنتقالية التي تهدف إلى طمأنة الجميع؟

س- كيف ترون سورية بدون النظام الحالي؟وماخطتكم السياسية إذا ما بقي في السلطة؟

ج- لن يبقى النظام بالسلطة إلا بالقدر الذي يرغب فيه “أحد الخمسة الكبار”. سيكون الجميع في ذعر وخوف حقيقي إن لم نستطع بناء نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان يتساوى أمامه الجميع دون تمييز إثني أو ديني أو مذهبي، هذا هو النظام الذي سنعمل مع شعبنا على تحقيقه.

11- بعد سورية والعراق وليبيا، فتحت تركيا جبهة جديدة للقتال في أذربيجان ضد أرمينيا مستخدمة مجدّدا في معركتها”السوريين”.. دكتور سلامة لماذا تحوّل السوري إلى أداة لدى تركيا لتنفيذ أجنداتها الخبيثة في المنطقة وضرب أعدائها؟

ج- أولا، يجب التذكير بأن السوريين وبدون أقواس يقاتلون على طرفي النزاع في كل من ليبيا وأذربيجان، وهذه المشكلة نموذجية في كل ساحات الحروب المنتهية أو المجمدة كما في الحالة السورية، هناك دائما تساؤل مقلق ماذا سيفعل الفائض من الجنود أو المليشيات بعد توقف المعارك، هل يدمجون في الجيش الوطني أو يتم إعادة تأهيلهم مدنيا؟ لقد تزامن هذا الجمود على خطوط الصدع السوري، مع رغبة الدول الديمقراطية منها والمتشبهة بالديمقراطيات لتجنب اللوم الشعبي على أثر تشييع الجنازات البشرية جراء الانخراط في المعارك غير المبررة، صادف رغبة إقليمية في تشكيل شركات أمنية تقوم بخدمات عسكرية عملا بالتقليد الأمريكي الحديث في تشكيل “بلاك ووترز” التي أدينت بخروقات جمة لحقوق الإنسان وقواعد الحرب على السواء، فأنشأت روسيا قوات “فاغنر” غير الحكومية من المقاتلين الروس المتقاعدين أو المطرودين من الخدمة، وبدأت بتشكيل فصائل رديفة لها من السوريين تضم عسكريين وقوات من الحشود الطائفية، وكذلك فعلت تركيا للتهرب من أرقام الخسائر التي قد تودي بحظوظ الحزب الحاكم في أول انتخابات مرتقبة، ولكن الأهم هو بحث شروط الحياة في سورية على طرفي خطوط الصراع وكيف تدنى المستوى المعيشي لدرجة القبول بامتهان القتال وظيفة لإطعام الأسر الجائعة، كما لابد من رصد المنظور الإديولوجي الذي يمكن المتطوعين من القتل والقتال..لذلك النظام وجوده وظيفي الآن لتنفيذ سياسات ماتبقى عليه، وأصبح ورقة تفاوض بيد الروس والإيرانيين.. النظام والنصرة أوراق تفاوض مستقبلية بيد عناصر أستانا الثلاثة تركيا روسيا وإيران مقابل أمريكا والمتدخلين في الشأن السوري.

س- تحدّث المبعوث الأمريكي جيفري مؤخرا خلال زيارته الشرق السوري، عن سعي واشنطن إلى إنتاج معارضة بديلة، بعد أن فشلت المعارضة التقليدية في الوصول إلى حل سياسي .. ما ملامح هذه المعارضة البديلة برأيكم وهل تؤيدون في حزب اليسار هذا التوجه؟

ج- لا أعلم على وجه الدقّة لمن يوجه السيد جيفري رسائله، وهو يعلم أن الإدارة التي يعمل لها هي من شكل هذه المعارضة ، وبالتالي يستطيع أن يغيرها أو أن يدخل عليها ما يشاء من التعديلات ولكن الأهم هو أن نسأل السيد جيفري، ما هو التحول الذي ترمي إدارته إلى الوصول إليه حتى تغير شخوص المعارضة القائمة بشخوص جديدة؟ وهل وقفت المعارضة الشاغلة للمشهد الرسمي في وجه أي تفاهم أمريكي -روسي- تركي ؟ نحن في حزب اليسار سنؤيد الحل السلمي الذي يفضي إلى تمكين السوريين من التخلص الكلي من الحكم الشمولي، وإقامة نظام ديمقراطي حديث، لايلعب فيه الجيش أي دور أمني بعد إعادة هيكلته وحل أجهزة الأمن جميعها وحصرها بجهاز واحد أو جهازين لحماية أمن الوطن والمواطن وتكون تابعة لمجلس الوزراء وخاضعة للمسائلة القانونية في حال ارتكاب أي عنصر ينتمي لها أي جرم أو تعدّ على المواطن.. هذه تتطلب مساعدة وضمانات دولية، ليباشر السوريون في جدولة انسحاب القوات الروسية والتركية والأمريكية، والتخلص من كل الميليشيات التابعة للدول وخاصة إيران التي عليها المغادرة من سوريا هي وأذنابها.
13- تشتّت المعارضة السورية تعمّق بظهور أسماء جديدة ومتزايدة من الهيئات المعارضة، لدرجة بات فيها من الصعب على أي مراقب أن يعدد أسماء وتوجهات وأفكار هذه الهيئات، فضلا عن جهل دورها الحقيقي في الثورة.. إلى أين تتجه المعارضة السورية في خضم تواصل التخبط في أزماتها؟

ج- للأسف هذا هو الحاصل.. الثورة قادها الشباب بدون أحزاب، ومن ثم بدأت تظهر بوادر تمثيلها السياسي من هيئة التنسيق إلى المجلس الوطني ومن ثم الإئتلاف إلى هيئة التفاوض، وإلى جانب هذه التشكيلات ظهرت تكتلات وتحالفات كثيرة تختفي بعد كتابة بياناتها، في حين تحاول القوى التي لها دعم خارجي أن تسيطر على المشهد كونها تمتلك الدعم المالي والسياسي، مثل التيار الإسلامي بقيادة “الإخوان المسلمين” وسيطرتهم على المشهد محاولين أسلمة الثورة وإقصاء القوى الوطنية والديمقراطية، وهذا أحد أسباب فشلهم وابتعاد الناس عنهم.
والآن يعتقد كل وجيه وصاحب رأي فرعي في جزئية سياسية أنه يمثل تيارا سياسيا، لهذا إذا ابتعدنا عن ربط البعض بأجندات دولية أو إقليمية ، وإذا كفت الدول الداعمة لهذه التفرعات خدمة لمصالح إقليمية أو دولية ، وكفت عن تقديم مختلف أنواع الدعم فستضمحل معظم هذه الهياكل السياسية أمام أول استحقاق ديمقراطي حقيقي، وبانتظار أول انتخابات ديمقراطية نعمل على توحيد التيار الديمقراطي ليكون قطبا مؤثرا في رسم مستقبل سورية.

14-قلت سابقا في أحد حواراتك إن الشعوب لن تقهر لكن ثوراتها تمر بمنعطفات خطيرة وعلى القوى الثورية السورية مسؤولية تصحيح المسار.. كيف يمكن تصحيح المسار في سورية قبل الاندثار وبعد كل هذا الدمار ؟

ج-تحدث الثورات عندما تعي الشعوب واقعها الذي تعيشه بظل من القهر والفقر والحرمان والإستبداد وتصل إلى طريق مسدودة لاستكمال حياتها المعيشية ، وفي المقابل عندما لا تستطيع الأنظمة تلبية حاجات شعوبها، يحدث التصادم وتشتعل الثورة وهذا هو ديالكتيك الثورة، في هذه الحالة تسقط كل حسابات الأنظمة وآلتها الوحشية.. في الحالة السورية لا تزال الثورة مستمرة وتحولت من حاجة آنية إلى فكرة متجذّرة في الوجدان الجمعي الثوري، وكل ماحدث لها الآن أزمة سياسية ناتجة عن تشتت المعارضة وتدخل الدول الإقليمية بالقرارات التي تتخذها وانعكاس علاقة الإتفاق والعداء بين الدول المانحة على القرار السياسي للمعارضة، وأزمة عسكرية باستبدال القيادات العسكرية بقيادات إسلامية متطرفة تتبع للقاعدة أو داعش أو “الإخوان المسلمين”، وهذه التيارات ليس لها أجندة وطنية ولا ولاء وطني، لذلك ليس لها مستقبل في سورية الغد لأنها غريبة بطرحها وممارساتها غير الإنسانية وشعاراتها الغريبة عمّا يريده الشعب السوري.