المعارض السوري طالب إبراهيم: كلما نجح السوريون في تحقيق حالة سياسية جامعة تدخلت قوى وأفشلتها.. ولا بدّ من توافق سوري سوري يفتح الطريق نحو الحل.

تعيش سورية تحولات كبرى فرضتها أحداث متداخلة تتسارع وتيرتها على أرض الواقع أمام توقعات بانهيار أكبر لليرة السورية في صورة انطلاق تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية، وسط احتجاجات تشهدها بعض المناطق على غرار التظاهرات بالجنوب السوري، ليظل المشهد مرتبكا غير متّضح الرؤية.

المعارض السوري إبراهيم طالب، يتحدّث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، عن ضرورة تحقيق الحلّ السياسي السلمي عبر توافق سوري – سوري، وعن المعارضة الحقيقية التي وجب أن تنبثق من قلب المأساة لتساهم في رفع معاناة السوريين القاسية.

 

1- وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، صرح مؤخرا بأن النزاع بين النظام والمعارضة قد انتهى، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنّ هناك نقطتين ساخنتين فقط في سورية، هما إدلب ومنطقة شرق الفرات بشمال شرقي سورية.. هل انتهت فعلا المواجهة بين النظام والمعارضة؟

ج- سيكون هناك مواجهات قادمة في سورية، ليس فقط في إدلب أو في شرقي الفرات، ولكن في درعا والسويداء والبادية السورية، والتقارير الواردة من هناك تؤكد، وربما يقصد الوزير الروسي أن المعارك الرئيسية في سورية قد انتهت، وأعتقد ما يحدد مسار الأحداث العسكرية الكبيرة في سورية هو ركون الأطراف المتنازعة اليوم إلى طاولة مفاوضات، وهي حتى اليوم غير موجودة، وسبق أن تحدث وزير الخارجية الروسي وقبله الرئيس الروسي عن انتهاء تنظيم الدولة الإسلامية لكن لم ينته، وآخر أعماله الإرهابية فيما يتعلق بالروس تحديداً، كان مقتل جنرال روسي في البادية السورية.

 

2- ألا ترون أن تحول بعض أطراف المعارضة السياسية في سورية من مسار الحل السلمي إلى رفع السلاح قد أفقد المعارضة بمجملها أوراقا مهمة في مشروعها؟

ج–هناك أسباب كثيرة أدّت إلى فقدان المعارضة السورية الكثير من أوراقها، وليس فقط تحوّل بعضها إلى حمل السلاح، وجرّبت المعارضة السورية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، جميع أشكال النضال السلمي، مطالبة بإصلاحات ديمقراطية، لكن رد فعل النظام السوري السابق والحالي، كان فظيعاً ومدمراً، ولم يميز بين حملة السلاح وحملة الكلمة.. الورقة السورية ورقة معقدة، بحكم التداخل الإقليمي والدولي، ووجود شبكات مصالح متناقضة، وارتهان قسم كبير من سلاح المعارضة للأجندة الخارجية، واستغلال الإسلام الراديكالي ممثلاً بـ”الإخوان المسلمين” وتنظيماتهم المسلحة، وتقديم مشروعهم على المشروع السوري، وتداخل أجندتهم مع أجندة مخابرات إقليمية وغربية ودولية، وبالمقابل كانت أجندة النظام السوري متناقضة بالمطلق مع حاجات المجتمع السوري، وضرورات التغيير، وفضّل التعنت على أن يقدم تنازلات تعود بالنفع على سورية.

 

3- هل هناك فكرة إنتاج معارضة بديلة عن تلك الموجودة اليوم، كما اقترح المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري مؤخرا، وما الدافع إلى ذلك؟

ج–المعارضة البديلة، يجب أن تنطلق من المعارضة الموجودة اليوم، وهي فكرة موجودة منذ بداية الأزمة، وكلما نجح السوريون في تحقيق حالة سياسية جامعة، تدخلت قوى وأفشلتها ، وقد وقّع مجلس سورية الديمقراطية مذكرة تفاهم مع حزب الإرادة الشعبية، الذي يعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والمقرب من روسيا. ونجح الحوار الكردي-الكردي في جولته الأولى.

والواقع أن الخلافات بين السوريين كبيرة جداً ومدمّرة، ما يحتاجونه اليوم هو الجلوس حول طاولة واحدة، والإتفاق حول سورية ومصلحة السوريين، أما إذا فكرت أمريكا في إنتاج معارضة بديلة، وروسيا في إنتاج معارضة أخرى بديلة، وتركيا لها معارضتها التي تصفها بالبديلة، فهذا يعني أن عجلة الأزمة ستتواصل ضمن سياق بناء الدول المتنفذة لمخططاتها.

 

4- تحدث رئيس منصة موسكو، قدري جميل، مؤخرا، عن تخوف “مسد” من الانسحاب الأمريكي من شمال شرقي سورية..ما تعليقكم، علما أن نداءات كثيرة تدعو إلى تطهير البلد من أي تدخلات خارجية أمريكية كانت أو إيرانية أو تركية أو روسية ؟

ج-بغض النظر عما إذا تحدث الأستاذ قدري جميل حول ذلك، فـ”مسد” موجودة كقوة سياسية كبيرة، إلى جانب قوات سورية الديمقراطية كقوة عسكرية، وبوجود الإدارة الذاتية كمجلس تنفيذي، ومشروع شمال وشرق سورية، وإدارة مناطق شمال وشرق سورية.. وباعتبار أن المشروع سوري، فامتداده سوري، وعمقه سوري، لذا فإن انسحاب القوات الأمريكية لن يعيقه، لأنه غير مرتهن له.

وقد سحبت أمريكا قسماً كبيراً من قواتها، وفي مرتين، وبقي المشروع قائماً.. هل هناك انسحاب آخر قادم؟ ربما، لكن لدى المشروع كل إمكانيات المقاومة والمتابعة والاستمرار.

نداءات انسحاب كل القوات الأجنبية من سورية، هي نداءات وطنية وتخدم المشروع الوطني، لكن من يمكنه إخراج هذه القوات؟.. هذه النداءات تحتاج إلى قوى حقيقية، وبرامج سياسية وعسكرية واقعية، وإلا ستبقى مجرد نداءات.

 

5- يرى مراقبون أن الانخراط في العملية السياسية يتطلب العمل تحت مظلة أحد أطراف النزاع، وقبل ذلك الحصول على قبول دولي وإقليمي، هل تؤيدون هذا الموقف؟

ج-هناك قوى مؤثرة ومتنفذة في القرار السوري، ويجب العمل دائما على تناقضات مصالح هذه القوى.

6- جهود تحقيق حل سياسي سلمي تبدو عسيرة أو تحتاج إلى مسار زمني طويل، خاصة في ظل تعطل المفاوضات بين المعارضة والنظام، بل تعطيلها ووصولها أحيانا إلى طريق مسدودة.. ما هي أفق الحلّ السياسي في سورية، وهل ترون أملا في الخروج من عنق الزجاجة؟

ج-مفهوم “السلمي” في سورية اليوم، بعد كل التضحيات التي قدمت، وكل الدمار الذي حصل في سوريا، يبدو مثالياً.. فالجميع اليوم يتحدث عن فشل الحل العسكري، ووجوب الحل السياسي، لكن المشهد العام في سورية اليوم، يُظهر أن السلوك المتبع هو العسكري، وليس السياسي.

في النهاية يجب أن يجلس المتحاربون.. لإيقاف الحرب يجب أن يتفاوض السوريون. هل يقدرون على ذلك؟ يجب أن يكونوا قادرين، غير ذلك يبقى أمل وقف الأزمة ضعيفا.

 

7-ألا ترون أن المعارضة، أو المعارضات بحكم تشتتها وارتهاناتها، قد فقدت كل أوراقها، وذهبت أحلامها أدراج الرياح؟

ج-يجب أن نميز بين المعارضات والمشاريع.. في سورية اليوم ثلاثة مشاريع: مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية، والمشروع التركي في المناطق المحتلة من سورية في الشمال، ومشروع النظام.. وهناك معارضات ضمن كل مشروع من المشاريع، أما أن نعتبر وجود معارضات مختلفة يؤدي إلى سقوط الأحلام، فلا أعتقد ذلك، فوجود معارضات مختلفة ومتباينة أمر واقعي، لكن المشكلة في التوافق على برنامج سياسي أو على نقاط في برنامج سياسي سوري، ويبقى هذا أمرا واردا.

 

8-فرضت أمريكا عقوبات تحت عنوان “قانون قيصر” تسعى من خلالها إلى الضغط على النظام للعودة إلى المفاوضات، والتوصل إلى نهاية للحرب التي بدأت قبل أكثر من 9 سنوات.. ألا ترون أن الشعب السوري المفقر هو الوحيد الذي مسته العقوبات وأتعبته؟

ج-تؤثر العقوبات الدولية دائماً في الشعوب، وآخر من يتأثر منها الأنظمة منذ اعتماد هذه الآلية في الإبتزاز السياسي والإقتصادي الدولي وحتى اليوم، ولا يختلف قانون قيصر فيما يتعلق بهذه الحالة عن غيره من قوانين العقوبات.

وإذا كان الحديث عن الجوع، فسيجوع المواطن حتماً ويموت وليس النظام، وتاريخياً لم تخدم العقوبات المطبقة الشعوب، ولم تساهم في إنتاج حل، ولا في جر نظام أي بلد مستهدف إلى المفاوضات.

هناك خطة دولية للحل في سورية، اقتُرحت في جينيف، ولا يزال الجميع يكررها، ويظهر في مقدمتها تطبيق القرار الأممي 2254، فهل يساهم “قيصر” في الدخول إلى المرحلة الإنتقالية وتطبيق القرارات الأممية ذات الشأن؟.. لا أعتقد ذلك.

9-ما أهمية تمثيل الحركة الوطنية الكردية في العملية السياسية، خاصة في مفاوضات جنيف؟ وهل وجودها مهم لوضع حل نهائي للأزمة السورية؟

ج-طبعا.. وجود الحركة الوطنية الكردية مهم للغاية في وضع حد للأزمة والدخول في مفاوضات الحل الإنتقالي والنهائي.. الإشكالية اليوم ليست في عدم مشاركة الكرد في مشاريع الحل، لأن المنسق الأممي للملف السوري غير بيدرسون يقول دائماً هناك تمثيل للكرد، بل هي في عدم تمثيل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية في المؤسسات التي تقود مفاوضات الحل السوري، بسبب فيتو من النظام ومن تركيا، بالرغم من سوريّة مشروعها ومن إمكانياتها ومن المكونات الاجتماعية التي تمثلها.

10-ما ردكم على موقف الإئتلاف الوطني السوري باعتبار توقيع “قسد” اتفاقية مع شركة “Delta Crescent Energy LLC” الأمريكية،تهديدا لوحدة سورية، وإساءة للقضية الكردية باعتبارها قضية وطنية؟

ج-يشارك الإئتلاف السوري المعارض في مشاريع تركيا في المناطق المحتلة، ويوافق على تتريك تلك المناطق، وجعلها محميات أو ولايات تركية، ويصفق لمشاريع التغيير الديمغرافي التي تحدث.

ويعتبر أن لتركيا ديناً كبيراً على سورية والسوريين، ومن واجبه أن يكون اليد التي تضرب بها، واللسان الذي تتحدث به، والأولى به أن يتحدث عن انفصاليته وارتهانه.

هناك أكثر من 5 مليون سوري يعيشون في مناطق شمال وشرق سورية، ويجب توفير حاجياتهم، وفق الإمكانيات والمقدرات الموجودة، ويدور الحديث عن استثمار النفط لتأمين حاجات الناس.

 

11- بعد سلسلة من اللقاءات والمبادرات والمؤتمرات الإقليمية والدولية، أين ترون خلاص سورية وأفق الحل السياسي؟

ج–الأزمة السورية أزمة معقدة ومركبة، ولا تحلها لقاءات ومبادرات ومؤتمرات، كما لا تحلها عقوبات إقليمية أودولية. والجيوش الإقليمية والدولية المتواجدة تعقّد الأزمة، وانقسام المعارضة السورية يزيدها انقساماً، والحرب المتواصلة خلقت انقساماً مجتمعياً سوريا كبيرا.

توافق سوري سوري يفتح الطريق نحو الحل، كما أن توافقا إقليميا يساهم، ومثله توافق دولي.