المرصد السوري لحقوق الانسان

المعارض السوري عدنان الدبس: سوريا اليوم أمام مشهد مأساوي من التدخلات والاحتلالات.. والسوريون لن يناموا على ضيم

مع استمرار الحرب في سورية منذ نحو 10 سنوات، تزداد معاناة أبنائها في ظل وضع اجتماعي وصحي كارثي، أما المجتمع الدولي الذي يكتفي بتقديم مساعدات لاتفي بالحاجة، فيبدو عاجزا عن فعل أي شيء جدي لإنهاء تلك المعاناة ووضع حد لهذه الحرب لاسيما وأن جهات دولية وإقليمية عديدة تغذيها بالمال والسلاح، في حين لايلوح في الأفق بصيص أمل لإيجاد حل سياسي بسبب الاختلاف في الأولويات بين “الحكومة السورية” والمعارضة، والذي زادته التدخلات الخارجية تعقيدا.

المعارض السوري عدنان الدبس، يتحدث في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان عن الحرب، ومعاناة الشعب السوري، وشروط الحل السياسي لبناء سورية الجديدة تجسيدا لآمال كل سوري حر.

س- بعد كل هذه التطورات في المنطقة وفي الداخل السوري،من يقف أمام الثورة السورية لإنجاز نصرها الحقيقي، ومن يشتت تركيزها داخل سورية؟

ج- عن أي ثورة نتحدث بعد عشر سنوات؟ وعن أي إنجاز لنصر حقيقي؟ وعن أي ثوّار في الداخل السوري؟ .. ربما هذا السؤال يصلح في الأشهر الأولى من قيام الاحتجاجات المحقّة والمطالبة للنظام بالإصلاحات والتي تطورت بشكل متسارع إلى السقف العالي مطالبة بإسقاطه، أما مصطلح ثورة فهو مصطلح فضفاض على الحالة السورية إلا إذا اعتبرنا أن خروج السوريين إلى الشارع بمظاهرات احتجاجية لمطالب محقة تطوّرت لتصبح مظاهرات مناهضة للسلطة هو ثورة عندها.. نعم يمكن تجاوزا تسميتها ثورة من الجانب الأخلاقي وليس العلمي التحليلي خصوصا لمن شاهد دراماتيكية تطور تلك الاحتجاجات ودخولها في مستنقع العسكرة، لذلك يمكن اصطلاحا أن نقول إن السوريين ثاروا ودفعوا الغالي والثمين، وما هو أثمن من الروح التي رخصت أمام هذه الجموع التي هبّت مطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة بمواجهة أعتى السلطات الديكتاتورية المتسلطة التي هيمنت على البلاد.

لذلك انقسم السياسيون في تسميتها ما بين احتجاجات وثورة سياسية وثورة “دائمة”، وعليه يمكن الإجابة على السؤال وعلى معوقات نجاح السوريين في مطالبهم المحقة والتي تعود إلى أسباب عدّة منها ذاتية تتعلق بالحراك وبنيته الاجتماعية والطبقية وتحولها من السلمية إلى المسلّحة ومنها خارجية لها مآربها بعد أن انكشف دورها الوظيفي في “تطييف” الحراك وقيادة دفة الصراع بحروب الوكالة مع النظام عسكريا بعد أن تسلّح الحراك، وأعتقد أن السنوات العشر كشفت الغطاء عن الدور الإقليمي لمنظومةٍ لعبت عن طريق ما تم تسميتها معارضة معترفا بها دوليا وأقصد المجلس الوطني السوري الذي تمت صناعته في اسطنبول، ناهيكم أنّه من نافلة القول إن هناك أنظمة دعمت “الثورة” لا ترغب في قيام نظام وطني ديمقراطي في سورية بل تسعى إلى خلط أوراق المنطقة سياسيا، وأهمها التحالفات الدولية، لمآرب استراتيجية والتدخل عبر ما هو متعارف عليه بتصدير الأزمات إلى الخارج وكبح جماح قوى في تلك البلدان، التي تتشابه منظوماتها اللاديمقراطية ، على حساب تطلعات شعوبنا، ومثالنا ما جرى في مصر والبحرين واليمن وليبيا وسورية.

س- برأيك أستاذ عدنان، هل هناك أطراف تدفع باتجاه تراجع قوى المعارضة السورية عن تحقيق أهداف الحراك الحقيقية، علما وأنك كنت قد انتقدت سابقا تبعية المعارضة لقوى أجنبية؟

ج- لا يوجد في سورية منذ تسعينيات القرن الماضي قوى معارضة، وهذا ما عمل عليه النظام عبر إستئصال الحياة السياسية في سورية بشتى الأشكال ابتداءً بالاعتقال وانتهاءً بالقتل، وبالتالي فإن مصطلح قوى هو مصطلح فضفاض على من تسمي نفسها سابقا ولاحقا تحت مسمى قوى المعارضة، وجميع الحالات التي ابتدأت منذ بداية الألفية الثالثة كربيع دمشق ولجان إحياء المجتمع المدني والمنتديات السياسية ومن ثم إعلان دمشق، تشظّت كلها بسبب قبضة النظام الأمنية وتشرذمت لأسباب معروفة لسنا بواردٍ ذكرُ أسبابها هنا، وإذا اعتبرنا المجموعات السورية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين التي تشكّلت بُعيد انتفاض الشعب السوري هي “قوى” قد تداعت إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للمعارضة الوطنية الديمقراطية فسنجد أنها أعادت تشرذم المشرذم مرّة أخرى ولنجد أن الحراك كان واسعا عليها وعاجزة عن تلقّف اللحظة التاريخية التي طالما انتظرها السوريون.

كانت البداية بفشل تلاقي المعارضين في الداخل لتشكيل جسم موحّد للمعارضة الوطنية الديمقراطية فكانت الدعوة القطرية لمعارضين سوريين باتجاهات مختلفة يسارية وقومية وما قبل وطنية، في شهر آب 2011 لتشكيل جسم معارض على رأسه “الإخوان المسلمين” تحت مسمى ائتلاف قوى المعارضة السورية. وكانت المعارضة الوطنية التقليدية التي أطلقت ما يسمى هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في حزيران 2011 تباينت معه بعد أن لفظها أصحاب الرؤوس الحامية وعلى رأسهم المشغّل الإقليمي لهذا الجسم الجديد والذي سيصبح اسمه “المجلس الوطني السوري ” لتعود وتتلاقى معه في حلته المستحدثة بعد أن قام السيد فورد بصناعة الائتلاف الوطني المعارض وتلتحق به كديكور ضمن هيئة التفاوض السورية معتبرة أنها حالة سياسية لا يمكن تجاوزها بعد أن أفلست نهائيا عبر “قواها ” الأقرب إلى المعاقة.

كان المجلس الوطني السوري الذي قاد دفّته وخطَّه “الإخوان المسلمين” والذي يحمل في جوهره يقينية مدمّرة لكثير من المعارضين السوريين الذين ذاقوا لوعة السجون والتعذيب لسنوات خطفت زهرة شبابهم في المعتقلات، يرى أن النظام السوري غير قابل للتغيير ( وهذا يقارب الصحة ) وأن إسقاطه بإرادة وأيادي السوريين هو وهم ومحال (وهنا كانت الطامة الكبرى) فجنحت إلى مناشدة التدخل الخارجي بشقيه السياسي والعسكري للإطاحة بالنظام السوري معتقدة أن الغرب والولايات المتحدة وحتى القوى الإقليمية “الداعمة” لها تحت الطلب، والحديث هنا يطول وقد دفع السوريون نتيجة الخطاب الإعلامي والتجييشي الواهم لهذه الشخصيات (القوى) ضريبة غالية الثمن حتى وصل بها المطاف إلى تحديد أوقات زمنية متعددة تحدد هروب رأس النظام واعتلاءها عرش السلطة، بالتالي كان مصير جميع الهيئات المعارضة التي لعب بها المشغّل الإقليمي والدولي كما يشاء وما يزال، إلى أن أوصلها إلى أفراد موظفين يساقون كيفما ترغب قوى المجتمع الدولي والإقليمي المتدخلة في الملف السوري. ولم تمض فترة حتى سيق أعضاء المجلس الوطني إلى الدوحة القطرية وأُعلن عن تشكيل الإئتلاف الوطني في خريف 2012 وليكمل بأسوأ ما بدأ به المجلس الوطني، وواقع حاله يعرفه السوريون بعد أن تخلى عنه من كانوا داعمين له بعد أن أدى دوره الوظيفي بامتياز لمصلحة الدولة التركية وقيادتها الإخوانية.

 

س-هل فشلت القوى الدولية والإقليمية والمحلية في تنفيذ القرار2254؟

ج-على العكس تماما، نجحت القوى الإقليمية في إصدار القرار 2254 كبراءة ذمة، وتم وضعه في الأرشيف كباقي القرارات الدولية منذ تأسيس الأمم المتحدة، ولنا في القرار الأممي 242 و181 المتعلق بالقضية الفلسطينية بوصلة الاستنتاج، لطالما كانت القرارات هي انتصارات في المطبخ السياسي الأممي.

 

س- خبراء يرون أن الحل في سورية بابه صياغة معادلة توازن بين المصالح والأطراف المؤثرة في المشهد السوري، هل توافق هذا الرأي؟

ج-الحل في سورية هو حل واحد نص عليه بيان جنيف والقرار 2254، وفيما عداه هي حلول غير سورية وهذا مالا نرجوه بالطبع، وهذا الحل يعيقه النظام ومشغّلو المعارضة وبالتالي سورية اليوم أمام مشهد مأساوي من التدخلات والاحتلالات، فهي كساحة للفيلة في حقل مزروع إن تصالحوا أكلوا المحصول وإن اختلفوا دمروا الحقل.

 

س- هل طُرحت اللجنة الدستورية كي تقضم الوقت، وهل تعتبر تمييعا للعملية التفاوضية برمتها؟ ولماذا يعتبرها بعض المعارضين كملهاة يتم التفاعل معها وحولها من قبل هياكل المعارضة؟

ج-بالأساس لا توجد عملية تفاوضية حتى يتم تمييعها وإن كان لها أشكال قد توافدت إلى جنيف تحت مسمى التفاوض، نظاما ومعارضة، والطريف أن المعارضة تلهث معتقدة أن المطبخ السياسي في الأمم المتحدة وتنتظر من يقدّم لها الطبق، وبرغم هشاشة المشهد السياسي للمعارضة السورية في جنيف تمت صناعة الترويكا البدعة (اللجنة الدستورية ) بين ثلاثة أطراف معارضة ونظام وقوى مجتمع مدني في مهزلة لم تعرفها أروقة الأمم المتحدة منذ تشكّلها، على أية حال النظام يعرف كيف يستغلها والبقية تذهب للسياحة السياسية، ومن المؤسف أن نشاهد هذا المشهد المبتذل لحال بعض السوريين الذين تم تجميعهم من اليمين واليسار في خلطة عجيبة ازدراها السوريون منذ إعلان تشكيلها.

 

س- معارضون يرون أن الروس والإيرانيين لا يريدون البدء بـ”سلة الحكم الإنتقالي”، واستبدلوها باللجنة الدستورية، ما سيكلف السوري مزيدا من المعاناة والدماء، هل تتفق مع هذا الرأي؟

ج-هيئة التفاوض التي صنعتها الدول المتدخلة في الملف السوري تعرف جيدا أنها وافقت صاغرة على اختزال القرار 2254 بسلتي الدستور والإنتخابات ولا يحتاج السياسي إلى مجهر كي يقرأ بين السطور جميع إحاطات المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا ووريثه غير بيدرسون، وخلاصتها أن الحل السوري هو من بوابة الإصلاحات الدستورية كمهمة أولى للجنة الدستورية ومن ثم الذهاب إلى انتخابات حرة ونزيهة وشفافة بمراقبة أممية.

 

س-كيف يمكن تفسير إغماض المجتمع الدولي عينيه، إلى هذه الدرجة، عمّا يحدث في سورية من جميع النواحي خاصة من ناحية الأوضاع الإنسانية الكارثية مع رفض وصول المساعدات إلى مستحقيها؟

ج-المسألة الإنسانية لم تكن تاريخيا من اهتمامات المجتمع الدولي برغم كثرة المنظمات والهيئات الإغاثية الأممية، لكنها تقوم بدور رفع العتب بمهامها “الإنسانية” ناهيك عن دور السلطة السورية عبر الدعم الروسي لها في أن تكون المساعدات عن طريقها وهذا ما جرى في كثير من المناطق بتواطؤ أممي، بالتالي شحّت على السوريين المساعدات الأساسية ناهيك عن الفساد في مناطق سيطرة المعارضة في الشمال السوري وفي مناطق سلطة النظام.

 

س- ما رأيك فيما يتردد بتكرار كبير أن سقوط النظام سيضع سورية في خطر التفكك وستواجه وضعاً مشابهاً للوضع الليبي؟

ج- سعت جميع الأطراف المتدخلة في سورية إلى أن يصبح هذا السؤال هو فزّاعة للسوريين الذين يطالبون ويعملون على إسقاط النظام، لقد كانت ولا تزال الدولة السورية رهينة النظام وسلطته القمعية، لذا كان شأن المتدخلين هو قليلا من الدولة كثيرا من هيمنة النظام على حساب سيطرته المطلقة، معادلة ليست معقّدة لكن من هو أقدر من النظام السوري على اللعب على مفاتيحها ويلعبها من خلال الإيرانيين والروس، وأعتقد أن تلك اللعبة ستطول.

 

س- ماهو دور الدوائر السياسية الغربية في ما حدث ويحدث، وهل هناك جدية بالفعل في وضع حد لمأساة طالت وتشعبت تداعياتها؟

ج-السؤال هو من الذي دعم انقلاب حافظ الأسد وتوريث بشار الأسد؟ من هذا السؤال نستطيع أن نعرف ماذا يريد الغرب وما هو البريق الذي تريده الولايات المتحدة من سورية!

 

س- يعتبر كثيرون أن الثورة ستنجح، حتى وإن كان الأمر يبدو عكس ذلك الآن، هل من الممكن تحقيق الحل السياسي السلمي في سورية والانتقال الديمقراطي السلس، رغم كل الدمار والمؤامرات التي تحاك في الغرف المظلمة؟

ج-اليوم وقبل الغد نريد للكارثة التي حلّت بسورية أن تتوقف، نريد السلام لأهلنا في الداخل السوري، علينا الاعتراف بأننا انهزمنا جميعا، جميع السوريين بدون استثناء، معارضون وموالون ورماديون، لقد نال الإرهاب من أجسادنا وأرواح أهلنا وأكل من أجسادنا نحن جميع السوريين بدون استثناء. وبلدنا اليوم في مهب التقسيم وتحت نير احتلالات، وسيثبت التاريخ حقيقة أن السوريين بكل أطيافهم، ومهما طال الليل، لن يناموا على ضيم سينهضون كما العنقاء من تحت الرماد.

س- أستاذ عدنان برأيك، بعد هذه العقود من العمل السياسي في المعارضة، أي نظام تراه الأصلح لسورية اليوم ؟

ج-النظام الوطني، هذه جملة تختزل كل أشكال النظم السياسية للدولة إن كان النظام برلمانيا أو رئاسيا، السوريون فقدوا الثقة بالوطنية السورية نتيجة الاستبداد الذي حكم البلاد منذ ستين عاما، وبالتالي باتت مسألة بناء الهوية الوطنية هي الأهم، وفي جوهر السؤال، أعتقد أن سورية بحاجة إلى نظام مختلط يجمع بين الرئاسي والبرلماني في المرحلة الأولى.

 

س- قلت سابقا في أحد تصريحاتك إن عمل الإدارة الذاتية بحاجة للتصويب لتكون التجربة شاملة على كامل التراب السوري.. هل يمكن أن تكون التجربة مجدية برأيك وهل يمكن قبولها؟

ج- كنت وما زلت أعتقد أن تجربة الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي من سورية هي تجربة فريدة وأعتبرها بحق ثورة اجتماعية في المنطقة، وأثمنها وأدعم سياقها على كافة الجغرافيا السورية.

تجربة إدارة وحكم لمنطقة بنموذج منطقة جغرافية علمانية “ديمقراطية” وأضع ديمقراطية بين معترضتين لأنها ما زالت جنينية بحاجة إلى دعم أمام هذا الهجوم التخويني لها على أنها كيان انفصالي، وبرغم مرور خمس سنوات على العمل بها لا تزال تحتاج إلى جهود جميع الوطنيين لدعمها في مواجهة محاولات إجهاضها من النظام السوري أولا ومن المعارضة السورية الملتحقة بتركيا وفصائلها الإرهابية ثانيا، ناهيكم عن الدور التخريبي من داخل الجسد والذي يلعبه أحد المكونات الرئيسية للكرد والمرتهن للإملاءات التركية.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول