المرصد السوري لحقوق الانسان

السياسي السوري ميشيل صطوف: الثورات العربية انطلقت في مجتمعات متخلفة وضعيفة.. والحس الشعبي قادر على تصويب البوصلة في سورية وكشف مصادر الخداع

منذ بداية الثورة السورية، كانت المعارضة المدنية – الوطنية تسعى إلى الإطاحة بالنظام القائم إلا أن التدخلات الأجنبية عرقلت الرغبة الشعبية، حيث جنّدت قواتها لإجهاض الثورة السلمية وتسليحها وحرفتها بعيدا عن أهدافها الحقيقية.
ويرى السياسي السوري ميشيل صطوف، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن النظام الذي خدع الشعب بات مكشوفا أمام العالم، وأن السوري قادر على تعديل البوصلة.

س- هل ولى زمن السكوت في سورية منذ اندلاع أول شرارة الثورة ؟

ج-في واقع الحال، وبكل موضوعية، لم تتوقف الأصوات المعارضة لسلطة وتسلط الأسد سواء في الداخل أو في الخارج، بل إن التنظيمات الحزبية التي سايرت انقلابه في نوفمبر 1970 لعدة أسباب – منها مجاراة وعد الأسد بعمل جبهوي وفتح هامش لنشاطها – سرعان ما انقسمت على ذاتها – جميعها – وشكلت فيما بعد تجمعا وطنيا معارضا في نهاية السبعينات، كما أن تيار “الإخوان المسلمين” جرب العنف ضد الأسد، العنف الأعمى الذي أدى الى تعزيز عنف واستبداد الأسد وإلى أزمة مجتمعية عززت مرض الطائفية، إلى جانب نضال مستمر لامتدادات التيارات السياسية في الخارج والمنفى التي لم تتوقف عن الحراك ضد سلطته عبر تحالفات وتكتلات عديدة.

-بيد أن معادلة نضال المعارضة من جهة، واستبداد الأسد المغطى وظيفيا والمسكوت عنه دوليا مع سياسة إفساد المجتمع ليصبح الفساد أفيون السلطة والمجتمع من جهة ثانية، كانت دائما ومن بعيد لصالح الأسد، حيث إن تراكم الاستبداد والفساد كان أدهى من تراكم النضال المعارض، لكن ككل تراكم لابد أن يصل إلى نقطة انفجار.. هكذا كان حال الوضع في سورية في سياق “الربيع العربي”، وهكذا انكسرت معادلة السكوت إلى غير رجعة، وما استمرار الحراك الجماهيري بكل تموجاته طيلة عقد من الزمان إلا الكلمة الفصل في دخول سورية طورا جديدا نحو التغيير برغم فوضى وتهديدات الأمر الواقع الراهن.

س- ما رؤيتك لعوامل اندلاع الثورة السورية ومحاولات النظام الأولى وإلى اليوم إجهاضها؟

ج-قد لا تختلف كثيرا عوامل اندلاع الثورة في سورية عن بلدان “الربيع العربي” التي سبقتها والتي تتسم بانسداد الأفق أمام الشعوب في ظل مواجهة أنظمة شمولية فاسدة حتى العظم ومتخلفة عن مواكبة تبدلات العصر وحاجات المجتمع والديمغرافيا المتزايدة كمّا ونوعا، سُلط استهلكت المجتمع واستهلكت ذاتها.
-لذا لم يكن اندلاع الانتفاضة في سورية حدثا خارج السياق، فلقد أكد حدوثه البعض، وكتبت عن حتمية حدوثه في مطلع فبراير2011 قبل شهر ونصف تقريبا من اندلاع انتفاضة مارس، وتوقعه آخرون بمن فيهم مسؤولون بأجهزة الأسد ذاتها

الاختلاف في مسار الثورة السورية يعود بالأساس إلى الموقع الخاص الجيو-استراتيجي لسورية وإلى طبيعة سلطة الأسد من حيث مركزية كل السلطات في يد عصبة غريبة وحاقدة على الشعب والوطن، ومن حيث وظائف هذا العهد المشتبك مع كثير من الأجندات والمصالح الخارجية شرقا وغربا، وصولا إلى ترسيخ التحالف العضوي مع نظام الملالي في طهران على خلفية تصفية حساب مع تاريخ دمشق، لذا كان بعض العارفين بطبيعته يعتبرونه سلطة لا ” تصلح بكسر اللام – ولا تصلح بفتح اللام ولا تصلح بضم اللام “.
-قد لا تستطيع موجة الثورة الراهنة تشكيل البديل المباشر لسلطة الأسد وهو الأمر المرجح أمام تثبت الأجندة الروسية خاصة، لكن يستحيل وقف المسيرة والمسار برغم ما وقعت فيه الثورة من مطبات وانحرافات وتلاعبات، حيث إن سلطة الأسد ونظامه أصبحا في حكم الماضي حتى وإن مد الغزاة والمعادلات الدولية والإقليمية في عمره لفترة إضافية من الزمن.

س-لايزال الجدل بين السوريين قائما حول سلمية الثورة التي يطالب البعض باستمرارها حتى تحقق أهدافها، ويلومون من جانب آخر مَن حمل السلاح لتسليحها باعتبار أن ذلك منح النظام ما كان يتمناه باستخدام القوة العسكرية والأمنية لقمع الثورة وإفشالها .. ما هو تقييمك؟ وهل النضال المسلح الذي فرضته بعض الظروف كان امرأ لا بد منه أم خطأ؟

ج-أعتقد أنه بعد عقد من انطلاقة الثورة يصبح النظر إلى تجارب المسيرة من هذا المنظار أمرأ تجاوزه الزمن وربما يجسد التعبير عن أدلجة متيبسة وقاصرة لوجهتي النظر المتعارضة في الموضوع : سواء من يرى أنه كان على الثورة أن تبقى سلمية، أو أن هذه السلطة لا تعرف سوى منطق القوة والبندقية، ذلك أن عوامل وعناصر الفعل في مسار الأحداث متعددة ومعقدة ومتشابكة وهي تخرج بالضرورة عن دقة حسابات أي طرف وعن تحكمه بمجاريها، والوقائع لا تنسجم في هكذا أوضاع مع رغبات نظرية لهذا وأفضليات لذاك.

– أعتقد -على صعيد التفاعلات- أن اللجوء إلى العنف كحق للدفاع عن النفس كان تحصيل حاصل، ولم يكن الخطأ والخلل هنا، حيث وضعت الانتفاضاتُ السلمية على مساحة الوطن وحق الدفاع عن النفس النظامَ في حالة ترنح وقرب انهيار، لكن عوامل الخلل والانحرافات كانت في وحشية سلطة لا علاقة لها بالوطن والإنسان من جهة، وبضعف تجربة الثوار الشباب، كما ضعف وانقسام المعارضة السياسية التقليدية حول الخيارات الأنسب في صيانة الذات – وعدم حرف البندقية – من التبعية والإحتواء والتلاعب، وبالتالي التوظيف والاستخدام عكس ما يلزم وطنيا من جهة ثانية، كما في التدخلات الخارجية المتزايدة التي شكلت على اختلافاتها حلقة متكاملة لخنق مسيرة الثورة ولدعم الأسد ولاستنقاع الأوضاع لضرورات جيو-استراتيجية خارجية.. المشكل الكبير هو في هذا الاستنقاع الذي منع ويمنع – والحال هذه – ما تبقى من عوامل الفعل الثورية والوطنية من الوصول إلى برمجة ومنهجة “المشروع الوطني للإنقاذ ” الذي أصبح له الأولوية على الرغبة القوية في انتصار” الثورة ” بالمعنى الثوري والجذري المباشر.

س-من خدع الشعب السوري(أي قوة أجنبية) بعد النظام؟

ج-مفهوم الخديعة يحتاج فاعلا ومفعولا في لحظة ما ولأمر ما، و بالتالي لا يمكن الحديث موضوعيا عن انخداع شعب لفترة طويلة وفي أمور عدة، فالحس الشعبي قادر على تصويب البوصلة وكشف الخداع.. النظام مكشوف للشعب تماما والقوى الخارجية عربيا وإقليميا ودوليا تنظر من خلال مقاربة مصالح أنظمتها وحسابات تقاطعات المصالح والمقايضات البينية ولقد استثمرت جميعها في المقتلة والكارثة السورية..
-لذا يمكن وصف مواقف الجهات الخارجية المنخرطة في الوضع السوري بين الخذلان والإستثمار والتآمر في مرحلة ضعف واحتواء منظمة الأمم المتحدة التي لم تحمِ مبادئها أو قراراتها.
بمعنى آخر لا يزال الجميع يتاجر بالمسألة السورية بعيدا عن حقوق الشعب السوري ونضاله ضد الإستبداد والفساد والاحتلال ومن أجل حريته وتقدمه وبناء دولته الحديثة.

س-فشلُ الدعم الغربي للثورة السورية أرجعه البعض إلى أنه لم يجد في قيادات المعارضة وتشكيلاتها الشريكَ المناسب لإنجاح الثورة.. هل تتفق مع هذا الرأي؟

ج-لا شك في أن حجم الكارثة السورية واستمرارها لعقد من الزمن يدفع البعض بل الجميع إلى البحث عن كبش فداء وقوس قزح التبريرات – هذا في حال حسن النوايا ومعقولية القصور- لكن واقع الحال يؤشر إلى تكالب مختلف الأطراف الغربية وغير الغربية – منذ البداية – على احتواء المعارضة وإرباك وضعها – على هشاشته التي لا يمكن إنكارها – حيث إن التدخلات المتعارضة في الخلفية والمتفقة في الهدف استمرت على خط صاعد يقابلها تورط المعارضين المستمرين في تصدر المسؤولية- عن جهل بعض الشيء في البداية وعن وعي في قبول التوظيف والاستخدام فيما بعد – في خط هابط ومتهالك، تدلل عليه ما آلت إليه أوضاع المؤسسات المحسوبة على المعارضة والتي تمثل فعلا صخرات عثرة وعقبة في وجه إمكانية انتزاع المبادرة الوطنية وحد أدنى من القرار الوطني المستقل والمستوعب.
بالمقابل، لا نلمس أي سند أو دعم لأي فعل وطني مستقل وقادر على أن يشكل شريكا وطنيا مؤهلا لوقف المأساة وتخفيف المعاناة واختراق الانسدادات التي تستهلك من جهد الجميع أمام السؤال الأليم : وماذا بعد ؟!

س-هل تتفق أستاذ ميشيل مع من يدعو إلى إيجاد بديل عن المعارضة السياسية الحالية(هيئة التفاوض، الإئتلاف، والحكومة المؤقتة)؟ وهل فشلت فعلا المعارضة في عرض مشروع سياسي حقيقي ينهي الحرب القائمة ؟

ج-لا يختلف اثنان حول أن متصدري وزعامات المعارضة من مؤسسات ومن منصات وإدارات كشفوا طوال عديد السنين الماضية ليس فقط عن فشلهم حتى في عرض – وليس قيادة – مشروع وطني حقيقي يخرج البلاد من مأساتها التي تهدد حاضر ومستقبل وحدة الوطن ووحدة الشعب، بل بحكم الإرتهان الشامل والتبعية التي غدت متأصلة في تلك المؤسسات، وهذه بعمومها تمثل عقبات أمام طرح وتدشين مشروع وطني للإنقاذ، وهي على التنابذ بين معسكراتها والغلو في ادعاء كل طرف شرف الوطنية والاستقلالية والدفاع عن مستقبل الوطن، ترفض أي مراجعة لأخطائها أو الاهتمام بمعاناة الجماهير السورية المبعثرة في الويل والإهانة، لذا فهي بالتالي لا تصلح (بضم اللام) ولا تصلح (بفتح اللام).
-أما موضوع تشكيل البديل الوطني الملتزم بخط التغيير والتجاوز فهو ليس دعوة فحسب بل واجب وطني وثوري وإنساني.
-بيد أن مشكلة الثورة والشعب السوري كانت ولا تزال مع”هذا البديل المنتظر”، بديل للنظام بداية ثم بديل للائتلاف، واليوم بديل الجميع من متصدرين مرتهنين.

س-كثيرون عولوا على العامل الإقتصادي لإسقاط النظام، واليوم وبرغم عقوبات قانون قيصر وكل المشكلات الاقتصادية الكبرى، لايزال النظام قائما متماسكا.. هل لايزال بعد 10سنوات من الدمار هذا الاحتمال وارد؟

ج-الثورات وحركات التغيير والتجاوز لا يمكن ان تستند في مسيرة نضالها على عامل واحد، خاصة مع أنظمة شمولية لا تعرف للإجرام حدا، ثم إن العامل الإقتصادي من عقوبات وقانون قيصر الأمريكي، كلها من فعل الخارج ومصاغة على مقاسات حسابات أو مقاربات أصحابها والتي تتجاوز الساحة السورية، ولا سلطة للشعب السوري عليها، وإن كان مدعوا بالتأكيد إلى استيعاب سياقها وأخذها بعين الإعتبار في تعاطيه مع قضيته الواسعة والشائكة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن استخدام هذا العامل الإقتصادي مطروح للتأثير على نظام الأسد بهدف احتوائه وليس لوضع حد للمأساة السورية والخروج الجدي الممنهج منها، ومن جهة ثالثة فإن النظام الفاسد والمجرم لم ولن يهتم يوما إلا بإطالة عمره حيث يستخدم العقوبات باتجاهين لصالحه : محاولة تضليل الشعب ووضع ثقل الأزمة على العقوبات الإقتصادية – وأيضا لمزيد من سحق المواطن ودفعه للبحث عن رغيف وسقف، ومن جهة رابعة تساهم هذه العقوبات بتضليل المواطن المسحوق – من معارض ومن صامت – ليستند إلى وهم الخلاص القريب..ولها أن تهدد مستقبل الشعب والبلاد، كونها قوانين لبلد كالولايات المتحدة الأمريكية قد لا ترفع في أمد منظور أو دون ثمن ومساومات كما رأينا في العراق ونرى في السودان.

س-أستاذ ميشيل، لماذا لم تعد المعاناة والمأساة الإنسانية في عدة مناطق سورية والسعي إلى تجاوزها أولوية لدى المنظمات الإنسانية ومنظمات الإغاثة الدولية؟ وما تعليقك على مايروج من أن بعض هذه المنظمات مورطة في دعم تنظيمات متشددة؟

ج-لم يستطع أي مجال من مجالات المسألة السورية أن يبقى خارج التلاعبات والاستثمارات من قبل” الخارج ” أو الجيران أو بعض السوريين من تجار الحرب والإنتهازية والتبعية، في غياب مؤسسات ثورية ووطنية ومسؤولة، ولقد كان مجال المنظمات الإنسانية والإغاثة مجال استثمار سياسي وإعلامي ومالي أحيانا لأصحابها .. هناك أيضا التفضيلات السياسية والأجندات لدعم منطقة دون أخرى.
-كما أن طول مدة المأساة وزيادة التبعات والمستحقات وتلاعب بعض حكومات الجوار في هذا المجال وغياب الشفافية، لهما دورهما في ضمور هذا النشاط .
-أما موضوع تورط بعض المنظمات الإغاثية في دعم تنظيمات متشددة فهو تحصيل حاصل للتدخلات الخارجية في الملف السوري ومنذ البداية، وهي معروفة ومكشوفة، وتدخل بالنسبة للبعض ضمن إطار السعي إلى تفصيل مستقبل البلاد ، كما هو السياق الذي يجري في جنوب البلاد وفي شمالها وفي شرق الفرات ..
وأخيرا فإن واجب دعم السوريين في مناطق اللجوء والنزوح والعراء يبقى إنسانيا وأخلاقيا فوق أي حجة أخرى.

س-كيف يمكن تنظيف مؤسسات الثورة المعترف بها دوليا ممن المتأسلمين والفاسدين ؟

ج-ربما المقصود مؤسسات المعارضة البائسة وليس مؤسسات الثورة المفتقدة ، بدايةً هذه ” الهياكل ” المفصلة” على مقاس محاصصات القوى الفاعلة في المحنة السورية والمعترف بها دوليا أو التابعة لدول كبرى، تبقى بحكم ضعفها وهزالتها وافتقادها لأدنى درجات المصداقية والاعتبار، حاجة موضوعية لهذه الدول، سواء للاستخدام كغطاء حين الحاجة أو للتبرير كلما دعت الحاجة، لذا فإن العامل الدولي ليس منشغلا بتنظيفها من أي كان، فاسدا كان أو إسلامويا، على الأقل في الأفق القريب.
-أما فيما يتعلق بتنظيفها من” الفاسدين والمتأسلمين” من قبل فعاليات وناشطي الثورة وجماهير الشعب المسحوقة، فإننا نعود إلى السؤال حول ضرورة البديل المطلوب عنها كهياكل عاجزة ومنتهية الصلاحية وليس عن بعض أعضائها فقط. بديل نشهد محاولات كثيرة ومتجددة لتخليقه، لكنه مازال يواجه تحديات ذاتية وموضوعية دونها انتفاضة عارمة جديدة تفرض ذاتها على الميدان وعلى الوضعين الإقليمي والدولي، حيث لا مصلحة لأي من هؤلاء ببديل وطني حقيقي قادر، وإلا لرفعوا غطائهم عن كل تلك الهياكل المنخورة وسهل إنهاض البديل المطلوب والفاعل.

س-أستاذ ميشيل.. هل تدفع سورية ثمن تخاذل العالم الداعم للديمقراطية كأمريكا لها ؟

ج-“العالم” كلمة عامة، وهي تحمل حاليا صفة سلبية تفتقر إلى مضمون فاعل وايجابي.. يكفينا النظر للواقع المحبط لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة وبالخصوص تجاه قضايا الشرق الأوسط ..
-لذا لا أعتقد أن كلمة تخاذل العالم وفي المقدمة حكومات الولايات المتحدة الأمريكية – في مقدمة النسق الدولي السائد – عن دعم الديمقراطية كلمة مناسبة طالما هناك تنازل فعلي مزمن وفاضح، عن القيم والأخلاق الإنسانية، وطالما كان ومازال الدعم والتعاطي هو مع أنظمة شمولية – بمختلف المضامين في المنطقة – وطالما تبقي هذه الأنظمة على تبعيتها ووظائف استخدامها، مع تسيد عقلية البزنسة والتلاعب والتضليل، فلسطين والعراق مثلا .. وليبيا بطبيعتها الخاصة.
-أما سورية وهي الأقرب لتل أبيب فتبقى الأكثر عرضة للمعاناة وإلى أمد ليس بالقصير.

س-برغم المؤامرات، هل ترى انفراجا للوضع في سورية؟

ج-سورية أضحت مصابة بأزمات عديدة، يضاف إليها أعطاب مجتمعية مستجدة أو متمظهرة أكثر بفعل فاعل، وهي في وضع دمار شره مفتوح.
-ولا تتوفر راهنا أدنى المعطيات لانفراج ملموس، بواقع أن المسألة السورية تحتاج لمحصلة فعل خارجي ايجابي مفتقد ولأنها ساحة أزمة مزمنة لا تهدد أحدا أو تطرح نفسها كأولوية مستقلة على أجندات الفاعلين الكبار، كما أنها في واقع الحال موضع مقايضات وتلاعب بالتقسيط بين القوى الخارجية المشتبكة من أذربيجان حتى ليبيا وما هو أبعد مرورا بطهران.. لا بد للإقتراب من أمل بمخرج أو انفراج من إنضاج فعل سوري وطني يقتحم طاولة الدول المتلاعبة بالقضية السورية وهو محط انشغال الكثير من أبناء وناشطي الوطنية السورية.

س-أين الخلل الذي أصاب ثورة سورية ومختلف الثورات العربية حتى نرى كل هذا الدمار؟

ج-الأمر لا يتعلق أبدا بخلل ما، أصاب هذه الثورة أو تلك من ثورات سياق الربيع العربي، حيث هناك عناصر عديدة مشتركة كما هناك خصوصيات لكل ساحة وعلى أكثر من صعيد، فحتى الثورات التي اتصفت بسلمية التغيير تعثرت ومازالت، بل يتحدث البعض عن انحرافات وفشل، يجب أن لا يشكل أكثر من محطة في سياق مسيرات التغيير الجذري والشامل والطويل للمجتمع والذهنيات.
-كما أن أكثر ساحات الحراك الثوري مازالت ملتهبة، أو قلقة إذا ما تحدثتا عن تجربة السودان، حيث يبقى الحديث عن الخلل نسبيا في مساحته وعمقه، فمثل هذا الموضوع وتوصيف الخلل يحتاج إلى مرجعيات فكرية وتاريخية مازالت لم تتحدد جيدا بعد بحكم الطبيعة الجديدة غير المألوفة لهذه الثورات، كما أن تحديد الخلل في مسيراتها قد لا يقدم فعلا حاسما فيها مع تغير المراحل وتوالي التحديات المستجدة .
-لكن يمكنني القول إن الثورة كمسيرة معنية بالهدم وبتظهير بواطن التخلف المجتمعي والذهنيات للبناء المتقدم والحداثي، لا تخضع لحكم قاطع على محطة ما من محطاتها مهما كان حجم الدمار الحاصل، ومن المعروف تاريخيا أن الثورات العميقة والجذرية تخضع بالضرورة للتموجات ما بين إنجازات هنا وتراجع قوى هناك.
-كما أن كل ثورة تستدعي بالفعل ثورة مضادة من خارجها وجنوحا نحو فعل ثورة مضادة من داخلها أو هوامشها.

-الثورات العربية انطلقت في مجتمعات متخلفة أو ضعيفة على صعيد البنية السياسية والحزبية والإجتماعية وخاصة المدنية، وفي منطقة جيو-استراتيجية تتميز بأهميتها وبكونها مستهدفة لأكثر من سبب وخلفية، يجعل منها ملعبا للتدخلات الخارجية.
-إن الضعف الإجتماعي والسياسي البنيوي بحكم التخلف المزمن والإبتلاء بأنظمة استبداد فاسدة مفسدة وأطماع حمقاء لمشاريع امبراطوريات الجوار، سهل لتيار الإسلام السياسي بكل عقده وألاعيبه وشرهه المرضي للسلطة، يستمر – بدل إيمانه بالديمقراطية والحداثة والعمل التشاركي لبناء الوطن – في انزلاقه نحو تخريب العديد من مجالات هذه الثورات ليقع في واقع ارتداد الضرر والأذى عليه ، حيث مع الأسف وبحكم سياسات وأجندات ذات نزعة امبراطورية للحكومات الإسلاموية الإقليمية – سنية كانت ام شيعية – مازال – هذا ما يسمى تيار الإسلام السياسي- مندفعا في الطريق الخاطئ.
-يؤسف القول إن التخلف الماضوي كأرضية، والأنانية العمياء كسقف حكم، والاستبداد كبنية ذهنية وكسلطة أوقعت كل هذا الدمار في مسيرة الثورات العربية التي مازالت في بداية الطريق، ومازال أمام قواها الحية الواعية الكثير من الجهد والعطاء للخروج من النفق إلى فضاء الحداثة والعصر، حيث العقل هو سيد المنطق والتفكير والسلوك وحيث القيم الإنسانية وحقوق الإنسان تمثل توأم العقل.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول