المرصد السوري لحقوق الانسان

المعارض والمعتقل السابق فاتح جاموس: المعارضة من الداخل هي الأجدى لتحقيق المطالب الشعبية.. وروسيا تجمع أوراق اللعبة لكنها لن تستخدمها إلا لحفظ الدولة السورية ووحدتها

مع تغيّر المشهد في الحرب السورية من فترة لأخرى، يحاول المرصد السوري لحقوق الإنسان رسم خارطة لتبين مستقبل الحوار والأزمة السورية، وكيف يمكن للمعارضة السورية أن تلعب دورًا في حل الأزمة. وقال القيادي في تيار طريق التغيير السلمي فاتح جاموس، إن هناك حاجة إلى لملمة صفوف المعارضة في الداخل والخارج للذهاب إلى الحلّ.

س: كيف تقرأ المشهد السياسي اليوم في سورية، وهل هناك بوادر حل في الأفق القريب؟

ج- أعتقد أن الطرفين الأقوى والأكثر تأثيرا وفاعلية مع حلفاء كل منهما من الخارج، هما من يتحكم بدينامية المشهد وتفاصيله الأساسية وتوجهه. وأنا هنا أعني طرف السلطة بطابعها الديكتاتوري وحلفائها، إيران والاتحاد الروسي، وطرف الأصولية الفاشية بمختلف مسمايتها كالإسلام السياسي ونخب المعارضة في الخارج التي تعمل عموما كلسان حال للقوى الإقليمية، ومنها الكيان الصهيوني، بأشكال فعل عديدة مباشرة أو بالتوسط، ولكل طرف داخلي في الصراع كتلة اجتماعية تشكل حاضنا وداعما جسديا وبنيويا بدرجات.

طابع العلاقة بينهما لا يزال تناقضيا، وبالتالي فإن الصراع بكل أشكاله مفتوح. ولا معنى لأي حديث حتى الآن حول صيغ توافق روسي أمريكي تحت الطاولة لفرض حل توافقي، فقد حان الوقت لأصحاب مثل هذه المقاربة كي يقتنعوا، بأن أي توافق روسي أمريكي جدي، لا ينتظر أحدا في العالم مهما كبر شأنه كي يفرض عليه توافقهما.

السلطة تعيد إنتاج ذاتها عبر ذلك السياق من الصراع، وغير جادة أبدا في قضية الحوار الخارجي ومساراته، وحتى روسيا فعليا غير مستعدة للعب بأي درجة قد تأتي بالمخاطر على حليفها النظام. والنظام يعرف أن أي تهاون في الحل السياسي، لن يسمح بوقف هجوم الطرف الآخر، وشروطه الآن غير ضاغطة عليه بحيث يقدم تنازلات ذات معنى.

وبالتالي، فإن الاحتمال الرئيسي هو استمرار التناقض والصراع والعنف، والاحتمال الثاني في اقتسام الكعكة غير وارد في المدى القريب والمنظور.

س- أي دور تراه للمعارضة اليوم في ظل الوضع المتأزم، وكيف يمكن بلورة برنامج موحد يستفيد من التجارب والعقبات السابقة؟

ج- من وجهة نظري المعارضة معارضتان، هذا قانون طبيعي في أي حالة تشبه حالة الأزمة والانقسام الوطني السوري، والصراع الذي يجري بأدوار هامشية للقوى الاجتماعية والسياسية، هو صراع حتما غير ثوري، بل هو مضاد للثورة. الاتجاه الحاسم في المعارضة اعتبر الأمر شروطا ثورية وثورة، وأن المجتمع والمعارضة تقف في طرف والسلطة الديكتاتورية في طرف، فطرحت استراتيجية كسر العظم وإسقاط النظام. كانت تلك مقاربة خاطئة كليا. واتضح أن شكل ومحتوى الحراك الشعبي الذي حصل في سورية بكل هيبته وقوته وشكله، لم يكن جاهزا ليقوده أحد إلا الأصولية الفاشية. وهناك الاعتماد على القوى الخارجية الداعمة، وبالتالي فإن إمكانية استقلالها عن حلفائها الخارجيين شبه مستحيلة، ودورها هو الاستمرار كجسد مقاتل في الصراع.

ربما هناك بعض الفعاليات النخبوية في الخارج، المصطفة بالمعنى الموضوعي في الصراع، وخارج وعيها وإرادتها، إلى جانب الصف الأمريكي في الصراع، لأن مهمتها المركزية لا تزال في العمق إسقاط النظام، باستبداله بالتغيير الديموقراطي عبر مشروع اقتسام الكعكة. مع ذلك، ربما تستدرك الآن بعض هذه القوى أهمية التفكير المستقل وأهمية المراجعة، وهذا قد يفتح إمكانية توسيع صفوف المعارضة الداخلية.

– س: ما هي تداعيات التدخل التركي-الروسي-الأمريكي في الشأن السوري؟ وهل زاد هذا التدخل من تأزم الأوضاع وتعميق الانقسامات، خاصة في صفوف المعارضة، ما حال دون الوصول إلى حل سياسي سلمي؟

– ج: مع تحفظي على استخدام مصطلح “التدخل” بالنسبة لتلك الأطراف الثلاثة، فمن وجهة نظري التدخل الأمريكي هو تدخل احتلالي، والتركي أيضا، لكن الروسي والإيراني غير احتلالي.

لا شك في أن ذلك التدخل قد خلق وقائع وتأثيرات مختلفة فيما لو ترك الصراع الداخلي وحيدا، لكن ذلك التدخل كان قائما من اللحظات الأولى فعليا، وبعضه كان ينتظر أشكالا للتدخل أكثر سوءًا كما فعلت السلطة التركية، أو ما فعلته الإدارة الأمريكية وبعض الأطراف الإقليمية. وقد لعب الصف الأمريكي دورا كبيرا في توحيد صفوف معارضة الخارج، كما حاول الروس والإيرانيون تجميع صفوف معارضة الداخل.

وليس صحيحا أن الأطراف الدولية تعمل على تمزيق المعارضة، حتى ولو لمسنا بعض التناقضات والصراعات بين فرقاء هذا الصف، مثل تركيا وصفها وأمريكا وصفها.

– س: لماذا تستميت تركيا في إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري؟ وهل توجد أطماع جيوسياسية يُخشى معها قضمٌ جديد للأرض السورية؟

– ج: أتذكر الآن ما كتبته من الأسابيع الأولى لانطلاق الأزمة السورية والموقف التركي، وكتاب أحمد داود أوغلو، وغفلة الدبلوماسية السورية بما في ذلك قمة الهرم السياسي السوري، بحجة خطة العلاقة مع السلطة التركية لسحبها شرقا، إذ أدارت السلطة التركية ظهرها سريعا لكل الاتفاقات مع النظام السوري، مع أنها اتفاقات مجحفة جدا في حق ومصالح الشعب السوري. النخب التركية متعصبة ذات طموح خطير جدا، إذ تعتقد أن هناك ضرورة وحتمية تاريخية في إعادة الجغرافيا السابقة لسلطتها، وأن الوجود التركماني أو الإسلامي الأكثري أو الشرعي من منظور فقهي وخلافي، يدفع إلى ضرورة التدخل التركي، كما أرادت السلطة التركية الانتقام من التحالف السياسي والعسكري بين السلطة السورية سابقا وحزب العمال الكردستاني.

تركيا استماتت وتستميت لتحقيق مطامع وقناعات عميقة فكرية وثقافية وسياسية. وفي سبيل ذلك، تتبع تكتيكات واسعة جدا، وتنتهج فعلا سياسيا أقرب إلى وجه الاستقلالية، أو الهامش الذاتي الواسع. والشروط القائمة تسمح لها بذلك، فالتوجه الأساسي الكردي سمح لها بذلك، وحالة الضعف السورية وأخطاء النظام السابقة سمحت لها بذلك أيضا.

س- : كيف يمكن لم شمل المعارضة المنقسمة وأطراف النظام لتطبيق الحوار الوطني؟

– ج: ناديت بضرورة فتح مسار الحوار الوطني الداخلي بين السلطة وموالاتها كطرف واحد، والمعارضة الوطنية الداخلية كطرف، والمجتمع المدني الفعلي المتحرر من قبضة السلطة كطرف ثالث، دون أن يكون ذلك في المواجهة التامة والتناقض مع المسارات الخارجية.

خلاف المعارضة وتناقض وجهات نظرها حتمي فيما بينها في الداخل والخارج، أي أن وحدتها أو التنسيق فيما بينها مستحيل حتى الآن. وهذا التوجه يلزمه توفر بعض الأمور الضرورية، مثل متابعة الروس لمشروع فتح مسار الحوار الوطني الداخلي.

س- كيف تتابع قضية المعتقلين اليوم، بسبب مواقف سياسية ومطالبات مشروعة في العيش بكرامة وحرية؟

ج- لأنني كنت معتقلَ رأيٍ لثلاث مرات وتعرضت لثلاث محاكمات تعسفية وقمعية، فإنني لم ولن أغير قناعاتي الفكرية والثقافية والسياسية الكفاحية في قضية حقوق الإنسان. ومع كامل اعتباري ووعيي بأنها قضية مرتبطة بالسياسة في أي مكان من العالم، فإنني أحاول جعلها قضية قائمة بحد ذاتها غير مرتبطة بالاستقطابات السياسية بصورة نفعية أو انحيازية. قضية الحقوق والانتهاكات في سورية لم تعد محصورة فقط بالسلطة، وهكذا لا أتوانَى أبدا عن واجبي في التضامن والدفاع عن أي تفصيل في قضية انتهاكات الحقوق، وخاصة قضية المعتقلين. وأنا متحمس حتى لفكرة تشكيل مجموعات تضامن ومجموعات ضغط على السلطة في هذا المجال.

هل هذا الموقف مكلف؟ نعم كان ولا يزال كذلك، ففي إحدى المرات كلفني موقفي وتضامني مع قضية قتل المرحوم الضابط حسان الشيخ، انتهاكات فجة بحقي.

س: هل لا زلت مقتنعا بفكرة أن الثورة السورية “مؤامرة خارجية وتمرد إسلامي سني”؟

ج- أنا لم أقتنع للحظة واحدة بأن الحدث الكبير الذي انطلق في 15 مارس/آذار 2011 كان ثورة أو جاء بشروط ثورية، وأنا لم أعتبره أبدا بأنه “مؤامرة خارجية، أو “تمردا إسلاميا سنيا”، وإن كنت تحدثت عن مؤامرة خارجية وعن الحراك الشعبي وطابعه العام وأسباب ذلك.

بالتالي، هذا مجرد اتهام من صفوف المعارضة الخارجية لتشويه وجهة نظري ووضعي في خانة موقف السلطة من زاوية وفكرة المؤامرة. أفترض أنه من الضرورة أن أعرض وجهة نظري، والتي تقوم على أن الحدث السوري كان موضوعيا جدا، وجاء في سياق ما سُمي بثورات الربيع العربي. وللحق، بدأ الحراك عبر مجموعات معارضة غير أصولية أبدا وغير شعبية، ثم جاءت أحداث مدينة درعا، منفصلة كليا عن حركة هذه النخب، بكل تعقيداتها والتباساتها، ثم تطورت الأحداث لتأخذ طابعا شعبيا في المدينة، وشعبيا تضامنيا مع درعا من قبل مدن سورية أخرى. وقد تابعت السلطة نهجها ووسائلها، وتحولت الأحداث إلى حراك شعبي فعلي واسع وعميق، لكنه اقتصر بالمعنى الشعبي الجماهيري على طابع مذهبي أساسي. صحيح أن بعض النخب شاركت لكن تحت شعارات وقيادة مختلفة.

بمعنى آخر، بدا ذلك الحراك في أهم لحظاته قوة وتأثيرا، وبعدما تجاوزت الكتلة الشعبية عتبة الخوف من السلطة، بدا غير متوازن بالمعنى المذهبي والجغرافي الوطني، وبدا بعيدا عن أي طابع طبقي، ليأتي بذلك التوازن الوطني والمذهبي.

طبقة الرأسماليين الكبار التي خلقها النظام كانت بغالبيتها الكاسحة خارج الحراك ولم تدعمه، وأثرت بالتالي على جمهور واسع في المدن الكبرى، فرسم ذلك للحراك الشعبي قيمة وفعلا، وأعطاه طابعا مذهبيا، وجعل منه حاضنة لقوة سياسية ذات علاقة تاريخية معه، وهي قوة الإخوان المسلمين.

وفي كل الأحوال، نظريا وتاريخيا ووقائعيا، عندما يأخذ أي صراع أبعاده، ويتضح أن قواه المتصارعة الأساسية هي بين الديكتاتورية والفاشية، فيجب الحكم عليه بأنه غير ثوري. وفي الصراع مع الفاشية، حتى ولو كانت الديكتاتورية في موقع الصراع، يجب فورا أن ندق جرس الخطر الأكبر وهو الخطر الفاشي، فانتصار الفاشية في أي مكان من العالم هو الخطر الأكبر.

س: أي نظام تراه الأنسب لسورية اليوم بعد 10 سنوات من الدمار الممنهج والتهجير والانهيار؟

ج: النظام الانتقالي التطوري، عبر المسار الداخلي وحوار القوى الداخلية والعمل التدريجي على تغيير السلطة، بتغيير نهجها وبنيتها وطابعها ووسائل عملها. المطلوب هو العمل التشاركي والديمقراطي التوافقي وغير الاشتراطي الذي يأتي بحكومات وحدة وطنية تشاركية، وصولا إلى حالة أمان لا تسمح بإعادة السلطة لإنتاج ذاتها ديكتاتوريا وقمعيا أو انتصار القوى الدينية السعودية والتركية، أو الأمريكية بكل ما تعنيه من زاوية عدائها اللئيم للدولة السورية أساسا أكثر منه للسلطة السورية. نعم هو شبه حلم، لكنه احتمال فعلي في التحقق بين الاحتمالات الأخرى الكارثية، ويحتاج حتما إلى تحول المعارضة الداخلية ومنظومتها إلى قوة فعل تفرض نهجها ودورها على السلطة.

س: توجَّه إليك بعض الانتقادات بتلميع صورة النظام وانتخاباته، ليقال إن هناك معارضة تشارك في الانتخابات بكل ديمقراطية.. ما تعليقك؟

ج- بل تُوَجّه إليّ اتهامات أكثر بؤسا من قبل بعض أوساط المعارضة الخارجية. أدعوهم لتحري الدقة في موقفي من السلطة، فهو خطاب نقدي متمسك بصرامة بقول الحقائق عن طابع السلطة ونهجها ووسائلها، ويؤكد أنه من دون أن تتحول المعارضة الداخلية إلى قوة فعل حقيقة، فإنها ستبقى هامشية. المعارضة الوطنية الداخلية على الأقل، ليست أبدا في موقع الإرادة والفعل الذاتي في الانضمام إلى صف السلطة، بغض الطرف عن بعض الظواهر المحدودة التي تلعب عليها السلطة أو تمسك بها.

مشروع تيارنا في الدورة الانتخابية التشريعية، كانت غايته خلق نواة معارضة صريحة ببرنامج متميز. خطابنا في أساسياته يشبه خطاب المعارضة الخارجية، مع الفارق الحاسم في قضية البرنامج والمهمة المركزية والوسائل المتبعة والتحالفات، وهناك ضرورة للتغيير، وإلا فالصراع وتكسير العظام سيستمران باسم الثورة.

س: في تحليلك، ما هي تداعيات تطبيق قانون قيصر على النظام وعلى الشعب السوري؟

ج: من أهم تأثيراته وتداعياته على النظام، إرباك الحكومة والمؤسسات، ولكنه لن يصل إلى إرباك السلطة، فهي متأكدة من أن حلفاءها سيقفون إلى جانبها لمنع التأثيرات الكبرى للقانون، على غرار انهيار السلطة أو فشلها في التكيف، في حين أن الولايات المتحدة ترمي إلى خلق حالة معيشية كارثية لدى الشعب، لدفعه هذه المرة إلى التناقض المركزي مع السلطة وانتهاج ردود فعل فوضوية.

وأعتقد أن القصة لن تقف عند قانون قيصر، إذ بعد كل ما حصل في سورية سيكون التوقف ممنوعا بدون حصة سياسية هامة في قمة السلطة أو استمرار العنف والتدمير الجيوسياسي. وربما يكون ذلك عبر خيارات حربية شديدة الوطأة، خاصة من قبل الكيان الصهيوني وحليفته واشنطن، ودور تركي آخر مشابه بأهداف وتكتيكات وسياسات مختلفة.

س: يقول مراقبون إن روسيا تحاول جمع أكبر عدد من الأوراق كي تكون في موقع صاحب القرار السوري.. ما تعليقك؟

ج: لا شك أن الوضع الروسي داخل سورية، خاصة العسكري منه، يصب في مصلحة روسيا من حيث مواجهتها للأصولية الفاشية في سورية بدلا من مواجهتها داخل دول الاتحاد الروسي. لكن، من جهة أخرى ولقناعتي بأن الروس غير تدخليين بصورة صريحة في الحياة الداخلية والوطنية، ويحترمون هامش الاستقلالية والخصوصية ويحترمون حليفهم، فإنهم وإن بدوا كمن يجمع أوراق قوة، فإنهم لن يستخدموها ولن يتصرفوا كقوة تدخل إلا في صالح الدولة والسلطة السورية، وسيعارضون أي انحراف في التوجهات الأساسية للصراع ضد الفاشية الأصولية، والعمل على وحدة وسيادة كامل الوطن والدولة السورية.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول