المعارض والمعتقل السابق فاتح جاموس: ملف المعتقلين بات ملفا للاستثمار.. وتركيا لا تخرج من مكان احتلته بل تبتلعه وإخراج روسيا وإيران هو الأسهل

تبقى قضية المعتقلين السياسيين في سورية من أبرز القضايا التي لم تجد طريقها إلى الحلّ لكشف مصير الآلاف من المغيبين قسريا والقابعين في السجون.. آلاف لا يُعرف عن مصيرهم شيء.. وبرغم مختلف الدعوات والحملات والمبادرات ظلّ الملف رهين التعنت من قبل النظام في ظل غياب الحل الشامل لإنهاء المأساة المستمرّة.

يرى فاتح جاموس، القيادي بتيار”طريق التغيير السلمي” المعارض، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ ملف المعتقلين بات موضوعا للاستثمار فيه وذلك ماتمّ استخلاصه من خلال طرق التعاطي معه من قبل طرفي الصراع والأطراف الدولية، مشددا على أن الحملات من قبل المنظمات الإنسانية هي الحد الأدنى لتحريك الملف.

س- لماذا ظل ملف المعتقلين السوريين في سجون النظام والمعارضة،شبه مسكوت عنه ؟ وكيف يمكن تحريك هذا الملف الذي يتسم بالغموض ؟

– ج- لم يكن ملف الاعتقال مسكوتاً عنه في يوم أبدا، لكنه لم يحقق أية نتائج مهمة كما يستحق، إلا أن تعبير” مسكوت عنه” يوحي وكأن هناك اتفاقًا تآمرياً مشتركا بين طرفي الصراع الرئيسيين من أجل السكوت، أيضا هو لا يتسم بأي غموض( إلا إذا كان المقصود بالغموض الحقائق التفصيلية) والأمر الرئيسي أنه ملف للاستثمار فيه، وأن نهج التعاطي معه من قبل طرفي الصراع والأطراف الدولية الحليفة لها ظل في إطار الاستثمار السياسي، وخدمة نهج تعاطي كل طرف منهما مع الأزمة الفعلية حتى الآن.. صفّ المعارضة الخارجية وحلفائها الدوليين، مصر على فكرة التفاوض والربح حتى حدود كسر العظم تجاه السلطة، وتغيير رأس الهرم ومن حوله، ومصرّ على فكرة تنفيذ العقوبات” العدالة” الانتقالية الجرمية، وما يحدث من بعض المحاكمات خاصة في ألمانيا، والعودة إلى فكرة المحكمة الجنائية الدولية، كل هذا يعقد ملف الاعتقال أكثر فأكثر، ومن جهة السلطة هي في الأساس سلطة لا تقيم وزنا لكل قضية الاعتقال من منظور حقوقي أو إنساني، في التناقض والنشاط والعداوة والخصومة السياسية معها، تعمل بنهج ومنطق وبنية القمع، بالتالي من البداهة أن تتابع السلطة نهجها نفسه في هذه القضية، خاصة وأنها تشعر بارتياح نسبي تطوري، في الصراع القائم، تشعر أنها تتقدم وتربح، بينما يتراجع مشروع الأصولية الفاشية وحلفائها، أي الطرف الفعلي في المعارضة الخارجية، ولا تشعر السلطة بالمقابل أن الحوارات الخارجية هي فعليا من أجل حلول توافقية تدريجية، لتحسب حسابها بحصتها بالتناسب مع نفوذها.. إنها تشعر بأن الطرف الآخر، على الأقل بين فترة وأخرى، يعود إلى التصعيد ومطالب كسر العظم، والتهديد بإثارة ملفات تصعيدية( الكيماوي، العقوبات الجرمية..الخ) هكذا تُفتقَدُ الثقة المتبادلة بين الطرفين، ليراوح الملف مكانه بدون نتائج مهمة، ويتابع نهج استثماره بديلا للنهج الوطني والإنساني المشترك بالتعاطي معه، كما هو مفترض في مثل طابع الأزمة السورية.

س- هل تكفي الحملات الداعية إلى معرفة مصير المعتقلين للضغط لفتح الملف؟

– ج- الحملات هي دائما الحد الأدنى المطلوب في ملف الاعتقال السياسي، وملف الأسر بالمقابل، وبالتالي هي خارج حقيقة الاكتفاء والكفاية.. مطلوب تغيير نهج كل من الطرفين، أو بروز قوة معارضة أخرى قادرة على ممارسة النهج البديل.

س- منذ أشهر زادت وتيرة التحركات العربية، وخاصة الخليجية لتطبيع العلاقات مع النظام السوري عبر عقد لقاءات وتفاهمات اقتصادية، هل ترى أن هذا التقارب بين دمشق ودول الخليج وراءه مسألة تقليص نفوذ إيران في المنطقة؟

ج- على العموم ليس وراءه سبب واحد، أو حاجة واحدة، لكن هناك بالتأكيد سبب مركزي دافع، أو محرك، وأعتقد أيضا أنه ليس السبب المتعلق بوضع تكتيكات غايتها تخفيض نفوذ إيران في المنطقة، هذا واحد من أسباب عدة، والرئيسي فيها بتصوري هو قراءة المواقف الأمريكية، ومحاولة التقاطع معها، ومحاولة أخذ هامش تكيفي صغير في ذلك الإطار.. هناك تقدير وتخوف من أن يعود الاتفاق النووي إلى العمل، وتخوف من أن تعود الفعالية الإيرانية أكثر تأثيرا، وهناك تقدير وتخوف من معاهدات واتفاقات إيران مع الصين وروسيا، كل ذلك مع ملاحظة أن الوسائل والأهداف الأولى في الأزمة السورية لم تعط النتائج المرجوة، وبالرغم من أن هذا الفريق الخليجي والأردني لا يتخذ سياسات وخطوات بدون معرفة، وربما استمزاج، أو أخذ الإذن الأمريكي بصورة أو بأخرى، إلا أنه يضطر أحيانا إلى هامش خاص مبكر خوفا من آثار قاسية عليه.. الآن نلحظ مثلا احتمال إعادة العلاقات الدبلوماسية والسفارات بين إيران والسعودية ، وفي ذلك السياق من الحركة والأسباب، هناك من يعمل في تلك الدول على التنافس مع الدور الإيراني في سوريا، لكن في كل الأحوال لا توجد حاليا استراتيجية خليجية واحدة تجاه ذلك، والعامل الأمريكي يعمل على ضبط اندفاع البعض، بطرق عدة، وأيضا ضبط تناقضات ذلك الفريق بخصوص الموقف من السلطة السورية والدور الإيراني، مع ذلك تعمل المصالح المتفاوتة والتناقضات الثانوية على خلق هوامش حركة ذاتية لأطراف ذلك الفريق بالرغم من عمليات الضبط الأمريكي.

س- ذلك التقارب الذي رحبت به اسرائيل، هل فعلا غايته إبعاد إيران والمد الشيعي عن سورية؟ وهل من السهل إخراج إيران بعد هذا التغول في سورية؟

– ج- بالضبط: مقاربة الموقف الاسرائيلي وحقيقته ودوافعه..إلخ، هو الأمر المنهجي والفعلي في هذه القضية.. إسرائيل تعمل من أجل إضعاف الدور الإيراني في سورية، وتشويهه، وخلق فراغ فيه لمَلئه من قبل الأنظمة العربية المطبعة معها، بل خلق ونشر ديماغوجيا إعلامية عالية المستوى إزاءه، لتشجيع دول الخليج للتطبيع وملء الفراغ، وديماغوجيا خطورة التشييع، وتهييج التناقضات الطائفية، بينما هي تقوم بالتمهيد العسكري المتواصل واليقظ، لإضعاف أو منع تطوير القوة الإيرانية، وحزب الله بخاصة، وخلق تناقضات بين كل من روسيا وسوريا وإيران.. إسرائيل معنية حقا بتدمير الدور الإيراني، بالتغاضي عن سياسات دول الخليج وغيرها في التطبيع مع النظام السوري.-وفي كل الأحوال، إن تعبير “التغول ” هو تعبير، أو مصطلح غير دقيق ، هو مصطلح منحاز، لا يعبر عن حقيقة حالة التناقضات والاصطفافات في سورية.. بالنسبة لقراءتي الشخصية أرى الموقف الإيراني والنفوذ الإيراني ( كي لا أقول التغول) هو الأكثر سهولة في التخلص منه، عندما تصبح قضية إنهاء الاحتلالات والتدخلات الخارجية في وضعية أو إمكانية التنفيذ الفعلي في سورية، والأزمة في نهاياتها الحقيقية، وكذلك الروسي، فكلا الدولتين تدخلتا نظاميا حسب وثائق القانون الدولي، وتدخلتا من موقع الصداقة لكل من الدولة السورية والسلطة السورية، بعكس التدخلات الأخرى تماما، كما أن تركيا معروفة كالكيان الصهيوني أنها لا تخرج من مكان احتلته بل تبتلعه، ولا تتغول فحسب، وأعتقد أن العلم الأمريكي لوحده كاف، بدون جنود، ليكون رمز وأداة فعلٍ أكثر من تغولي، بل تدميري لكل قوة جيو-سياسية سورية، ولصالح اسرائيل، وبدون أي شك فإن موقفي هذا يقوم معرفيا ووطنيا وحداثيا على التمييز بين الاحتلالات والتدخلات بمعيارين، أولهما وثائق الأمم المتحدة، وثانيهما معيار العداوة للدولة بقيمتها كدولة، وإذا أضفت إلى كل هذا أن النظام السوري والإيرانيين، قد تدربوا مرارا على ازدواجية العلاقة والمصالح والتعايش بالتمفصل مع أهل الخليج، ويجب ألا ننسى أن النظام السوري ليس بوارد الاتفاق مع أي أحد على طرد الإيرانيين أو إضعاف نفوذهم خاصة وأن كل شيء يشير إلى أن الطرف الآخر في الصراع لا يزال يسعى إلى إعادة تجديد العنف، مع التشدد السياسي في المطالب، في حين أن النظام محتاج لحلفائه كلهم.

– س- اجتماعات ولقاءات بخصوص سورية، يقابلها ركود في الملف، وعدم وجود إرادة سياسية حازمة لحلحلة الأزمة..سيد فاتح، باستثناء تقاعس النظام ورفضه الحل، وتعطيله مختلف الخطوات، ألا ترى أن القوى الكبرى والمجتمع الدولي يتغذون من هذا الصراع المستمر، ولا يرغبون في حله، وأين الخلل برأيك؟

– ج- النظام لا يتقاعس فحسب، بل غير مهتم بأي قدر مفيد، ويستثمر الملف كما يفعل الطرف الآخر، يستثمره في الدفاع عن صفّه ونفسه في صراع لا تزال تفوح منه رائحة التشدد وكسر العظم، ولا تزال الأزمة في إطار استمرار التناقضات والصراعات والوسائل الأساسية والتحالفات نفسها عند طرفي الصراع، وتشير التناقضات على المستوى الأممي واحتمال الصراعات، إلى أنها تتزايد خطورة وتهديدا وعدم توافق، ومنها الساحة السورية، بل تتزايد ساحات الصراع حضورا من كازاخستان وأوزبكستان وأرمينيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، لتصبح الأزمات أكثر تعقيدا والحلول أكثر ابتعادا، والقصة ليست قصة تعايش طفيلي على الأزمة السورية أو غيرها، بل قصة خلافات وتناقضات وصراعات ومواقف اصطفافية جدية جدا.. هنا الخلل- والتعبير غير مناسب- لو كان خللا لكشفه الروس والأمريكان، إنه في الوقائع العنيدة للمصالح والتناقضات وما تفرزه من صراعات.

– س- أخيرا.. بعد أن فشل المجتمع الدولي في تنفيذ القرارات الأممية وإيجاد الحل، هل ترى بديلا آخر؟

– ج- أمام تلك اللوحة من التناقضات على المستوى الأممي والمحلي، وغياب أي توافق، ستكون النتائج التي نراها طبيعية ومؤسفة، والبديل هو في إمكانية قيام عمل وطني تشاركي سوري بين طرفي الصراع، خاصة بإمكانية حصول مراجعة نقدية شاملة وعميقة عند قوى المعارضة السلمية والديمقراطية في الخارج، ولتنفك فورا عن القوى المسلحة ذات الطابع الأصولي الفاشي، ولتطرح منظومة مختلفة تماما في قضية الأزمة السورية والملفات المتعلقة بها، وهذا احتمال صعب جدا إنما غير مستحيل، والاحتمال الثاني في إمكانية تطور قوة المعارضة الوطنية الداخلية وتأثيرها مع منظومة تفكيرها وتصوراتها للخروج من الأزمة.. في الحالين لن يستطيع بعض العالم الفعال إدارة الظهر بما في ذلك روسيا وإيران، ولن يستطيع النظام نفسه إدارة الظهر، والاحتمال الثاني هو بحد ذاته صعب حقا، وهكذا تكون أمامنا وللمدى المنظور على الأقل احتمالات تطور إضافية ذات طابع كارثي أيضا في الوطن السوري.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد