المعتقل السياسي السابق راشد صطوف: لحظة مجد بعد تحرير الرقة من سطوة أجهزة النظام الأمنية التي حولت الأهالي إلى “عبيد”.. وستنتصر ثورتنا مهما كلّفنا ذلك

تميّز الحراك الثوري في مدينة الرقة عن سواه في بقية المحافظات السورية، كدرعا وحمص وغيرهما، ويرى مراقبون أن تحرير مدينة الرقة من سطوة النظام وسيطرة سلطاته وأجهزته، غيّر شكل الأمور في هذه المدينة، حيث بدأت المنظمات المدنية تتشكّل، وأصبحت تنظّم المظاهرات، وتتفعل أولى علائم الحرية، أنها الرقة التي طرد أهلها النظام… ورفضت إن تكون بؤرة الحاكم وحلفائه..

ويستحضر المعارض السوري والمعتقل السياسي السابق راشد صطوف في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو من أبناء الرقة ذكرى تحرير المدينة، حيث أكد أن معركة السيطرة لم تستغرق بضع ساعات بخسائر محدودة جدا من الطرفين، وفق قوله، مشددا على أنّه على أمل كبير من انتصار الثورة في كل شبر من سورية.

س-تمرّ اليوم 8 سنوات على سيطرة الفصائل على مدينة الرقّة، باعتبارك ابن الرقة، نودّ أن تحدثنا عن ما آلت إليه المدينة في ظلّ تلك السيطرة ؟ وكيف تبدو الآن الآن الرقة بعد كل هذه السنوات؟

ج-لقد وقعت المدينة بعد طرد النظام تحت سيطرة مجموعة كبيرة من التشكيلات المسلحة من أبرزها لواء ثوار الرقة، وجبهة النصرة ( التي بايعت البغدادي بعد عدة أشهر لكنها عادت وانشقت عن التنظيم لاحقا ) ، حركة أحرار الشام ( والتي يُطلق عليها اهل مدينة الرقة تسمية “أشرار الشام” بسبب ممارساتهم السيئة ودورهم القذر في تمكين داعش من السيطرة على المدينة) وكتائب الفاروق ..

-وقد أصبحت الرقة تحت السيطرة المطلقة لداعش بتاريخ 14/01/2014، بعد هزيمة لواء ثوار الرقة في معركة السيطرة على المدينة والتي كان اللواء على وشك القضاء التام على التنظيم بعد محاصرته في مبنى المحافظة والسيطرة الكاملة على بقية أنحاء المدينة ، لولا خيانة حركة أحرار الشام وانسحابها بشكل مفاجيء من طرف واحد من المعركة ( وقد تبين فيما بعد أن انسحابهم كان بأوامر من الحكومة التركية ).

-عموما يمكن القول أن تلك الذكرى تستدعي مزيجا من المشاعر المريرة والرائعة معاً، فقد عاش أبناء المدينة، وكنت من بينهم، لحظات لا توصف من الشعور بالمجد مع طرد النظام من المدينة والتحرر من سطوة أجهزته الأمنية التي حولت البشر على مدى عقود إلى مجرد عبيد يسيطر عليهم الرعب والشك، لقد كان الحماس والشعور الجميل بالحرية هو المسيطر على عموم شباب الانتفاضة في الرقة، فتأسست العديد من المنظمات المدنية الشبابية والنسائية التي حاولت بحماس وإخلاص شديدين ملأ الفراغ الذي خلفه غياب مؤسسات السلطة، كما حاولت قدر استطاعتها حماية الأملاك العامة والخاصة وتنظيم شؤون الحياة العامة، إنما للأسف الشديد، لم يدم هذا الشعور الرائع طويلاً، وبدأ الحلم الجميل بأن تكون الرقة مثالا إيجابيا لعموم السوريين ينكسر شيئا فشيئا إلى أن تحول إلى كابوس مرعب وفظيع بعد سيطرة تنظيم الدولة بشكل كامل على المدينة، ومن المهم من وجهة نظري الحديث ولو بشكل مختصر بهذه المناسبة عن الأسباب التي حولت هذا الحدث من لحظة انتصار على الاستبداد إلى لحظة انكسار للثورة السورية، واستدارة حادة نحو الهاوية ودمار الحلم.

-ولا بد أن أشير في هذا السياق إلى واقعة مهمة وهي أن أغلب الناشطين من أبناء الثورة كانوا معارضين لفكرة دخول الفصائل المسلحة إلى المدينة، وكانوا مع بقاء هذه الفصائل خارج المدينة وتقليم أضافر الأجهزة الأمنية مع بقائها تحت السيطرة الإدارية للنظام، لكن الفصائل المسلحة الفاعلة وحلفائها الإقليميين كان لهم مخططات أخرى على ما توضح لاحقاً ورفضوا قبول هذا التوجه لدى أبناء المدينة، كما أن النظام، هو الآخر، لم يدافع كما ينبغي عنها، ولم تستغرق معركة السيطرة على المدينة سوى بضع ساعات بخسائر محدودة جدا من الطرفين.

ويبدو أن الجميع كان له مصلحة بتحويل المدينة إلى نموذج ووصفة مثالية للخراب. فمن جهة لم يحرك الائتلاف ساكنا لاستغلال هذه الفرصة والعمل على تحويل الرقة إلى مثال إيجابي للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام، ليتبين لاحقاً أن قرار الائتلاف هذا كان بتوجيه من المحور القطري التركي ، وبدل حماية الحراك والقوى المدنية ودعمها بدأ طوفان الإرهابيين يصل الى الرقة من كل أنحاء الأرض عبر الحدود التركية ( إلى درجة أننا لم نعد نعرف الناس بشوارع مدينتا).

-من جهة أخرى كان من مصلحة النظام تحويل الرقة إلى تورا بورا سورية منفّرة لبقية السوريين، وللعالم ايضاً .. بحيث يبدو وكأن البديل الواقعي الوحيد للنظام هو القوى الإسلامية المتطرفة، فبادر بإطلاق سراح الكوادر الإسلامية من السجون، في ذات الوقت الذي كان يقوم فيه بتصفية الناشطين المدنيين السلميين بلا رحمة. لقد كان يعرف بحكم خبرته الاستخبارية الطويلة طبيعة البضاعة الإسلامية التي يمتلكها بسجونه ، ويعرف جيداً المسار الذي سيمضي فيه هؤلاء.

وهكذا تحول تحرير الرقة من قبضة النظام، من لحظة إيجابية في مسار ثورة الحرية والكرامة، إلى كابوس مدمر ليس لأبناء الثورة فحسب بل لعموم السوريين. وبات الجميع يعرف الآن حجم الكارثة ومقدار الخراب الاجتماعي والإنساني المعمم الذي خلفته سنوات سيطرة داعش على المدينة، وحجم الدمار الذي طال أكثر من 80% من المدينة أثناء معركة طرد التنظيم منها، هذا عداك عن آلاف المدنيين من ضحايا داعش وضحايا القصف الذي خرج عن كل قواعد الاشتباك المتعارف عليها دولياً.

ومع ذلك فإن إرادة الحياة هي التي تنتصر دوما بمجرد أن تكون هنالك فرصة لذلك. فقد استطاع أبناء المدينة إعادة ترميم حياتهم مما دون الصفر، رغم الظروف القاسية التي يعيشونها مثلهم مثل اغلبية السوريين، ورغم محدودية إن لم أقل انعدام الدعم الذي كان يفترض أن يُقدم لهم.

 

س- تتوارد التقارير والوقائع التي تفيد بعودة داعش إلى بعض المناطق السورية بعد الحديث الطويل عن إنهاء سطوة هذا التنظيم، ماهي حقيقة الصورة حاليا حول عودة هذا التنظيم ؟ وهل توجد أطراف خارجية لتوظيف هذا التنظيم لخدمة أغراضها؟

ج-للأسف الشديد هذه حقيقة .. فبعد أن بدى وكأن التنظيم انتهى تماماً مع معركة الباغوز، ولم يتبق منه سوى بضع مجموعات متفرقة تائهة ومطاردة في البادية السورية والعراقية.. شهد العام /2020/ عودة ملحوظة لأنشطة التنظيم ،وقد نفذعمليات هجومية نوعية بعضها ضد المدنيين العزل وبعضها ضد خصومة الآخرين، ليفرض نفسه مرة أخرى كطرف مؤثر على استقرار المنطقة وأمنها ، وعلى السياسات الإقليمية والدولية.

-وأعتقد أنه ثمة عاملين مهمين ساهما في استعادة التنظيم لبعض من قوته وحضوره في الآونة الأخيرة، أولهما استمرار الصراع وإنسداد أفق الحل السياسي في الساحة السورية ، وعدم الاستقرار السياسي في المنطقة عموما ، والذي يترافق مع أوضاع اقتصادية صعبة ، إضافة الى الانتهاكات المستمرة من قبل جميع الأطراف ضد المدنيين والتي تشكل مادة مهمة للبروباغندا الدعائية الداعشية وقدرتها على الاستقطاب ، وإعادة بث الروح في التنظيم المتهالك، وثانيهما هو مصلحة بعض الأطراف الإقليمية والدولية باستمرار ببث الحياة في التنظيم ، من أجل توظيف هذه الورقة الفزاعة ( موضوعياً على الأقل) بخدمة اجنداتها الخاصة، وأعتقد أن الجميع يعرف ما هو مصدر، وأين توجد أجهزة انعاش داعش، إنما يبدو أن لا أحد له مصلحة، الآن على الأقل، بقطع هذه الحبال السرية للأسف.

س- بعد أيام تحتفي سورية بالذكرى العاشرة للثورة، ماتقييمك للأوضاع اليوم خاصة مع انسداد أفق الحل والتسوية السياسية وتعنت كل الأطراف ؟

ج- تبدو اللوحة قاتمة جداً مع حلول السنة العاشرة لبداية انتفاضة السوريين ضد العصابة الاسدية، فالبلد محتل بكل معنى الكلمة من قبل العديد من الدول التي لا تعنيها مصلحة السوريين ومستقبلهم لا من قريب ولا من بعيد، وهياكل المعارضة السياسية ليس لديها أي مشروع أو هم وطني، وهي مرتهنة بشكل كامل وصريح وصفيق للقرار والمصالح التركية. والفصائل العسكرية هي مجرد عصابات ومجموعات من المرتزقة المتحللة من أية قيمة وطنية أو أخلاقية، ومعاناة الناس بكامل المناطق السورية وصلت الى حدود كارثية ، ومع ذلك لا زالت القوى الدولية عاجزة عن إنهاء هذه الصراع ووضع الحل السياسي على مساره الصحيح ( وقد يكون من الاصوب القول أنها ليست عاجزة ،بل لا تريد الحل – الان على الأقل -).

-مأساة السوريين أن مصيرهم لم يعد بيدهم بعد أن دمرت العصابة الاسدية البلد واخضعته بالكامل لمصالحها الضيقة ومصالح الدول الأجنبية، وكذلك الأمر في مقلب ما يسمى المعارضة ، وما على السوريين، للأسف الشديد، سوى انتظار اتفاق القوى الإقليمية والدولية المتداخلة في الوضع السوري على رسم خارطة مصالحها وبالتالي إيقاف هذا الانحدار الكارثي للبلد ولأوضاع الناس.

س- باعتبارك عانيت طويلا من الاعتقال السياسي: يبقى ملف المعتقلين والمغيبين من أبرز الملفات التي يعاني منها الشعب السوري، لماذا هذا التقاعس المحلي والدولي عن معالجة هذا الملف؟

ج-معك حق .. ملف المعتقلين هو ملف إنساني بامتياز، وهو مؤشر فاضح ومخزِ على مدى تخاذل المجتمع الدولي ومؤسساته اتجاه المأساة السورية ، وملف المعتقلين بوجه خاص ، الى درجة ان الكثير من السوريين لم يعد يؤمن ولا يصدق تشدقات القوى الدولية حول مواثيق حقوق الإنسان والعدالة. فالجريمة التي ترتكب بسوريا ضد المعتقلين ، وفضيحة الفجيعة الإنسانية المسماة ” موت تحت التعذيب ” باتت أمام أنف وأعين العالم كله بأدق تفاصيلها.

-إنه عار سيدمغ جباه كل الزعماء الفاعلين في هذه الحقبة من التاريخ.

س-هي انتفاضة شعبية مسالمة تمت عسكرتها لكن مصير التاريخ إنصافها تتفق مع هذا الرأي سيّد راشد؟

ج-الانتفاضة السورية، وجميع انتفاضات الربيع العربي تمت على مرأى من العالم بأسره، وقد شاهد وشهد الجميع على سلمية الانتفاضة منذ لحظات الانفجار الاولى، ويكفي أن نعرف بأن ضحايا الموت تحت التعذيب في سجون العصابة الاسدية كانوا جميعاً تقريبا من الناشطين المدنيين كي نعلم مما كان يخاف الطاغية وما هي طبيعة ثورة السوريون.

-من وجهة نظري الثورة انتهت كقوة على الأرض منذ اللحظة التي انتهت فيها التظاهرات السلمية وسيطر فيها المسلحين على ساحات التظاهر السلمي واحتلوها.

-ولا شك أن التاريخ سينصف السوريين وثورتهم العظيمة رغم أن الثمن كان ومازال باهضاً جداً .. لكن استمرار الصمت على الطاغية، واستمرار عبودية السوريين لعصابة ” الى الابد ” هي أسوأ بما لا يقاس من هذه الضريبة المرعبة التي يدفعها الشعب السوري بكل مكان.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد