المرصد السوري لحقوق الانسان

المفكر السياسي منير الخطيب: أزمتنا في سورية أزمة فكر وتفكير وانفجار سورية السلمي كان هدفه الحرية.. وشعار الحرية تم تطفيشه بين مطرقة السلطة وسندان قاع المجتمع

يرى محللون أن التحديات والفرص للمضي قدماً في تحقيق التسوية السورية للصراع المستمرّ عرقلته اختلافات في وجهات النظر من ضمنها غياب مشروع وطني سلمي يجمع مختلف الأطراف المتحاربة ويضع حدا للمأساة الإجتماعية المتواصلة.
ويرى المفكر السياسي السوري منير الخطيب في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن أزمة سورية وغيرها هي أزمة فكر وتفكير، لافتا إلى” انحدار” أهداف الانفجار السلمي السوري بفعل تدخلات أطراف دخيلة عن الثورة.

س- دفع الشعب السوري ثمنا باهظا من أجل الحرية، هل تحصل عليها؟

ج- نعم.. دفع الشعب السوري ثمنا باهظا للحرية ولم يحصل عليها لأسباب كثيرة، فما حصل في آذار عام 2011 هو انفجار تاريخي كبير وقد برز في هذا الانفجار خطّان رئيسيان، الأول هو الذي وسم الحراك السلمي الديمقراطي الذي حمله الشباب والفئات الوسطى والذي كان يتمحور حول شعارات الدولة الوطنية ووحدة الشعب السوري والحرية.. إذن هذا الخط السلمي الديمقراطي كان يعبّر عن إرادة الحرية، بينما في هذا الانفجار تقدم خط أخر بكل ما يحمل من تأخر تاريخي ومن إيديولوجيات سلفية ودينية متشددة، هذا الخط كان يحمل إرادة السلطة وليس إرادة الحرية، وأعتقد أن الخط السلمي الديمقراطي الذي كان يحمل شعار الحرية تم تطفيشه وسحقه بين مطرقة السلطة وسندان قاع المجتمع الذي أفرز هذه الفصائل الإسلامية العسكرية التي لا تؤمن لا بالدولة المدنية والوطنية ولا بالحرية ولا بفكرة الشعب والأمة العلمانية.. إذن كنا أمام منظومة السلطة ومنظومة قاع المجتمع التقليدي التي عبرت عنها الإيديولوجيات السلفية والتنظيمات العسكرية جميعها، وهنا لا أميز بين إسلام سياسي معتدل وإسلام سياسي متطرف،..الإسلام السياسي واحد، كل الفصائل المتطرفة نمت على هامش “الإخوان المسلمين” أو مايعرف بالإسلام السياسي المعتدل، لذلك هذه الفصائل التي كانت تصنف على أنها معارضة كانت تحمل إرادة السلطة وهي ضد إرادة الحرية.
المسألة الثانية هي إغراق الحراك السلمي الديمقراطي بمستنقع الهويات.. وبالتالي كانت الوصفة الأمثل لإغراق الحرية هي بعث مستنقع الهوية من التاريخ العربي الإسلامي الاستبدادي والاشتغال على نظام الهويات التي كانت جاهزة سلفا نتيجة وجود التأخر التاريخي، إضافة إلى الصحوة الإسلامية في المنطقة العربية والتي تتضمن ثلاث تشكيلات أساسية: أولا التخمينية وتفرعاتها، والظاهرة الجهادية والقاعدة وتفرعاتها، وثالثا “الإخوان المسلمين”، بمعنى أخر تشمل الإسلام السياسي الشيعي والسني معا، فلا فرق بين الإسلام السياسي المعتدل والمتطرف، هو واحد ضد منطق الدولة والأمة وضد منطق الشعب لأنه يحمل مصفوفة تختلف عن الدولة، ويحمل مصفوفة الملّي والشرع والعامة والخاصة ودولة الخلافة وولاية الفقيه، وهذه المصفوفة تنتمي إلى ما قبل عالم الحداثة.

مبدأ تسييس الدين يذهب باتجاه معاداة منطق الحداثة بما تشتمل عليه من جرعة مهمة أهمها الشعب والدولة والأمة، مفهوم الأمة العلماني وليس مفهوم الملّة الديني.. ومفهوم الدولة الحديثة وليس مفهوم الخلافة الذي يقوم على فكرة الخلافة والدين.. هذا الانفجار حدث والمنطقة العربية تعيش تحت تأثير “الصحوة الإسلامية” التي مارست عدوانا صريحا على أنسجة مجتمعاتنا وخاصة المشرقية منها التي تعرّضت لعدوان الصحوة السنية والشيعية مع نقص الاندماج الوطني ونقص الإندماج المجتمعي الذي كان سائدا قبل هذه “الصحوة” التي زادت من تعميقه، وزادت من منسوب التشظي والانقسام المجتمعي، وبالتالي فإن من سوء حظ السوريين أن الإنفجار جاء ضمن الأثار التي تركتها “الصحوة” على المشرق العربي، إضافة إلى وجود عالم مابعد الحداثة وهو عالم لا يكترث إلى الفوضى وتحكمه العشوائية والعنف بالمعنى الطائفي والمذهبي .. وما حدث بعد الانقلاب القومي العربي هو إثارة صدمة الحداثة التي أسست جنين الدولة الوطنية ودولة الحداثة والمجتمع المدني وتم اجتثاثها بفعل عودة التاريخ العربي المملوكي ما قبل صدمة الحداثة.. لهذه لأسباب مجتمعة تم انتصار منطق السلطة ومنطق العسكرة والفصائل المتقاتلة وغاب منطق التوحّد والشعب والدولة فانتصرت إرادة السلطات على إرادة الحرية واستطاعت الهوية أن تحظر الحرية.

س- كيف تقرأ الحضور الضعيف للمثقّفين السوريين في الثورة؟

ج- ضعف دور المثقف في هذه التغييرات التاريخية الكبرى، فعلا ضعف كبير، أنا أعزو هذا الضعف الواضح إلى مجموعة من الأسباب، أوّلها تراجع دور الطليعة أو دور النخبة، فمن المعروف أن الثورات الاشتراكية التي حدثت بعد الثورة الروسية عام 1917 ركزت كثيرا على مفهوم الطليعة، وفي الخمسينات ركز الإنقلاب القومي العربي على مفهوم النخبة أو مفهوم الطليعة.
مفهوم النخبة يستدعي مفهوما آخر هو مفهوم الجماهير، يعني أن الجماهير بمفردها بمعزل عن النخبة لا يمكن أن تصل إلى درجة الوعي السياسي.. النظرية الماركسية اللينينية تقول إنّ الجماهير لا يمكن أن تصل إلى الوعي النقابي الذي يمثل سقف ما يمكن أن تصل إليه الجماهير من وعي، لذلك وظيفة النخبة تحقن الجماهير بالوعي و الأيديولوجيا الثورية وتضيء أمامها الطريق للوصول إلى أهدافها النبيلة، إذ كانت فكرة الطليعة فكرة مسلطنة في ذلك الوقت، وقد تراجعت هذه الفكرة في ظل ثورة المعلومات والإتصالات لأن اتساع الفضاء الإفتراضي جعل الجميع متساوين في طرح الأفكار والتواصل والتعبير عن الآراء، إضافة إلى أن مفهوم النخبة لم يعد مفهوما إيديولوجيا فقط كما كان في العقود الماضية منذ ثورة البلاشفة.. العالم المعاصر شكل نخبا جديدة هي نخب إدارية، نخب علمية ونخب في الهاي تاك Hight technology.. هذه النخب أصبحت هي المهيمنة في عالمنا المعاصر، ليست النخب التي تدرس بالكتب والمتفرغة للتنظير فقط.
إذن، مفهوم الطليعة أصيب بنكسة أمام هذه الثورة المعلوماتية المذهلة التي أقصت مفهوم الطليعة الكلاسيكي إلى الهوامش.

المثقفون كانوا مرتبطين بهذا المفهوم، لم يستوعبوا هذا التغير الحاصل، لذلك ثورات الربيع العربي قادتها مجموعة من الفاعلين الاجتماعيين وهؤلاء هم الذين شكلوا متن السلم الديمقراطي، وهم الذين كانوا ضد المنظومات المغلقة سواء أكانت عند السلطة أو عند الأحزاب المعارضة.
أما العامل الثاني فهو ارتباط المثقفين بالسياسة المباشرة لا بالأيديولوجيا، يعني كل المثقفين بالسياسة المباشرة أو بالإيديولوجيا، يعني كل المثقفين من خمسينات القرن الماضي ارتبطوا بمنظومات إيديولوجية مغلقة وارتبطوا بسياسات مباشرة، لذلك تمت قولبتهم وفق هذه الإيديولوجيا، يعني صارت الإيديولوجيا تفكر من خلال المثقفين، وبالتالي فكرة استقلالية المثقف لم تعد واردة.
كل المثقفين الإيديولوجيين كانوا يفكرون داخل الصندوق، داخل القضايا المطروحة، لذلك كل إجابات على أسئلة الواقع كانت محكومة بالطابع الإيديولوجي والسياسي الضيق الذي كان محتلا كل حيزات تفكيرهم، فالتكنولوجيا الحديثة وثورة المعلومات تنحت أذهان الأجيال الحديثة على قضايا anti idéologique، يعني ضد إيديولوجية، وبالتالي لم تعد القضايا الإيديولوجية مهمة بالنسبة للأجيال الحديثة بقدر ما كانت مهمة إلى قضايا الحياة.

أما العامل الثالث برأيي فهو سقوط القضايا الكبرى، يعني المثقفون الإيديولوجيون كانوا يحملون شعارات كبرى : الوحدة العربية، تحرير فلسطين ، إقامة الدولة الإشتراكية الواحدة، إسقاط الإمبريالية، إسقاط الصهيونية، أما الأن فتغيرت مشاغل الأجيال الجديدة إلى مشاغل قضايا الحياة ، القضايا الكبرى لا تشغلها كثيرا.

لقد ساهمت الإيديولوجية الضيقة في تراجع المثقفين عن دورهم في هذا الإنفجار التاريخي الكبير.
يمكن أن نذكر عاملا رابعا هو التحولات العالمية، يعني نحن عادة بالمنطقة العربية نفكر بقضايا يكون الغرب قد تجاوزها وقد تجاوزها من 50 سنة أو 60 سنة على الأقل.
لما بدأ الغرب ينقد الدولة الأمة في الغرب برغم أننا نحن لم نحقق الدولة الأمة بعد، لم يستطيع المثقفون العرب التقاط هذا النقد المهم عند الأوروبيين للدولة الأمة برغم حاجتنا نحن الأن إلى الدولة الأمة أو الدولة الوطنية التي هي ممر إجباري للكونية والمعاصرة، وبالتالي اهتم المثقفون العرب بقضايا محلية الطابع ، يعني مثلا مثل محمد عابد الجابري كتب “نقد العقل العربي” – وهو يتناول قضية إنسانية ، قضية كونية – انتقد العقل العربي وكأنه متميز عن العقل الإنساني ، أي أن له خاصية. مفكر كبير مثل محمد أركون كتب”نقد العقل الإسلامي” كأن العقل الإسلامي أيضا متميز عن العقل العربي ، بينما مفكر كبير أو فيلسوف كبير مثل كانط كتب”نقد العقل المحض” ، لم يكتب كانط نقد العقل المسيحي أو نقد العقل الألماني أو نقد العقل البروتستانتي، كتب نقد العقل المحض، هذا العقل المحض يهم كل البشرية.
-إذن، الذي أريد قوله باختصار هو أن المثقف لا يكون مثقفا بدون أن يهتم بقضايا الإنسان وبمسار الإنسان.

س- يقول كثيرون إن الشعب السوري قد ثار، ليس فقط على نظام حكم بصورته السياسية والأمنية، بل على كل تعبيراته في الفن والآداب والعلوم والحياة..هل تتفق مع هذا الرأي؟

ج- أعتقد أن بين الثائرين على الاستبداد يجب التمييز بشكل حاسم مجددا بين خطين، الخط السلمي الديمقراطي الذي يحمل مشروع الحرية، وهذا ينطبق عليه من يثور ضد النظام بكل تعبيراته وتشكيلاته في الفن والأدب والثقافة، أما بالنسبة للذين ثاروا ضد السلطة وهم يحملون إرادة سلطة معارضة ونقيضة فهؤلاء لاتهمهم الحرية، هؤلاء لا يختلفون مع النظام إلا في وجوده في السلطة فقط.. هذا التمييز ضروري وحاسم، من يحمل ثقافة تسلطية لا يمكن أن ينتج في الأدب والفن وفي كل حيزات الإجتماع الأخرى والإقتصاد إلا ما أنتجه النظام خلال العقود الماضية.. الثورة ضد الاستبداد ليست ضد نظام وشخص حاكم برأيي، هي ثورة ضد البنية التسلطية، ضد نمط التسلط السياسي الذي يرتكز إلى تأخر تاريخي وتكسير مجتمعي، فقاع المجتمع السوري كان يحمل هذه الإيديولوجيات ذات الطابع المحلي والأهلي التي تُرشّح من يحملون هذا الخط إلى أن يكونوا ضمن بوتقة البنية والثقافة التسلطية، فالأساس برأيي هو معارضة الثقافة التسلطية بكل تشعباتها وتفرعاتها.. من يريد أن يستبدل إرادة خاصة بإرادة خاصة أخرى دون أن يستطيع إنشاء “إرادة عمومية” لن ينتج شيئا إطلاقا، فالمطلوب هو تغيير البنى المجتمعية وثقافتها ورؤيتها للكون والعالم وليس فقط تغيير السطح السياسي.. إذن كان هناك خطان : الخط الذي يحمل مشروع الحرية والخط القادم من القاع المجتمعي الحامل لرسالة الاستبداد وهو يحمل إرادة سلطة معارضة تسعى إلى إنشاء ثقافة استبدادية أخرى تمظهرت في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام،على غرار منطقة إدلب ومختلف الإدارات التي أقيمت في تلك المناطق، وهي إدارات مستبدة ومتخلفة ومارست كل أشكال الإستبداد والقهر وتفتقر لكل المعايير الحديثة ومعايير الإنسانية المتقدمة، ولايمكن لتلك التشكيلات أن تختلف مع ماهو سائد من ثقافة تتسم بطابع مملوكي عثماني نتيجة الإنقلاب على المرحلة الليبرالية في سورية.

س- أُسست إدارات اعتبرت بديلًا مؤسساتيًا عن حكومة النظام السوري، ضمن مناطق نفوذ جغرافية.. ما مدى وجود تغيير أو تطوير في عمل هذه الإدارات من خلال إدارتها لمناطق نفوذها؟

ج-هناك إدارات أقيمت في مناطق خرجت عن سيطرة النظام كالمنطقة التي تديرها القوات المسلحة الكردية أو منطقة محافظة إدلب أو منطقة درعا والفرات وقبل ذلك كانت هناك سيطرة لفصائل عسكرية في الغوطة الشرقية.. ما يمّيز هذه الإدارات أنها أديرت بإرادات خاصة سواء حكومة مؤقتة أو فصائل عسكرية، كلها إرادات خاصة لا تمثل عنصر العمومية.. هي إرادات “مادون وطنية” لا تستطيع أن تكون طرفا عاما يمثل الشعب السوري والحل الوطني السوري، فكلها لم تكن بديلا عن الإستبداد بل كانت شكلا آخر من الاستبداد والتعفن والمليشاوية واتسمت بالفشل الإداري والسياسي والاقتصادي والإنساني.. هذه التشكيلات التي أدارت مناطق محلية ومحدّدة كانت أداة للخارج وهي مركوبة من تركيا وأمريكا وحزب العمل الكردستاني وأخرى في الغوطة الشرقية كانت تدعهما السعودية وقطر، وبالتالي كانت كل الإدارات جسورا لاختراق الخارج، وأدت إلى مزيد من التشظي والتناثر والانقسام السوري.. هذه الإدارات تتلاقى بفقدانها لمشروع وطني سوري يمكن أن يكون مكتّلا للسوريين.. والإسلام السياسي الذي ميّز معظم هذه الفصائل هو إسلام لا يعترف بالوطنية والدولة الوطنية، وهذا العبور في الإيديولوجيا للحدود مرتبط بـ انقسام داخل الحدود.
ما يميز كل هذه التجارب هو الفشل التاريخي والعودة بتلك المناطق إلى ما قبل صدمة الحداثة وعودة كل هذه المناطق إلى التاريخ المملوكي العثماني والفشل الإقتصادي، ولذلك أصبحت هذه الفصائلية عقبة بوجه أي مشروع وطني قادم أو أي حل سياسي، فلا القوات الكردية ولا القوى الإسلامية من مصلحتها تحقيق التسوية لأن وجودها وهيمنتها مرتبط ببنى الحرب وعوامل الحرب وباستمرار الانقسام والتشظي، وكل ما يميز هذه التجارب هي الجزئية، وكونها إرادات خاصة غير عمومية ومحكومة بالفشل التاريخي.

س-كثيرون يعتبرون أن بعض المعارضة صار “جسمًا فارغا “لا يقدم أي إضافة للملف السوري بل أصبح عبءً يعطّل الحلول السياسية والتسوية.. ما تقييمكم لأدائها طيلة عشر سنوات وهل أدت الغرض المرجو كجسم معارض؟

ج- مفهُومَا السلطة والمعارضة ينتميان إلى دائرة الدولة الحديثة التي لها سلطة، كل دولة لها سلطة لكن هناك سلطات بدون دول مثل السلطات في بلادنا.
-الدولة الحديثة تقتضي سلطتها حكمًا، وجود معارضة، ثم المعارضة تنقلب إلى سلطة والسلطة إلى معارضة.. في مجتمع متأخر،لا يوجد هذا التبادل في إطار دولة وطنية.. لذلك يمكن القول إنّ المعارضة هي حالة نمو متصاعدة في المجتمع.. نشأت المعارضات السورية والتشكيلات بدءً من المجلس الوطني مرورا بـ الائتلاف وهيئة التنسيق والمنصات( القاهرة والرياض وموسكو)
-السوريون قدموا أنفسهم لا كمعارضة ديمقراطية وطنية موحدة على برنامج عمومي، بل قدموا أنفسهم على أنهم منصات وفصائل وميليشيات، لذلك لم يعبأ العالم بالكارثة السورية لأن المعارضات التي تشكلت بهذه الطريقة لم تنزع إلى توحيد السوريين وطرح رؤية عمومية تقوم على إرادة عمومية بل كل المعارضات كانت قائمة على إرادات فردية خاصة، سواء أكانت عسكرية داخلية أو إرادات خارجية.
-أعتقد أن هذه المعارضات لم تؤدِّ أي دور سياسي له طبيعة مجتمعية بل خدمت برامج خاصة لمشاريع إقليمية، لذلك أنا من اللذين يعتقدون أن كل مشروع سياسي له طبيعة تاريخية ينزع إلى أن يلتقي مع العالم ومع الكونية، لأن الوطنية والكونية هما وجهان لعملة واحدة.
الإيديولوجيات التي غرقت في سياقها هذه التشكيلات والفصائل المحلية التي تعبر عن إرادات خاصة، أصبحت عقبة أمام المشروع السوري الوطني الذي له طبيعة عمومية، لذلك أي مشروع وطني سيذهب إلى معارضة هذه التشكيلات.

س-هل أصبح العرب يعانون أزمة فكر وإبداع أوصلتهم إلى هذا الوضع المتردي؟

ج- سؤال مهم يتمحور حول سيرورة الانحدار والانحطاط العربي الراهن، والمستمرة منذ عقود، واقعة الإنهيار واضحة للعيان وهي نتيجة الإنقلاب على ما تحقق على المرحلتين الليبرالية والإستقلالية.. في هاتين المرحلتين كان يتبلور في أغلب البلدان العربية جنين لدولة وطنية وجنين لمجتمع مدني ووضعت هذه المجتمعات على سكة التشكل والتقدم الثقافي والسياسي والإقتصادي، جاء الإنقلاب القومي العربي في أكثر البلدان العربية ضمن سياق الحرب الباردة وصعود الاتحاد السوفيتي وتراجع الاستعمار الكلاسيكي الإنجليزي – الفرنسي، جاء ضمن سياق انتصار الإتحاد السوفياتي وبروز الثنائية القطبية وبالتالي هذا الإنقلاب كان انقلابا على اللحظة الليبرالية، لحظة التشكل والتكون والنمو التي اندرجت فيها معظم البلدان العربية..هذه الإشتراكيات التي قامت على أرضيات متأخرة اجتماعيا وثقافيا أنتجت نظم كما يسميها الراحل ياسين الحافظ”تأخركيات” يعني أنظمة متأخرة قمعت الإنتاج بشقيها المادي والروحي، ليجهض الإنتاج بالمعنى الرمزي والثقافي والأدبي وإنتاج العلاقات والمعرفة والأخلاق، لتصبح مجتمعات بلا معنى، تحكمها ثنائية دولة سلطانية محدثة ومجتمع جماهيري سحب منه كل إمكانات الأبعاد الإنسانية والوطنية الممكنة.. هذا الإنقلاب القومي أدى إلى اجتثاث آثار اللحظة الليبرالية التي كانت تزرع براعم على أرضية تقليدية وتسعى جاهدة لإنشاء مسار مختلف مغاير للتراث المملوكي العثماني.
يمكن أيضا أن نتحدث عن”الصحوة الإسلامية” التي تمثلت في صعود الخمينية و”الإخوان المسلمين” والفصائل الجهادية والقاعدية والتي تحمل كل التأخر والإستبداد المتراكم في جوف التاريخ وهي تحمل عناصر الحروب الأهلية.. لذلك هذه “الصحوة” أكملت ما بدأ فيه القوميون العرب من تصفية آثار للحداثة التي نشأت بتأثير التوسع الرأسمالي العالمي، وأدخلت مجتمعاتنا في صراع مذهبي سني شيعي وفي حالة صراعات إثنية.
-ساهم الإسلام السياسي في حالة التشظي وخلف أزمة فكر وإبداع.. لذلك منذ خمسينات القرن الماضي ونحن نعيش حالة حروب متكاملة داخلية وخارجية ولم نعد نفرق بين الحرب مع إسرائيل والصراع السني- الشيعي.. كلها صراعات تداخلت مع بعضها البعض.
تعيش المنطقة صراعات منعت السياسي كعمل مدني سلمي له طبيعة توحيدية وله طبيعة تتعارض مع مقول “كلوزيفتشي” التي يتغنى فيها السياسيون والمحللون الإستراتيجيون العرب بأن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى، هذه المقولة هي مقولة هجينة، فالحرب ليست امتدادا للسياسة بل هي امتداد للتوحش والهمجية بينما السياسة معادية للحرب وظيفتها نفي الحرب من المجتمع لتحقيق التقدم، فليس هناك حروب عادلة وأخرى ظالمة، كل الحروب متوحشة.. تبدأ السياسة حين تنتهي الحروب.

 

س- كيف يستقيم بناء أوطان وأجيال في وقت تحظى فيه الشؤون الثقافية في الوطن العربي بأقل ميزانية لا تكاد تذكر؟

ج-يجب التمييز بشكل حاسم ما بين الفكر والإيديولوجيا وما بين الثقافة والإعلام.. بكل أسف انتشرت في بلادنا خلال العقود الماضية في أوساط النخب المثقّفة الإيديولوجيا وانحط الفكر إلى منسوب الإيديولوجيا، وطغى الإعلام على الثقافة، وهذا المسار الإنحداري استند بالأساس إلى مسلّمة في التراث العربي الإسلامي وهي محاربة البدعة، والأخيرة مشتقة من الإبداع أي التفكير خارج الصندوق والحدود التي وضعها الأموات للأحياء.. مشكلتنا أن الأموات يمسكون بتلابيب الأحياء وأن الأحياء يفكرون ضمن تلك الحدود التي وضعها الأموات، بالتالي أي إبداع هو مسألة ممجوجة، إذن نرى أن الإيديولوجيات السائدة التي لا تنتمي إلى مفهوم الثقافة والفكر المبدع والحر تجر ذاتها بقضايا فرضت على التفكير من خارج حدود الذات المفكرة.
تكمن هنا مشكلة الثقافة باغترابها عن قضايا الحياة بفكرة الاستلاب التي يفرضها الأموات على الأحياء، فلا يمكن وقف هذه السيرورة الإنحدارية دون إعادة النظر في مفهوم الحرية والفكر الحر الذي دافع عن ماهية الإنسان وقضاياه المعاصرة، فكسر هذه الحدود التي تدور في فلكها الإيديولوجيات السائدة هو المقدمة الضرورية لحل الأزمات.

س:كيف ترون سوريا مستقبلا؟

ج-على المدى الإستراتيجي أثق بقدرات الشعب السوري وعلى المديين القريب والمتوسط أعتقد أن الوضع السوري سيتراوح بين حدين، حد أدنى سيضفي مزيدا من التعفن والانهيارات الأخلاقية والسياسية والمعرفية، وحد أعلى هو تسوية سياسية، والأخيرة لا تعني الحل السياسي والتي تقوم على تفاهمات بين إرادات خاصة تمثل إرادات قوى الأمر الواقع، وكلها إرادات خاصة مرتبطة بمصالح دولة إقليمية، وتفاهم هذه الإرادات يمكن أن ينتهي بتسوية سياسية وتفاهم مرحلي بين هذه الإرادات الخاصة وداعميها، لكنه تفاهم يتضمن عوامل الصراع والحرب القابلة للانفجار في أي لحظة عندما تتغير خريطة القوى الداعمة لهذه التسوية.. هذا الحد الأدنى على المدى القريب، أما الحل السياسي الذي يقوم على فكرة العمومية والوطنية السورية فهة الآن مستبعد نتيجة الدمار السوسيولوجي والإقتصادي الذي حل بسوريا في السنوات الماضية.. الحل سينبني على كتلة اجتماعية واسعة وعلى نخب تستطيع أن تتمثل فكرة العمومية والوطنية السورية التي هي حاكمة على كل الانتماءات سواء أكانت مذهبية أو طائفية أو إثنية.. فكرة العمومية بحاجة إلى نضج ونضال وجهد متواصل من قبل الوطنيين السوريين الذين يؤمنون بالحل السياسي وذلك يتطلب توقف الحرب واستقرار الوضع الأمني والإنخراط في السياسية بمعناها التاريخي لا الحزبوي الضيق.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول