المكون السوري… فرص عمل «للأردنيين»

يحدثني صديق يعمل عميدا لكلية في إحدى الجامعات الخاصة في الأردن عن الوضع الديموغرافي والمستجدات التي فرضها مكون اللجوء السوري في جامعته.
كلية الهندسة مثلا تستوعب بالعادة 1000 من الطلاب.. عدد طلاب الكلية نفسها اليوم 2500 بينهم 1500 طالب سوري.
ليست المشكلة في الحجم الرقمي ولكن النقاش العلمي في تركيبة ونوعية الوجود الطلابي السوري فهم اعلى بدرجة من حيث العلامات والرغبة في الدراسة والتحصيل والظهور والابداع من الاردنيين.
وهم أكثر من غيرهم نشاطا ولديهم بنية اكاديمية افضل من اشقائهم الاردنيين من اولاد البلد.
تلك المعلومة كانت مفاجأة بالنسبة لي لأني اسمع منذ نصف قرن وزراء التربية والتعليم في الاردن وهم يسخرون من مناهج ووسائل التعليم السورية ويعتبرون الاردن مدرسة قياسا حتى بكل الأشقاء العرب عندما يتعلق الأمر ببنية التعليم.
صاحبنا العميد نفسه اكتشف ان الأمر لا يعدو كونه احد الافلام الهندية فإيقاع كلية الهندسة بعد دخول مئات الطلاب السوريين اختلف تماما.. حتى الأساتذة يواجهون تحدي الارتقاء إلى مستوى طلابهم فيعملون بجد واجتهاد ويطورون في وسائلهم وتقنياتهم.
عندما تدشن الجامعة نشاطا فنيا يتصدر اللاجئ السوري وعندما يتعلق الامر بنشاط فكري ثقافي يتحرك الطلبة السوريون كخلية النحل حتى ان أحد رؤساء الجامعات الخاصة وبعد نشاط طلابي عام من فرط اعجابه بالاختراق الطلابي السوري صاح قائلا: عليك اللعنة يا بشار الأسد.. كيف تفرط بمثل هؤلاء؟
صديقي العميد يتوقع وخلال عامين لا أكثر بان يحصل طلاب سوريون على المرتبة الاولى ويتصدرون في غالبية التخصصات وتحديدا في الكليات العلمية في الجامعات الخاصة التي فتحت لهم ولو قيض لهم الالتحاق بجامعات الحكومة لتصدروا ايضا.
عمليا الطبقة المتوسطة السورية التي تغير نمط ولون وطعم الحياة في ثلاثة مدن اردنية رئيسية هي عمان واربد وجرش انقذت الجامعات الخاصة التي بدأت تتوسع في برامجها وخططها لاستقبال موجات طلاب العلم السوريين الذين يرتبطون بنوعية مختلفة.
برأي البعض تلك خلخلة واضحة وبطيئة وعميقة لصالح التمدن في معادلة المجتمع الاردني.
برأي نفس البعض لا بد من تشجيع اندماج وتأهيل المكون السوري في المعادلة الاردنية لأغراض التنويع والتمدن في الاقتصاد واتجاهات المجتمع وحتى في الاستثمار لأن الأثرياء السوريين وخلافا للهجمة التي تستهدفهم يفتتحون مشاريع في الاردن توفر فرص عمل لهم ولأبنائهم ولبعض الاردنيين في كثير من الأحيان خلافا لأنهم يدفعون الضرائب والرسوم.
شاهدت ذلك بنفسي فالشارع الرئيسي بجوار الحي الذي اسكن فيه افتتحت فيه خمسة محلات للطعام والحلويات برأس مال سوري متوسط وقد تلقيت شخصيا فيه الخدمة في هذه المحلات من شباب اردنيين ومصريين لإثبات نظرية دور طبقة الكريما السورية في توفير فرص عمل واستثمار يستفيد منها الاردنيون وخزينتهم. تلك مؤشرات واقعية لا يريد بعض المعترضين التعاطي معها وسط حالة عداء مبالغ فيها لما يسمى اليوم بالمكون السوري في المجتمع الاردني.
اعود لشهادة صديقي العميد في مسألة الطلاب الجامعيين السوريين فهم برأيه شخصيا أذكياء ومجتهدون ونشطون وخلافا لما يقال متميزون بالتكنولوجيا.
بعض الآراء في سياق الجدل الديموغرافي تتحدث عن مقاومة كلاسيكية من الحرس القديم لخيارات التنويع في العمق الاجتماعي وعن رغبة البنية المحافظة في الحفاظ على المكتسبات والامتيازات وعن عدم وجود مكان شاغر للسوريين في التركيبة الاجتماعية الاردنية بعد معادلة الاقتصاد في اغلبه المكون الفلسطيني والدولة في معظمها للمكون الاردني.
احد الخبراء تحدث بعمق عن معلومات ونظرية فكرية اقر شخصيا بانني استمع لها للمرة الاولى وقوامها ان نسبة الهجرة من الاردن إلى الخارج اصلا كبيرة لا بل خطرة وان عدد الاردنيين من عام 2005 إلى عام 2015 زاد فقط بنسبة نصف مليون انسان وان الاردن الاستراتيجي حتى يلزم بقية الاطراف في الاقليم والمجتمع الدولي باحترام مصالحه الاساسية وحتى يحافظ على دوره ويتطلع للمستقبل بكل الاتجاهات ينبغي ان يكون عدد مواطنيه 20 مليون انسان على الاقل. تلك نظرية لم اسمعها سابقا لكن تبدو جديرة بالتأمل لأن اسطوانات الشؤون السيادية ونغمات الوطن البديل تخيف حتى الخبراء والمفكرين الذين يمكنهم ملاعبة او مناقشة فكرة السكان والديموغرافيا ومستقبل الأجيال.
لا يمكنني الجزم بتأييد النظريات التي تحاول تجميل وجه فلسفة الخزان البشري خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بضيوف ولاجئين غير متعلمين ولا حول لهم ولا قوة ويحتاجون لخدمات الدولة الاردنية ورعايتها.
ولا يمكنني بالمقابل الجزم بمساندة الرأي المحافظ المنغلق الذي يتبنى شعارات وطنية زائفة تفصل المجتمع الاردني عن المستجدات الكونية والاقليمية والسياسية بناء على نظريات واهمة.
المسألة بهذا المعنى تحتاج برأيي لنقاش مستفيض لوضع توافقات وطنية تشخص وتحدد مصلحة الاردن شعبا ونظاما.
الى ان يحصل ذلك لا بد من الاشارة إلى ان نظرية التعامل مع المكون السوري في الاردن على اعتبار انه يشكل «فرصة» تنمو وتكبر حتى داخل أروقة الدولة الاردنية وفي اوساط المثقفين بالرغم من الظلم الذي يمكنها ان تلحقه ببقية المكونات الاجتماعية التي أخفقت بوضوح بدورها في اقناع الجميع بان الاردن يخطط جيدا للمستقبل.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

بسام البدارين