المنع الروسي لمحاسبة النظام حول الكيميائي: تغييب وتهميش

لم يكن متوقعا ان تسلم روسيا بسهولة بخلاصة التحقيق الذي اجرته لجنة مؤلفة من الامم المتحدة ومنظمة حظر الاسلحة الكيميائية كانت وافقت على انشائها روسيا على اثر الاتفاق الذي توصلت اليه مع الولايات المتحدة في آب 2013 والذي قضى بنزع الاسلحة الكيميائية لدى النظام تجنيبا له من تلقي ضربة عسكرية اميركية كان لوح بها الرئيس الاميركي باراك اوباما في حال استخدام النظام هذه الاسلحة ضد شعبه باعتبار ذلك خطا احمر لديه. اخذ المندوب الروسي لدى مجلس الامن فيتالي تشوركين من التقرير الجزء الذي يناسبه موفرا صدقية للتقرير على نحو غير مباشر وهو الجزء المتعلق باتهام تنظيم الدولة الاسلامية باستخدام الاسلحة الكيميائية فيما انكر استخدام النظام مرتين لهذه الاسلحة العامين 2014 و2015 متذرعا بان لا ادلة موثوقة تثبت ذلك في رأيه داحضا الجهد والتحقيقات الميدانية التي اجرتها اللجنة. هذا الموقف هو الفيتو المسبق من جانب روسيا اذا كان ثمة نية لدى مجلس الامن بادانة نظام اخذت روسيا على عاتقها انقاذه بتسليم اسلحته الكيميائية ثم تدخلت عسكريا لمنع انهياره ومن غير المتوقع ان تسلم بسهولة بفرض عقوبات نتيجة خرقه القرارات ذات الصلة والتي تحمل الارقام 2118 و2209 و2235 والتي تتضمن ضرورة اتخاذ اجراءات عقابية وفقا للفصل السابع من شرعة الامم المتحدة او هو في الحد الادنى تخفيض مستوى المساومة التي يمكن ان تدخل بها روسيا على هذا الصعيد. اذ من البديهي ان تنكر روسيا مضمون صحة التقرير في ما خص النظام الذي تحميه تجنبا لاحتمال محاكمته لاحقا ايضا وليس فقط تجنبا لفرض عقوبات عليه راهنا علما ان عدم الطعن بصدقيته يرتب على روسيا باعتبارها دولة كبرى عضو في مجلس الامن منع استخدام الاسلحة الكيميائية او تشريع ذلك. لكن انكار روسيا هذه الوقائع لا ينفي وجودها من جهة ولا امكان توظيفها من جهة ثانية من اجل الضغط ان من اجل منع تكرار استخدام هذه الاسلحة ام من اجل الحصول على تنازلات في مواقع او نقاط اخرى.

وفيما يساهم الموقف الروسي في تدمير صدقية الامم المتحدة خصوصا في موضوع القدرة على ردع استخدام الاسلحة الكيميائية، فان المسؤولية لا تقل بالنسبة الى الولايات المتحدة على هذا الصعيد. اذ ان ادارة الرئيس باراك اوباما ولو انها اخرجت نفسها برمي الكرة في ملعب مجلس الامن فان ثمة نقاطا مهمة من شأنها ان تعمق مدى التساؤلات عن مدى تسليم اميركا لروسيا في ما يتصل خصوصا بالشأن الروسي نتيجة الاتفاق الذي قضى بان يسلم النظام اسلحته الكيميائية. اذ ان استخدامه لهذه الاسلحة في العامين 2014 و2015 اي بعد الاتفاق يظهر انه ابقى على كميات لديه ولم يتخل عن كل مخزونه من هذه الاسلحة وهو امر قد ينبغي ان تسائل اميركا روسيا في شأنه ما دامت هي من ضمنت النظام وكفلته امام الخارج بحيث تتحمل هي مسؤولية الخروقات التي قام بها. هذا الخرق الذي سجله تقرير لجنة التحقيق يمكن ان يطيح الانجاز الذي يقول الرئيس الاميركي انه حققه بنزع الاسلحة الكيميائية التي يحتفظ بها النظام السوري جنبا الى جنب مع انجاز الاتفاق النووي مع ايران. اذ يفتح هذا التقرير باب الثغر الذي يتضمنه الانجاز الاول من جهة بغض النظر عن الخيارات التي كانت ام لم تكن متاحة للادارة الاميركية وقتئذ علما ان اسلوب تعاطي الرئيس الاميركي الذي هو على وشك انهاء ولايته الرئاسية في البيت الابيض في الملف السوري يلقى الكثير من الانتقادات ليس من داخل اميركا فحسب بل من الحلفاء الاوروبيين والعرب نتيجة ما يعتقد انه تسليم الكثير منه الى روسيا برؤيتها لحل الامور تماما كما تم التسليم لها في موضوع نزع الاسلحة الكيميائية من النظام السوري. وقد لا يحتاج اوباما في الاشهر المتبقية من رئاسته الى اوجاع رأس اضافية من موضوع سوريا على هذا الصعيد، لكنها مسؤولية لا يمكن التخلص منها لمجرد ان الموضوع غدا من مسؤولية مجلس الامن فحسب اذ يبقى من مسؤولية واشنطن الى جانب الدول الكبرى في منع ما يعتبر جرائم حرب او جرائم ضد الانسانية سبق ان اعتبر مسؤولون في الامم المتحدة ما يجري في سوريا انها كذلك. وهو ما يفترض المحاسبة امام محاكم دولية على الاقل.
يعتقد مراقبون انه وعلى رغم الاستقطاب من جانب تطورات لا تقل اهمية تحصل في سوريا واستجدت بالنسبة الى الولايات المتحدة وهي الصراع الدموي الذي نشأ بين حلفاء واشنطن في سوريا بين تركيا والاكراد السوريين الى جانب الانشغال بالانتخابات الرئاسية ومسائل اخرى، فان موضوع استخدام الاسلحة الكيميائية يجب ان يشكل موضوعا ملحا بحيث لا يمكن تغييبه او وضعه جانبا بسهولة. وفيما تطالب فرنسا مثلا بقرار له اسنان في شأن استخدام الاسلحة الكيميائية، وهو امر غير محتمل، لكنه يمكن ان يشكل عاملا ضاغطا اذا التقت عليه مجموعة من الدول تحت وطأة تلويح دول وتنظيمات غير حكومية بالتوجه الى المحكمة الجنائية الدولية لئلا يمر خرق النظام لما التزمه كما لو انه لم يكن او لئلا يعطي ذلك مبررات لاطراف في حرب سورية او اي حرب اخرى في العالم بالذهاب الى هذا الخيار من دون الخوف من اي عقوبات او من دون اي رادع.