النساء السوريات.. واقع مرير يصعد من المعاناة في ظل غياب الحقوق.. 182 امرأة استشهدت بأعمال عنف خلال العام 2021

المرصد السوري لحقوق الإنسان
لم تتخلّف سورية كأغلب دول العالم عن توقيع اتفاقيات دولية تخصّ تحسين وضع النساء والنهوض بواقعهن السيّئ، وقد التزمت “ظاهرياً” كغيرها بتمرير بعض بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تطرّق إلى أهمية السهر على تحقيق المساواة التامة بين الجنسين وضمان حقوق المرأة، ونصت المادة 23 من دستور الجمهورية العربية السورية الصادر بتاريخ 15 شباط عام 2012 على “توفر الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع”، كلام منمّق ظلّ مرميا بين الرفوف، إذ عاشت المرأة السورية وضعا مأساويا فترة الحرب بعد وتضاعفت معاناتها بعد أن أصبحت المسؤولة الوحيدة عن إعالة أسرتها إضافة إلى دورها الذي كانت تمارسه في تربية أطفالها وتعليمهم وتحمّل الأعباء المنزلية بعد أن فقدت زوجها أو والدها أو شقيقها أو ابنها في حرب مستعرة مجنونة أتت على الأخضر واليابس.

 

 

 

 

كما تحمّلت مسؤولية الخروج إلى سوق الشغل لتوفير لقمة العيش في بلد بات فيه راتب الموظف لا يتجاوز العشرين دولارا، وتقول إحصائيات الأمم المتحدة إنّ عدد النساء اللواتي فقدن أزواجهن في سورية فاق المليون امرأة، وأفادت بأن نسبة النساء المعيلات لأسرهن تخطت 11 بالمائة حيث دخلت المرأة مجالات كثيرة منها ما كان محظورا في سورية بعد أن تمّ الزجّ بها في عالم تجارة المخدرات والدعارة والاتجار بالبشر.
وظلت المئات من السوريات مما أجبرن على العمل للبحث عن لقمة العيش بكرامة عرضة للتحرش والاستغلال الجنسي من طرف أرباب العمل الذين وجدوا في حاجتهن الملحة فرصة لتلبية رغباتهم وشذوذهم، في وقت أجبر النزاع أخريات من القاصرات الطفلات اليافعات على أن يكنّ “سبايا”، حسب منطق الذئاب البشرية وأمراء الحرب الذين عاثوا فسادا بحجة “الجهاد وتحرير الأرض”.
كثيرة هي الممارسات المرعبة التي حدثت في سورية بدءًا من الاختطاف والاعتداءات الجنسية والاستغلال الاقتصادي، مرورا بفرض إجراءات صارمة على حريتهن، وصولا إلى حرمان الفتيات من حقهن الإنساني في التعليم والدراسة في خرق فاضح للمعاهدات الدولية خاصة في مناطق سيطرة التنظيمات التكفيرية والفصائل المسلحة، تلك التنظيمات الظلامية التي ترى في النساء “عورة” وجب لفّهن بقطعة قماش سوداء وحشرهن في زوايا منزل مهجور أو مخيم سقفه من البلاستيك الممزق، لتظل الفتيات مجبرات على الإنقطاع عن الدراسة سواء بسبب النزوح أو القصف وهدم المدارس، فضلا عن الظروف المعيشية القاسية في واقع حرب مستمرة كل سلاح فيها مستباح. ويحدث كل ذلك في ظل إفلات كامل من العقاب.

 

 

نساء ضحايا الاعتقال التعسفي

ظلت المرأة السورية الحلقة الأضعف التي أتعبتها الحرب بل كانت المتضرر الأول من كل المآسي التي مر بها البلد، حيث رصدت إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان اعتقال 155002 مواطنة منذ بداية الثورة السورية في آذار 2011 من قبل أجهزة النظام الأمنية.
كما تشير إحصائياتنا إلى أن 41312 مواطنة ظلت معتقلة في سجون النظام، فيما غيّبت قسريا 20315 مواطنة أخرى، في دوس على كرامتهن وانتهاك خطير للقانون الإنساني والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي وقع عليها النظام نفسه.. هي إذن أرقام خطيرة تدل على مدى التنكيل بالمرأة السورية زمن الحرب دون أن نذكّر بما تعرضت له قبل الثورة من لجم وعنف وإقصاء وتمييز وغير ذلك من الممارسات السالبة للحرية التي أثّرت على وضعها ومسيرتها في المجال الاجتماعي والسياسي.

 

 

وتقول شهادات وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان لمعتقلات ذقن الويلات في السجون، إنّهن عشن أصعب أيام حياتهن حيث تعرضن للضرب وجميع أشكال العنف من تعذيب جسدي إلى اعتداء جنسي إلى التدمير النفسي والإهانات وسماع كل الألفاظ البذيئة فضلا عن تحملّهن الجوع والعطش وأتعاب الأشغال الشاقة وتحمّلن ألام الأمراض المتفشية كما ظلت أجسادهن الوهنة تحمل بقعا من الدماء المتخثرة بسبب التعذيب.
وتؤكد الشهادات أن بعض السجينات اعتقلن من دون تهم محددة وأخريات بسبب تهريبهن الغذاء لأطفالهن أو نتيجة العثور لدى بعضن على صور مسيرات مناهضة للنظام ليتم اعتقالهن، أو فيديوهات تدين المعارضة أو الفصائل المسلحة التي تنتقم بدورها منهن .

 

شهيدات الحرب

ومنذ مطلع 2021، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان استشهاد 182 مواطنة فوق سن الـ 18 على الأراضي السورية، توزعوا على النحو التالي: 28 امرأة في انفجار ألغام وعبوات ناسفة و15 مواطنة برصاص مجهولين، و44 مواطنة في ظروف وبأساليب مختلفة منها الخلافات العائلية والعشائرية وجرائم الشرف والرصاص العشوائي.
و45 مواطنة قتلت بقصف ورصاص قوات النظام، و16 مواطنة على أيدي تنظيم “الدولة الإسلامية”، فيما توفيت 12 مواطنة في ظروف مجهولة، كما لقيت سيدة مصرعها تحت التعذيب في أحد معتقلات النظام، و8 مواطنات في انفجار آليات مفخخة.

 

كما قتل حرس الحدود التركي “الجندرما” سيدة، فيما قتلت امرأتان من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وسيدتان اثنتان بقصف تركي، كما لقيت سيدتان حتفهما على أيدي الفصائل، و3 مواطنات بقصف روسي، وسيدتان على أيدي مجموعة”جهادية”، وسيدة نتيجة الاستهدافات الإسرائيلية.
ولم يحمل العام 2021 أي جديد للمرأة السورية، بل على العكس من ذلك، فالمعاناة في تصاعد مستمر، والواقع المعيشي المزري يزيد الطين بلة، وهذا ما يتجسد بأحوال النساء السوريات في مختلف المناطق وعلى اختلاف القوى المسيطرة، سواء في مخيمات الشمال أو مخيم الهول الذي تنشط فيه أذرع تنظيم “الدولة الإسلامية”، أو خارج أسوار تلك المخيمات في المدن والبلدات والقرى.

 

 

بين الاغتصاب والتنكيل

تزايدت الأزمات التي عاشتها المرأة السورية بين القتل والاغتصاب وجرائم الشرف والحرمان من التعليم والحق في الحياة المستقرة والآمنة، مع توسع دائرة الحرب وتوغل التنظيمات المتطرفة والغزو التركي والإيراني والروسي، علاوة على النهج العقابي والانتقامي الذي اتبعه النظام السوري والمعارضة على حد سواء، والانكفاء إلى الانتماءات العشائرية والطائفية والدينية في بعض المناطق بسبب الإقصاء الاجتماعي والسياسي، وكلها عوامل حطت بثقلها على المرأة السورية وكانت نتيجتها حرمانها من حقوقها المدنية ومستحقاتها الاجتماعية، والعنف والسحل والزج بها في السجون والمعتقلات من قبل مختلف الأطراف، إلى جانب انتشار الأسلحة التي استُخدمت أدوات قمعية حوربت بها المرأة السورية لابتزازها واستغلالها والاعتداء عليها.

 

 

وبالرغم من هذا الواقع الأليم، تؤكد شهادات عديدة أن المرأة السورية لم تتخلص بعدُ من عقدة التردد والخوف من المطالبة بحقوقها الإنسانية حتى تكون عرضة للملاحقة والإنتقام أو الإعتقال، لذلك تجد نفسها مجبرة على الرضوخ للعائلة والمجتمع والسلطة، خوفا من مصير مجهول.
وقد ساهمت الحرب في ترسيخ التفكير الذكوري الذي يقف مزمجرا أمام مطالبات النساء بحقوقهن، وكأنها جريمة، لتختار الأغلبية الصمت تجنبا لتلك النظرة الدونية التمييزية التي بفرضها واقع المجتمع وتغذيها الظروف السياسية والاستبداد منذ عقود.

 

 

واقع حقوقي مأساوي

هذا الواقع الحقوقي صُنّف الأسوأ وفق منظمة الأمم المتحدة منذ سنوات، من حيث انعدام حرية التعبير وخرق المواثيق والمعاهدات الدولية بسبب القبضة الحديدية للنظام والمعارضة في مناطق سيطرتهما، لتستمر ممارسات التنكيل والإغتصاب والتحرش خاصة أن القانون السوري لا يزال يفتقر إلى نصوص توضح معنى التحرش والأفعال التي تعتبر تحرشاً وتعاقب عليها بالرغم من أهمية وجود عقوبة لهذا الجرم، كما أنه لا يوجد قانون أسرة أو قانون يناهض العنف الموجه ضد النساء بشكل خاص.
ويشير خبراء إلى وجود ثغرة تشريعية كبيرة في القوانين السورية بهذا الجانب، إلى جانب عدم احترام أو مراعاة المواثيق والأعراف الدولية ولا اتفاقية “سيداو” ، بالرغم من وجوب مواءمة التشريعات والقوانين المحلية مع المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها الدول، واعتبار نصوصها أعلى مرتبة من نصوص القوانين التي تخالفها.

 

 

بحث عن الذات والتموقع

وبرغم هذا الإقصاء والغياب التام للمساواة المبنية على النوع الاجتماعي والجندرية وضعف تفعيل دور المرأة في مراكز السيادة بسبب العقلية الذكورية المستفحلة، لم يزد واقع الحرب المرأة السورية إلا إصرارا على مواجهة التحديات واكتساب المزيد من القوة والثبات، وقد حاولت تقديم مساهمات حيوية في مجال المساعدات الإنسانية وجهود صنع السلام ونبذ العنف والكراهية ومحاربة الطائفية التي تلعب على وترها عديد الأطراف المستفيدة من واقع الصراع وآلام السوريين الجياع، واضطلعت بأدوار تعدّت وظيفتها الأسرية، لتستجيب لمهام إنسانية، فنجدها قائدة في مخيمات النزوح، ومساهمة في حل المشاكل ومنخرطة في مشاريع سلام مع منظمات أممية، وشريكة في مسارات كثيرة من جنيف إلى موسكو والرياض والقاهرة وغيرها.

 

وسعت السورية التي تعيش تحت واقع القصف والتهجير القسري والنزوح إلى التأقلم مع وضعها الذي يتعارض وبنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الأخرى ذات الصلة.
ونتيجة النضال المتواصل في أوضاع استثنائية غاية في الخطورة والتعقيد تحصلت الحركة النسوية عام 2016 على الحق في وضع حد أدنى لحصة النساء في المؤسسات وهيئات صنع القرار ونجحت بالتالي في جعل المرأة تشكل نسبة 30 بالمائة من أعضاء الهيئة الدستورية التي تأسست بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2254، ونجحت في إحاطة رفيعة المستوى أمام مجلس الأمن الدولي وهي أول إحاطة في تاريخ الحركة النسوية السورية، ما يدل على تنامي الوعي النسوي خلال السنوات الأخيرة وقوة الإرادة للمساهمة في التغيير المنشود ووضع أسس السلام والتعايش السلمي بعيدا عن الإقصاء والعنف ، انسجاما وحرصا على التناغم مع إرادة المجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والإنسانية وإعلاء راية حقوق الإنسان.

 

 

وإيمانا منا بعلوية المبادئ الإنسانية، والتزاما بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمواثيق ذات الصلة، وحرصا منا على التنسيق مع المنظمات الحقوقية في العالم، يدعو المرصد السوري لحقوق الإنسان من منبره، إلى محاسبة من أجرم في حقوق النساء والرجال والأطفال على حد سواء، ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والمستغلين لحاجات الأبرياء والمصادرين لحقوق الناس والمتاجرين بآلام الثكالى واليتامى، ونشدّد على أن المحاسبة واجب دولي وجب تفعيله، ونعوّل على موقف شجاع من المجتمع الدولي لإنقاذ البشرية-وشعبنا السوري في المقدمة- من ويلات ما يتعرّض له من قتل وتهجير وجوع ومعاناة وانتهاكات، كما نعول على الأصوات الإعلامية الحرة في العالم في المساهمة في الدفع نحو هذا الإتجاه.
كما يدعو المرصد إلى الضغط على كل القوى المتسلطة على مقدرات شعبنا، ومحاصرتها ومحاسبتها للكف عن الأذي العميق الذي طال جزءً من البشرية ينتظر من أصحاب الضمائر الحية مواقف تاريخية، حتى لا تستمر أو تتكرر المشاهد المأساوية للعبث بكرامة الإنسان على غرار المعتقلات في سجون النظام وسبي النساء الايزيديات وغيرهن وهي مشاهد لا تزال تؤلم الكثيرين وتلعن صمت الصامتين.