النظام العربي والحاجة إلى دفاع مشترك

34

ليست فكرة الدفاع العربي المشترك ترفاً ولا «دغدغة أحلام» رومانسية، بل ضرورة أمنية ملحة، لمواجهة سرطان الإرهاب المتفشي في جسم النظام العربي… ذلك النظام الذي ما زال فيه شيء من النبض، على رغم الضربات المهلكة المتلاحقة التي يتلقاها، وآخرها تداعيات «الربيع العربي».

هل بات الدفاع عن النفس عيباً أو خطيئة، حتى تُقابل الدعوة إليه بتساؤلات من نوع: «ماذا عن إيران» و «ماذا عن إسرائيل»؟ وكأنه بات يتعيّن التحالف مع الإرهاب في مواجهة «المد الإيراني» أو أنه يتوجب على المواطن العربي انتظار «تحرير فلسطين» ليستطيع التجوّل في الشارع من دون أن تصطاده سيارة مفخخة أو أن يذبح بسكاكين مجرمي «داعش»؟

لطالما كان الاستقرار في منطقتنا مرهوناً بتوافق المثلث السعودي – المصري – السوري، والذي يدفع تضعضعه المنطقة إلى الوقوع في براثن مثلث آخر، أكثر بأساً وإن كان غير منسجم، وهو مثلث: إيران – تركيا – إسرائيل، والذي يقود المنطقة العربية نحو التيه في إطارات أوسع، تؤدي، سواء في صراع مكوناتها أو توافقها، إلى تمزيق العرب وتشتتهم وفقدانهم قرارهم الذاتي.

وإذا كان من البدهيات أن جلّ ما تتمناه تل أبيب للدول العربية هو أن تقع في براثن الفوضى والإرهاب، فكان حرياً بتركيا ألا تقع بسقطة كبيرة أدت إلى عزلتها إقليمياً، في رهانها على تيار «الإسلام السياسي» المغامر بديلاً للأنظمة القائمة في المنطقة، وهي سقطة لا تعادلها سوى السقطة الإيرانية في دعم تحرك الحوثيين في اليمن، والذي ينم عن نزعة لتهميش سائر مكونات المجتمع والتعالي عليها.

فالرهان الذي يتعيّن على الدولتين اعتماده، هو مد يد الصداقة للدول العربية والسعي إلى تعزيز التكامل الاقتصادي معها، ما يسفر عن تعاظم مكانتهما تلقائياً من باب الصداقة والتعاون، لكن أكبر الأخطاء التي تقع فيها الدول هي في إيلاء «صداقتها» لأفراد وتنظيمات، فتلك علاقات لا تستوي نديّة، بل تنم عن تبعية، لا طائل منها.

بالتالي، فإنه يتعين النظر إلى قضية «الإخوان» في مصر على أنهم مواطنون مصريون لا كأتباع مرجعيات خارجية. وقد لجأت القاهرة إلى محاورة من تعقل منهم، وضربت بيد من حديد أولئك الذي اعتبرتهم يشكلون خطراً على أمنها القومي.

ذلك أن الإرهاب إذا تمكن من بلاد، عاث فيها فساداً ونشر ثقافة الموت والدمار، ما يؤدي إلى تفكيكها ونهايتها، والأثمان الباهظة التي تدفع لاستئصاله، على فداحتها وحجم التضحيات فيها، لا تقدر بشيء أمام خسارة شعب هويته وثقافته وحضارته.

إن المنطقة مقبلة على استحقاق مهم هو القمة العربية المقررة في أواخر آذار (مارس) المقبل تحت عنوان الأمن القومي العربي. ولا شك في أن أبرز التحديات في هذا المجال هو الإرهاب وأخطار الفوضى والتفكك، كما يحصل في اليمن وسورية وليبيا والعراق وغيرها.

لقد أثبتت فوضى السنوات الأخيرة أن ليس هناك «إسلام سياسي معتدل» و «إسلام سياسي متطرف» فكلاهما وجهان لعملة واحدة، بل هناك إسلام سمح ومعتدل وهو براء من الإرهاب. وإذا كان من عبرة يمكن استخلاصها من انتشار ظواهر الإرهاب، فهي أنه إذا ارتاحت دولة من دول المنطقة منه، فإن الجميع سيرتاح، وإذا عانت إحداها فإن الجميع سيعاني.

 

سمير السعداوي

المصدر : الحياة