انطلاق الفصل السوري من الحرب على داعش
يشير الابتهاج السائد في وسائل إعلام النظام الكيماوي ببدء عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في سوريا، واكتفاء هذا النظام من «التنسيق» الذي طالب به بمجرد «الإبلاغ»، إلى اطمئنانه من أن القصف الجوي وبصواريخ التوماهوك الذي انهال على الرقة وريفها والبوكمال وريف حلب الغربي، صباح الثلاثاء، لن يطال مواقع قواته، بما يتيح له التفرغ لمواصلة قصف المدنيين في مناطق أخرى. ومن جهة أخرى، يشير إسقاط إسرائيل للطائرة الحربية التابعة لقوات النظام فوق الجولان إلى نقص في التنسيق أو إغفال النظام «إبلاغ» إسرائيل بتحركات سلاح جوِّهِ قرب الحدود المشتركة.
لا يمكن التكهن منذ الآن بالنتائج المحتملة لبداية الحرب الدولية على دولة الخلافة في سوريا، ولا بالمسار المحتمل الذي يمكن أن تتخذه الأحداث في الأيام والأسابيع القادمة، ولكن يمكننا من الآن تسجيل بعض الملاحظات والأسئلة المبدئية:
-الملاحظة الأبرز هي مشاركة عدد من الدول العربية في عمليات القصف إلى جانب الولايات المتحدة، كالسعودية والإمارات والأردن والبحرين، الأمر الذي لم نر مثيلاً له في الحرب على داعش في العراق. هل يمكننا الاستنتاج من ذلك تسليماً أمريكياً بدور إيراني في العراق مقابل تأييد دور عربي في سوريا؟ الغريب في الأمر أن النظام الكيماوي لم يعبر عن هواجسه، إلى الآن وبعد مضي نحو 12 ساعة على بدء العمليات، من هذه المشاركة العربية. ترى هل قدم «التحالف» ضمانات له بضبط هذه المشاركة بما لا يتجاوز الحدود المرسومة، أي استهداف مواقع داعش والنصرة حصراً من غير التعرض لمواقع النظام؟
من جهة أخرى تتمتع المشاركة البحرينية بالذات بدلالة سياسية واضحة أكثر من أي اعتبار آخر: وضع حد فاصل للنفوذ الاقليمي الإيراني بما لا يتجاوز الحدود العراقية غرباً نحو سوريا، بالنظر إلى مصير الثورة البحرينية ذات البعد المذهبي وإقرار الأمر الواقع الذي أفرزه تدخل قوات درع الخليج لإخمادها في مهدها. وهذا ما يزيد من غرابة المشهد. فإيران اليوم، مع امتداداتها من الميليشيات الشيعية وخاصةً حزب الله اللبناني، لها الفضل الأول في بقاء نظام الكيماوي في دمشق واقفاً على قدميه، ولم يصدر، إلى اليوم، أي تعبير عن استياء أمريكي من هذا التدخل الإيراني الكثيف في سوريا. فهل آن أوان الصفقة الأمريكية الإيرانية على توزع النفوذ الإقليمي بين القطبين السني والشيعي، مع اقتراب موعد استئناف المفاوضات حول الملف النووي الإيراني؟
-الملاحظة الثانية تتعلق بغياب المشاركة القطرية – التركية، كأن الشقاق بين المحورين السنيين (السعودي – المصري – الإماراتي من جهة، والقطري التركي من جهة ثانية) ما زال يفعل فعله على رغم بداية الفصل السوري من الحرب الدولية على داعش، وكأن المصالحة التي تمت منذ حين بين قطروالسعودية لم تؤت ثمارها بعد. أما تركيا فهي تتعرض لحملة انتقادات من بعض دول الخليج ومن الولايات المتحدة بمناسبة ترددها في الالتحاق بالتحالف الدولي ضد داعش.
فتركيا التي تنفست الصعداء بعد إطلاق رهائنها التسع وأربعين الذين كانوا محتجزين لدى داعش، لم تخرج من ترددها بعد، على رغم أن بعض قصف الحلفاء يتم على الأراضي المتاخمة لحدودها الجنوبية، في تل أبيض. وهناك تحليلات ربطت بين طرح مجلس الأمن القومي التركي لفكرة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، وإفراغ مدينة كوباني (عين العرب) وريفها من سكانهما بسبب احتدام المعركة بين قوات داعش وقوات حماية الشعب التابعة للفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وبينهما وبين توقيت إطلاق الرهائن الأتراك في إطار صفقة تبادل أسرى، أطلق بموجبها لواء التوحيد المقرب من الإخوان المسلمين السوريين خمسين من مقاتلي داعش، بينهم أيضاً أرملة أحد القادة الميدانيين لتنظيم الدولة وأولادهما.
بالمقابل من المحتمل أن القيادة الأمريكية للتحالف تمهلت في بدء الجزء السوري من الحرب على داعش إلى حين إطلاق الرهائن الأتراك، لنزع ذرائع الحكومة التركية لتهربها من المشاركة الفعالة فيها. بل إن بعض الروايات تتحدث عن تأخير تركي مقصود لإطلاق الرهائن للتهرب من المشاركة في الحرب على داعش. فقد كانت الصفقة ناضجة منذ شهر، وفقاً لهذه الرواية، بعد توسط من بعض العشائر العربية في العراق بين الطرفين. لكن الطرف التركي هو الذي ماطل في تنفيذ الصفقة.
لا بد من الإشارة، بهذا الصدد أيضاً، إلى بروز التناقضات التركية – الكردية إلى درجة غير مسبوقة. فقد عبرت قيادة إقليم كردستان عن استيائها من غياب أي مساندة تركية حين كانت قوات داعش تقترب من العاصمة أربيل بعد غزوها لجبل سنجار الشهر الماضي. واليوم تتعرض بلدة كوباني لمصير مشابه، والحكومة التركية تبحث في إقامة منطقة عازلة. يا ترى أتكون هذه المنطقة هي كوباني بعدما أفرغت من سكانها؟ من هنا يتخذ تصريح القائد الميداني لحزب العمال الكردستاني مراد قرة يلان بصدد «انتهاء مسار الحل السياسي» مع الحكومة التركية أهميته.
-الملاحظة الثالثة والأخيرة تتعلق برد المحور الإقليمي الشيعي – الإيراني على التحالف الدولي بعد إقصاء نظام دمشق الكيماوي منه، بسيطرة القوات الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء وفرض أمر واقع جديد على تخوم المملكة العربية السعودية، هو بمثابة عزل جغرافي – سياسي بين الحليفين السعودي والمصري.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي
التعليقات مغلقة.