انعكاسات سورية للزلزال الخليجي

تراجع الاهتمام بالتطورات الميدانية السورية في الأيام الماضية، على رغم أنها تشهد ذروة جديدة في التصعيد، وفي الصراع على بلاد الشام، وتنافساً مفصلياً على تموضع قوى خارجية فيها.

من الطبيعي أن تغطي أنباء الزلزال الديبلوماسي السياسي الناجم عن الأزمة غير المسبوقة بين دول الخليج ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى، وبين قطر نتيجة تغريدها خارج السرب الخليجي في أزمات الإقليم، ومنها سورية، بل إن الخلاف العربي مع قطر يشمل سلوكها في ساحات تلك الأزمات. والسعودية في سردها وقائع الخلاف مع القيادة القطرية، تناولت «احتضان جماعات إرهابية وطائفية متعددة تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة، ومنها جماعة الإخوان المسلمين و «داعش» و «القاعدة» والترويج لأدبياتها… ودعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف ومملكة البحرين…».

ما لم يذكره المصدر المسؤول في الرياض، في لائحة «نكث السلطات في الدوحة بتعهداتها» منذ عام 1995، هو امتداد الخلاف إلى الميدان السوري، فقطر اختطت لنفسها سلوكاً منفصلاً عن الرياض ودولة الإمارات في أحيان كثيرة في الميدان السوري، على رغم أن الجامع المشترك هو دعم المعارضة منذ اندلاع الأزمة السورية. وحين أخذت الأزمة منحاها العسكري بفعل جموح نظام بشار الأسد نحو قمع الاحتجاجات السلمية بالتنكيل والقتل والتدمير، ترجمت الدوحة طريقتها بالتمدد، عبر خيوطها مع قوى مصنفة إرهابية، منها «جبهة النصرة» التي تحولت «فتح الشام» (وقيل في حينها إن الدوحة كانت وراء تغيير الاسم لتجنيب الفرع السوري لـ «القاعدة» العقوبات) وباتت ميليشيات سورية أخرى قريبة من «النصرة»، والخيط الرابط تمويلها القطري.

لكن هذه التشكيلات العسكرية خاضت جولات من التقاتل في ما بينها، وسقط من مقاتليها بمقدار ما سقط لها ضد القوات الأسدية والميليشيات الحليفة، من إيرانية وعراقية وأفغانية… في سياق التنافس على الإمساك بالمناطق الخارجة عن النظام، ما ساهم في إضعافها.

مرّ الانخراط القطري في الأزمة السورية بفترات شهدت تنسيقاً مع الدول الخليجية الداعمة للمعارضة، لكنه مرّ أيضاً بفترات شهدت تباعداً وتناقضاً مع الحلفاء الخليجيين المفترضين، فبدا أحياناً أن التقاتل بين القوى العسكرية المعارضة للنظام هو انعكاس للخلاف بين «الحلفاء». والنتيجة الموضوعية كانت إضعاف قوى المعارضة، وتعميق إخضاع الدعم الذي تتلقاه للأجندات الخارجية التي أدخلتها في متاهات سهلت بعض هزائمها، فبات تشتتها حجة لدول غربية كي تحجب عنها الدعم، ما سهل صعود «داعش» والمتطرفين.

بصرف النظر عن تفاصيل انعكاسات ذلك، فإن آخر فصول التفرد القطري في سورية كان صفقة الإفراج عن الـ 26 قطرياً الذين اختطفوا في العراق على يد «حزب الله» العراقي، وبعضهم من الأسرة الحاكمة، مقابل الإفراج عن مقاتلين لـ «حزب الله» وعراقيين وإيرانيين، وإخلاء بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين المحاصرتين مقابل إجلاء بلدتي الزبداني ومضايا اللتين حاصرهما «حزب الله» والنظام. التفاوض الأساس في الصفقة كان مع «حزب الله» اللبناني ثم تشعب، فانتهت الصفقة بدفع مئات ملايين الدولارات مولت الأخير وميليشيات عراقية وأخرى مدعومة إيرانياً، و «النصرة» و «أحرار الشام» على السواء.

للدور القطري انعكاس آخر في سورية: أنتج اتصالات بين «حزب الله» وبعض التشكيلات الإسلامية السنّية، لبعضها أصول «إخوانية» متصلة بالدوحة، بحجة صوغ اتفاقات جديدة لإخلاء قرى في منطقة القلمون، بهدف تحييد مناطق عن القتال، لأن هم الحزب التفرغ لانتزاع السيطرة على معابر من العراق إلى سورية (التنف والبوكمال)، حيث يدعم الأميركيون سيطرة قوات قاموا بتدريبها. والهدف مواجهة السياسة الأميركية الجديدة بقطع طريق التواصل بين طهران وسورية عبر العراق، تطبيقاً لمطلب دونالد ترامب انسحاب إيران والحزب من سورية. وهو ما يطرحه قادة الخليج. وهدف إيران والحزب أيضاً مواجهة المعارضة في درعا، للحؤول دون تمددها بدعم أميركي وأردني.

رفعَ ذلك احتمالات الاحتكاك بين واشنطن وموسكو التي تدعم محاولات النظام و «حزب الله» طرد المعارضة من درعا، بقصف مدمر وكثيف من الطيران الروسي. ويتلمس بعض السوريين المتابعين للتواصل بين «حزب الله» وإيران وتنظيمات سورية على صلة بقطر، مشروعاً لقيام تعاون إيراني- قطري- تنضم إليه تركيا، بحكم خلافها مع الإدارة الأميركية على إعطاء الأكراد دوراً رئيساً في معركة الرقة، وبفعل تقاربها مع الدوحة وتوافقها مع طهران في وجه الدور الكردي. فهل يتعزز هذا الاحتمال بموازاة تعاون الدول الثلاث لمساعدة الدوحة على مواجهة أزمة الحصار الخليجي؟ وهل تستفيد موسكو من هذا التلاقي لمواصلة الحرب بالواسطة مع واشنطن، في الجنوب السوري؟

كل هذا قد يطرح على بعض المعارضة السورية تحدي الاختيار.

وليد شقير

المصدر: الحياة