بالحرق والمقابر الجماعية.. أساليب وطرق يتخلص النظام السوري من جثث شهداء التعذيب في سجونه

 

سارعت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام منذ بداية الثورة في سوريا على استخدام وسيلة الاعتقالات التعسفية وقمع المدنيين في محاولة منها لإخماد جذوة المظاهرات والحراك الشعبي ضد النظام وسلطته الحاكمة، وتحولت الأفرع الأمنية ومراكز الاحتجاز “لمسالخ بشرية” كما يصفها الناجون منها، حيث يمارس بداخلها أبشع وسائل التعذيب بحق المدنيين دون التفرقة بين مسن أو طفل أو امرأة.
وانتهجت الأجهزة الأمنية أساليب وطرق مختلفة للتعامل مع قضية شهداء التعذيب للتغطية على هذه الجرائم.
تخلص الأجهزة الأمنية من جثامين شهداء التعذيب في مقابر جماعية

المرصد السوري لحقوق الإنسان حصل على عدة شهادات لناجين وناجيات كانوا قد تعرضوا للاعتقال في سجون النظام ضمن الفترة الممتدة ما بين عامي 2011 و2021، حيث تحدث الشهود عن مشاهداتهم وما عاينوه خلال فترات اعتقالهم من قصص تعذيب لسجناء على يد عناصر “الأجهزة الأمنية”، كما تحدث الشهود عن أماكن سرية ومقابر جماعية كانت توضع فيها جثث الشهداء وطريقة نقلها من الأفرع والسجون، إضافة لطريقة تعاطي أجهزة النظام مع ملف المعتقلين ومع ذويهم بعد استشهادهم.
يقول ( أ.غ) من مدينة إدلب وهو أحد الناجين من سجون النظام، في حديثه للمرصد السوري لحقوق الإنسان، إن الفرع 215 في منطقة المزة بدمشق كان يعتبر “مسلخاً بشرياً”، بحسب ما عاينه خلال فترة وجوده بداخله بين عامي 2012 و2013، حيث كان يسقط تحت التعذيب بشكل يومي ما بين 10 إلى 20 معتقل، وغالبية الشهداء كانوا يسقطون نتيجة انعدام العلاج داخل الفرع وعدم إخراج المرضى والمصابين بسبب التعذيب للعلاج خارج الفرع، ثم يتم سحب الجثث وإخراجها لخارج الفرع ونقلها عبر السيارات، ومن بين الأماكن التي كانت تنقل إليها الجثث هو مشفى 601، حيث يوجد بالقرب من هذا المشفى مجموعة كبيرة من الحفر المجهزة لدفن الجثث.
أما السيدة ( ل.ك) من حي الصالحية بدمشق، وهي إحدى الناجيات من سجون النظام فتروي للمرصد السوري لحقوق الإنسان، قصة سمعتها عن إحدى النساء أثناء فترة اعتقالها في سجن “عدرا المركزي” حيث قالت لها بأنها كانت معتقلة داخل فرع “فلسطين” بدمشق قبل نقلها إلى سجن “عدرا المركزي”، وفي ذلك الفرع المعروف بقساوة التعذيب فيه كانت توكل لها هي وثلاثة نساء أخريات مهمة نقل الجثث كل يوم صباحاً من الزنانين، فكن يقمن بلف الجثث بالأغطية وسحبها إلى سيارة براد خضار وتوضع الجثث بداخله وتنقل إلى الدفن أو الحرق، ومن بين من كان يشرف على تعذيب النساء في ذلك الفرع ضابط يسمى “أحمد الحايك” من مدينة جبلة.
بدوره يقول ( ص.غ) من مدينة إدلب للمرصد السوري لحقوق الإنسان أنه وأثناء فترة اعتقاله داخل الفرع 285 بدمشق في نيسان/ أبريل 2014 انتقل للفرع عدد من المعتقلين وانضموا إليه في الزنزانة التي كان بداخلها، وتحدث بعضهم عن فرع يطلق عليه اسم فرع”نجها” وهي قرية تتبع لناحية ببيلا في ريف دمشق، ووصف له المعتقلون أن ذلك الفرع أساساً لا يعتبر مكاناً للاعتقال بل هو مكان للتعذيب وقتل المعتقلين فقط، وذلك من شدة فظاعته وبشاعة التعذيب فيه، والجثث التي تخرج يومياً من داخل هذا الفرع تؤخذ ويتم حرقها ودفنها بشكل جماعي على أطراف القرية، حتى أن الروائح الكريهة المنبعثة من هذه المقابر عمت المنطقة وكانت تصل لداخل الفرع، مؤكداً أيضاً أن هناك مقابر جماعية كان عناصر “الأجهزة الأمنية” يقومون بنقل جثث المعتقلين إليها من داخل سجن “صيدنايا”، سيء الصيت، وتوجد هذه المقابر في بلدة تسمى تلفيتا في ريف دمشق، حيث كانت تحرق الجثث باستخدام آلة تشبه آلة المجبلة ( آلة تحضير الإسمنت)، ثم يتم دفن بقايا الجثث المحترقة المتفحمة في هذه المقابر الجماعية، كما ويؤكد أيضاً أن “الأجهزة الأمنية” في غالبية الأفرع الأمنية والسجون وخصوصاً سجن “صيدنايا” كانت تتحفظ عن المعلومات بشأن المعتقلين الذين يسقطون تحت التعذيب، والبعض منها تقوم فقط باستدعاء ذوي المعتقل وتسليم هويته فقط دون تسليم الجثث أو الإفصاح عن الأسباب الحقيقة للوفاة، حيث يتم غالباً إخبار ذوي المعتقل بأنه توفي لأسباب صحية.
وبدوره تحدث ( ي.ن) وهو ناجي آخر من سجون النظام، من مدينة إدلب للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أنه وخلال فترة اعتقاله داخل الفرع 91 بدمشق في شهر حزيران/ يونيو 2013 توفي أكثر من خمسة معتقلين نتيجة انتشار الأمراض مثل السل والإسهال الحاد وأمراض قلب وغيرها، كما سقط شهيد آخر تحت التعذيب أيضاً خلال فترة اعتقاله في هذا الفرع، ولكنه لم يعلم عن مكاناً لمقابر جماعية بسبب تكتم “الأجهزة الأمنية”، حيث كان يتم سحب الجثث ونقلها بداية إلى غرفة تسمى “غرفة الموتى” ثم تنقل الجثث منها عبر سيارات لخارج الفرع.
غالبية شهداء التعذيب هم من يرفضون الاعتراف بالتهم
وبحسب العديد الشهود الذين قابلهم نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن “الأجهزة الأمنية” التابعة للنظام في جميع السجون والأفرع الأمنية لا تفرق بين التهم ولا يوجد هناك معتقلين يتم التعامل معهم بشكل مخفف باعتبار أن تهمهم تعتبر غير كبيرة، بل إن طريقة التعذيب واحدة وفي الغالب يكون التعذيب بشكل جماعي دون الأخذ بعين الاعتبار لأي تهمة أو سبب أو لحالة معتقل معين صحياً كانت أو نفسياً، بل إن الجميع سواسية تحت وطأة التعذيب الذي يمارس داخل أقبية السجون، أما من يسقطون تحت التعذيب فهم بشكل عام مقسمين لثلاثة أصناف، الصنف الأول هم الذين يرفضون الاعتراف بالتهم الموجهة لهم رغم ما يتعرضون له من تعذيب فيتم تعمد قتلهم إما تصفية وإعدامات ميدانية أو تحت التعذيب وهؤلاء يشكلون أكثرية الشهداء تحت التعذيب، والصنف الثاني هم أشخاص لا يتحملون جسدياً التعذيب مثل كبار السن ومن يعانون من الأمراض، أما الصنف الثالث هم من يعترفون بعملهم في المجال المسلح والمشاركة في المعارك وكل ما له علاقة بالتشكيلات المسلحة، أما البقية فبعد تنقلهم بين عدة أفرع وتعرضهم أيضاً لأصناف التعذيب فينتهي مصيرهم لمحاكمات ثم قضاء فترة، المحاكمات في سجون سجون مركزية ومدنية.
الحرق والمقابر الجماعية لإخفاء الجثث
وفي شهادته للمرصد السوري لحقوق الإنسان، يتحدث المحامي (ف.م) من ريف حماة عن الطرق والأساليب التي تتبعها “الأجهزة الأمنية” التابعة للنظام للتستر على جرائم التعذيب وعن طريقة تعاطي وتعامل النظام مع هذا الملف، يقول، أن هناك عدة طرق تنتهجها “الأجهزة الأمنية”، ومن أهم هذه الطرق هي أن معظم الأفرع الأمنية والسجون هي أساساً بمثابة السرية فلا وجود لمحاكمات عادلة وقانونية بداخلها، حتى أنه وأثناء التحقيق يمنع على أي عنصر الدخول باستثناء عناصر وضباط التحقيق، وأثناء محاكمته ميدانياً يمنع حضور محامي معه.
مضيفاً، أنه وبحسب المعلومات المتوفرة والتي وصلت طوال فترة السنوات الفائتة فإنه وإلى جانب التعذيب حتى الموت داخل أقبية سجون ومعتقلات النظام، فإن هناك الآلاف قتلوا عبر الإعدامات الميدانية والتصفية، أما طريقة التخلص من الجثة وإخفائها فكانت قبل سنوات تجري عبر دفنها بمقابر جماعية وبطريقة عشوائية، أما خلال الآونة الأخيرة فقد توجهت “الأجهزة الأمنية” لطريقة الحرق أو الدفن، وذلك بعد موجة التقارير التي كشفتها منظمات حقوقية.
مؤكداً، أن المعلومات تشير لطلب النظام مؤخراً من إدارة “البحوث العلمية” في سوريا بتصنيع محارق ضخمة لاستخدامها في حرق جثث الشهداء الذين يسقطون تحت التعذيب أو الإعدامات الميدانية في جميع أفرع وسجون النظام، علماً أن طريقة الحرق كانت منذ البدايات تستخدم فقط في سجن صيدنايا، ومع ذلك فإلى الآن هناك سياسة فتح مقابر جماعية وإخفاء الجثث فيها نتيجة الأعداد الكبيرة للجثث والتي لا تغطيها المحارق التي تم تصنيعها، وغالبية المقابر تتواجد أو تحفر ضمن مواقع وقطعات عسكرية بهدف منع الدخول إليها، وتعرف كل جهة بمقابرها الخاصة فهناك مقابر جماعية خاصة تتبع للميليشيات المساندة لقوات النظام مثل الميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني.
أما عن قضية إخبار ذوي المعتقلين بوفاتهم تحت التعذيب فيقول المحامي، في بداية الأحداث كانت تتكتم “الأجهزة الأمنية” عن أي معلومات حول من يسقطون تحت التعذيب، ثم بدأ النظام بإشغال ذوي المعتقلين بالبحث عن مصير أبناءهم وكان القليل من يحصل على هذه المعلومات، ثم توجه النظام خلال السنوات القليلة الماضية لموضوع إصدار شهادات وفاة لآلاف المعتقلين وبررها بالوفاة الطبيعية نتيجة ظروف صحية، وبعد أن رأى النظام موجة المنظمات الحقوقية والنشطاء الذين يشككون بوفاة هذه الأعداد الكبيرة بشكل طبيعي حينها توقف النظام عن إصدار هذه الشهادات.
أعداد شهداء التعذيب منذ عام 2011
ومنذ بداية العام الجاري 2022 وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، استشهاد نحو 60 مدني، ومن بينهم 38 مدني من أبناء الغوطة الشرقية في ريف دمشق حيث سلم النظام السوري أوراقهم الثبوتية لذويهم في شهر شباط/ فبراير الفائت.
ووفقاً لإحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإنه تعداد من استشهدوا تحت التعذيب في سجون ومعتقلات النظام منذ انطلاق الثورة السورية وصل لنحو 47575 مدني موثقين بالأسماء، وهم 47172 رجلاً وشاباً و339 طفلاً دون سن الثامنة عشر و64 مواطنة منذ انطلاقة الثورة السورية. وذلك من أصل أكثر من 105 آلاف علم المرصد السوري لحقوق الإنسان أنهم فارقوا الحياة واستشهدوا في سجون ومعتقلات النظام.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد