برنامج السفر الهولندي يحطّ في سورية

27

كَشَفت مُقدمة برامج السفر الهولندية فلورجه ديسنغ للإعلام في بلدها، وقبل عرض البرنامج التلفزيوني الخاص عن زيارتها الأخيرة لسورية، أنها خططت للانتحار لو شاءت الظروف ووقعت في أيدي تنظيم «داعش» أثناء وجودها هناك، وكانت تخبئ سكينة صغيرة لهذا الغرض ضمن أمتعتها. فبعدما شاهدته من أفلام مخيفة على الإنترنت أثناء تحضيراتها لزيارتها الى البلد الذي تنهش فيه الحرب المتواصلة منذ خمسة أعوام، كان الموت سيكون أرحم من الرعب الذي ينتظرها إذا أسرها التنظيم.

ستقترب المذيعة، والتي تقدم برامج السفر على محطات تلفزيونية هولندية منذ عقدين من الزمن، من المناطق التي يسيطر عليها «داعش»، وسيقود دليلها السوري الذي حُذر من التوقف على الطريق لأيّ سبب كان سيارته بأقصى سرعتها، وخصوصاً وهي تعبر الصحراء السورية الى مدينة تدمر، والتي قصدها الفريق الهولندي لمعاينة الدمار الذي سببته الحرب و «داعش» على الآثار التاريخية فيها. عدا ذلك ستتجول ديسنغ، في دمشق وحمص، وبمسار الرحلة ذاته تقريباً لزيارتها الأولى لسورية عام 2008، والتي شكلت وفق المذيعة مفاجأة لها لما يوفره البلد من آثار تاريخية وأنماط حياة هادئة ومُختلفة.

في حلقتين عُرضتا أخيراً على شاشة القناة الحكومية الأولى تحت عنوان «فلورجه تعود الى سورية»، اجتهدت المقدمة المعروفة في بلدها في اقتفاء أثر الأماكن والأشخاص الذين قابلتهم في زيارتها الأولى للبلد العربي. وفتحت كوة ما زالت نادرة على الحياة في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري. في كل ذلك، لم يغب العنف والدمار وما خلّفاه على السوريين لحظة واحدة عن البرنامج الهولندي.

اهتمت ديسنغ بتناقضات الحياة السورية اليوم، وكيف يعيش السوريون بين الموت واقتناص لحظات فرح عابرة. فصور البرنامج مشاهد من عرس في فندق في دمشق، ومطاعم في المدينة تعج بالزبائن. وعندما ابتعد بضعة كيلومترات من العاصمة السورية، وجد أطلال الأحياء المدمرة في انتظاره، بخرابها الذي يفوق الوصف.

تقابل المقدمة التلفزيونية هولنديتين في دمشق، إحداهما موظفة في منظمة إنسانية، والأخرى سيدة عادية متزوجة من سوري، ولا ترغب في ترك المدينة التي عاشت فيها لعقدين، وعلى رغم أن العائلة تلك خسرت معملها لإنتاج الشوكولا في الحرب، لكنها عادت للإنتاج قبل عامين، واستقدمت عمالاً جدداً صورهم البرنامج وهم يصفّون الحلويات في علب أنيقة. وفي دمشق أيضاً، تزور المذيعة حديقة الحيوان الوحيدة في المدينة بعدما قرأت عن تدمير الحدائق الأخرى وذبح أسودها في مشاهد وضعت على الإنترنت.

يشير مدير الحديقة للبرنامج الى القفص الفارغ، بعد مقتل ساكنه الأسد بقذيفة قبل أعوام، في عنف لم يوفر حتى الحيوانات.

وسيفوق الدمار الذي كان ينتظر فريق البرنامج في حمص كل توقعاتهم، فالمدينة التي كانت من مراكز الثورة شهدت تدميراً شبه كامل. رغم ذلك يحاول سكان منها العودة اليها وبدء حياتهم من جديد. في واحد من المشاهد القوية، يصور البرنامج محلاً لبيع الفواكه والخضر يقع وسط شارع مدمر بالكامل، ليعمق التناقض بين المباني المحروقة ومنظر الفاكهة النضر من لا معقولية المشهد برمته. تبيت المقدمة في الفندق الوحيد الباقي في حمص، وستقابل هناك شباباً سوريين ملتحقين بدورة لتعليم التصوير الفوتوغرافي لتسجيل الحياة من حولهم.

ويخصص البرنامج زمناً طويلاً لحادثة مقتل القس الهولندي فرانس فان دير لوغت في حمص قبل أعوام. ويستعيد مشاهد أرشيفية له وهو يرفض مغادرة المدينة التي يعيش فيها منذ سنوات، على رغم اشتداد العنف من حوله. تقابل ديسنغ شابة سورية ستدلها على المكان الذي قتل فيه فان دير لوغت في الكنيسة، وستتحدث تلك الشابة عن الألم والأمل اللذين تركهما عند الذين عرفوه من السوريين.

وعلى خلاف برامجها السياحية الأخرى، يخيم الحزن والقتامة على البرنامج الجديد. وكما بدا واضحاً أن الوضع في سورية أثر في المذيعة كثيراً، وهو الأمر الذي التقطه البرنامج في مشاهد لماحة، يظهر بعضها شرودها وحزنها الواضح وهي تجلس وحيدة في شرف الفنادق التي سكنت فيها، وبينما كانت تراقب أطفالاً ضائعين هائمين من دون بالغين في أحياء دمرتها الحرب. وعندما أبرزت المقدمة صورة الصبي السوري الذي قابلته في تدمر في عام 2008 الى ناس من المدينة علهم يتعرفون اليه، رد عليها أحدهم بلا مبالاة كبيرة، بأنه قتل على الأرجح.