برهان غليون: موسكو لا تهتم بالسلام في سورية.. بل تبحث عن تحويلها إلى قاعدة عسكرية استراتيجية

برهان غليون: اجتماع الدوحة لا يرمي إلى إصلاح أو إعادة هيكلة مؤسسات المعارضة

برهان غليون: قتل الشعب بالكيماوي أبرز الأسباب التي تردع الحكومات عن التفكير في التطبيع مع النظام السوري

 

 

تعدّدت اللقاءات والاجتماعات بخصوص حلحلة الوضع في سورية منذ سنوات، لكنها لم تنجح في وقف الصراع المتأجج والمضي نحو حل يرضي مختلف الأطراف المتحاربة التي لم تتفّق على شكل الحلّ الممكن  في واقع التدخلات الاقليمية والدولية التي يرى السوريون أنها قد زادت من تأزيم الأوضاع وتعقيد أي مسار للحل.
ويرى المعارض السياسي  والمفكّر السوري البارز، برهان غليون، في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، أنّ موسكو تسعى إلى تحويل سورية إلى قاعدة عسكرية استراتيجية في المتوسّط لمواجهة السياسة الغربية التي همشتها لعقود من الزمن، لافتا إلى أنّ إجتماع الدوحة هدفه التداول في القضية السورية على ضوء التحولات الماضية للخروج بتوصيات ترشد المعارضين والسوريين عموما إلى الطريق الذي يمكنهم من خلاله تحسين أدائهم السياسي والتقدم في بناء معارضة أكثر فعالية وقدرة على تحقيق أهداف الثورة والشعب.

س- يبدو أن موسكو لا تريد الحل السياسي وفق جنيف، وهي تحاول مرارا شق صف المعارضة من جهة، والتشويش على جنيف من جهة أخرى عبر نشاطها الدبلوماسي الداعم لنظام بشار الأسد من خلال مؤتمرات  على غرار سوتشي وآستانا وتشكيل منصة موسكو وتستعد الآن- وفق حديث الكواليس- إلى عقد  تجمع للمعارضة.. هل تنتظرون من هذا اللقاء  في صورة انعقاده مخرجا يحترم القرارات الأممية، وماذا عن الدور السلبي للمعارضة؟

ج: للأسف، فقدَ السوريون ثقتهم بالسياسة الروسية للرئيس بوتين، وأصبح من الواضح لديهم أن موسكو لا تهتم لا بمصير سورية ولا بمصير شعبها ولا حتى ببناء علاقات إيجابية بين الشعبين للمستقبل، كل ما تريده هو تحويل سورية إلى قاعدة عسكرية استراتيجية في المتوسط وتأكيد تنامي قوتها على مواجهة السياسة الغربية التي همشتها لعقود طويلة وعلى إحباط مخططاتها. والواقع أن روسيا لم تغير موقفها منذ بدء الثورة السورية، فقد وضعت 15 فيتو لمنع أي قرار لصالح الشعب السوري أو دفع النظام الحاكم إلى القيام حتى بالحد الأدنى من الإصلاحات، ثم عطلت تطبيق القرارات الدولية “الضعيفة” التي قبلت هي نفسها بالتصويت عليها، وآخرها قرار 2254، وأرسلت سلاحها الجوي ومستشاريها للقضاء على المعارضة وساهمت في قتل آلاف المدنيين وتهجيرهم وتدمير أحياء بكاملها في أهم المدن السورية.
والآن ليس لها سياسة سوى إعادة تأهيل الأسد الذي شجعته على أن يتحول إلى مجرم حرب بدعمها غير المشروط لجميع خططه وسياساته الجنونية ما وضع التسوية السورية في طريق مسدود والشعب السوري على حافة المجاعة.

س- لقاء للمعارضة في الدوحة وحديث عن مساع لأحداث مراجعات عميقة في صفوفها  بعد سنوات من التشتت والانقسام والصراع.. كيف يمكن إعادة توحيد صفوف المعارضة للمضي في تحقيق الحل أو التسوية السياسية؟

ج: أعتقد أن الاجتماع وضع منذ البداية ومنذ الإعلان عنه سقفا معقولا لتوقعاته، ولم يتحدث لا عن تشكيل هيئة معارضة جديدة ولا عن إصلاح أو إعادة هيكلة مؤسسات المعارضة القائمة، وأكد على أن هدفه هو التداول في القضية السورية على ضوء التحولات الماضية والأبحاث التي عملت عليها مراكز البحث السورية الجديدة، والخروج بتوصيات ترشد المعارضين والسوريين عموما إلى الطريق الذي يمكنهم من خلاله تحسين أدائهم السياسي والتقدم في بناء معارضة أكثر فعالية وقدرة على تحقيق أهداف الثورة والشعب.
وكما تدل التوصيات التي خرج بها اللقاء، سادت الاجتماع روح إيجابية وكان بالفعل إطارا للتشاور بين القوى والتيارات المختلفة.

س-تحدثت تقارير متطابقة عن تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن فكرة إسقاط نظام بشار الأسد.. دكتور برهان برأيكم هل هناك ترتيبات لمعالجة الملف السوري الشائك بطريقة احتواء النظام وإعادة إنتاجه ولو نسبيا سيما بعد الزيارات العربية الأخيرة لدمشق ومساعي إعادة النظام إلى الجامعة العربية؟

ج: لا أعتقد أن هناك ترتيبات أو يمكن التوصل بين الدول إلى ترتيبات لإعادة تأهيل الأسد ونظامه حتى وإن لم يوجد اليوم من يطالب بإسقاط الأسد.
فالمطالبة بإسقاطه شيء وتأهيله شيء آخر. المطالبة بإسقاطه تعني وضع البديل، ولا يوجد في يد الدول بديل لأن مصالحها متباينة وأحيانا متناقضة ولا تستطيع أن تتفق على بديل. لكن تبني مشروع إعادة تأهيله يعني حمل وزر الجرائم الكبيرة التي وصفتها المنظمات الإنسانية والحقوقية بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب التي أصبحت موثقة بشكل كبير، ولا تكف الصحافة العالمية عن التذكير بها.
وأكثر فأكثر يطالب الرأي العام الدولي بتحقيق العدالة ومحاكمة المجرمين المتورطين مع النظام بجرائم الحرب والقتل والتعذيب. ولا يغير من ذلك طموح بعض الدول العربية، لأهداف متباينة، إلى إعادة النظام إلى الجامعة العربية، وفي ذهنها أن ذلك يشكل نقطة الختام للثورات والتظاهرات الشعبية، ودرسا أليما للقوى المعارضة العربية في كل مكان.
باختصار لن يعود الأسد إلى الجامعة العربية ولن يحصل التطبيع مع النظام ، ما يعني أن الأزمة الاقتصادية والمعيشية في حالة تفاقم إلى درجة أصبح فيها 90 بالمائة من السوريين تحت حد الفقر، وأصبحت حتى مادة الخبز التي هي العنصر الرئيس في غذاء السكان مقننة وتخضع لبطاقة تموينية تحدد للأسرة عدد الأرغفة التي يحق لها اقتناؤها.

س- خلصت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية منذ فترة رسميا إلى استخدام الكلور في 2016.. لماذا ظل هذا الملف بلا محاسبة؟  

ج: هذا هو أحد الأسباب التي تردع الحكومات عن التفكير في التطبيع مع الأسد، لكن تطبيق العدالة يحتاج إلى تفاهم بين الدول المحتلة أيضا وهي اليوم خمس دول بينها الولايات المتحدة التي لها مشروعها الخاص ولا يهمها مصير سورية وشعبها، فما بالك بروسيا التي لا ترى في سورية سوى فريسة سهلة تستخدمها لحل أمورها الاستراتيجية سواء في صراعها الجيوستراتيجي مع الغرب أو سيطرتها على تجارة الغاز وتوزيعه في الأسواق الأوروبية.
أما طهران فهي تعمل كل ما بوسعها حتى تتفكك سورية وتفقد الدولة فيها أي اعتبار أو سيطرة لتحل محلها وتحقق حلمها في التغيير الديمغرافي والمذهبي للبلاد وضمها إلى ممتلكاتها الامبرطورية، واستخدامها مسرحا لمحاصرة المشاريع العربية وإسقاط دول الخليج وإلحاقها بها. هذا يعني لن يكون هناك تحقيق للعدالة ما لم ينجح السوريون في استعادة سيطرتهم على مصيرهم وتعزيز دورهم في التخطيط لمستقبلهم وتصفية حساباتهم مع من كان السبب في تدمير بلادهم وقتل أبنائهم خلال السنوات العشر الماضية.

س- أثارت تصريحات الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط جدلا بخصوص عدم توفر الظروف الملائمة لعودة  سورية إلى الجامعة بعد تعليق استمر أكثر من 10سنوات.. برأيكم ماهي هذه الشروط والظروف التي وجب توفرها،  وهل إقصاء أو طرد سورية من الجامعة هو الحل الأفضل لحلحلة الأزمة أم أنه كان من الممكن معالجة الوضع ضمن هذا البيت العربي بمبادرة عربية بعيدا عن تلك التدخلات التي دمرت سوريا وهجرت أبناءها؟

ج: كانت الجامعة العربية أول من بادر لإيجاد حل سياسي للصراع، وأرسلت بعثة من المراقبين العرب لمراقبة وقف إطلاق النار منذ نهاية العام 2011، وهي التي صاغت وأطلقت أول مبادرة للتسوية السياسية لم تلبث حتى حولتها الى مبادرة عربية دولية كان أول من قاد السعي لتطبيقها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان. لكن النظام السوري رفض جميع محاولات الحل السياسي وتبنى تحت إشراف المستشارين العسكريين والسياسيين الإيرانيين الحل العسكري والأمني وأعلن حربا شاملة بكل الأسلحة، بما فيها الكيميائية، على شعبه. وهذا ما دعا الجامعة العربية إلى تعليق عضويته فيها كوسيلة للضغط من أجل تطبيق المبادرة السياسية العربية الدولية التي لم يكفّ عن إفشال أي محاولة لتنفيذها، بدعم إضافي من الإيرانيين والروس. في هذه الظروف التي يستمر فيها الأسد في شن الحرب وإلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين وتهجير نصف سكان البلاد ورفض أي حوار من أجل الإصلاح، بما في ذلك الاعتراف بوجود المعارضة، تعني إعادة نظام الأسد إلى الجامعة استسلاما كاملا لها وكسرا لهيبتها وتهزيئا للدول العضوة وانتهاكا لقراراتها وميثاقها ودعما من قبل الحكومات العربية لنظام قاتل ضد الشعب السوري بأكمله. لا يمكن للجامعة العربية أن تعيد سورية إلى مقعدها في الجامعة ما لم يستجب نظام الأسد لتحقيق المطالب التي دفعت إلى تعليق عضويته فيها وإلا فإنها ستفقد ما تبقى لها من مصداقية، وهو قليل أصلا، وهي القبول بالانتقال السياسي ووقف آلة الحرب.

س-أثار اقتحام سجن غويران بالحسكة مؤخرا ضجة واسعة وسط اتهامات بتسهيل الاقتحام لتهريب قيادات من تنظيم “الدولة الإسلامية”  من قبل التحالف الذي تقوده واشنطن  وتنخرط فيه قوات سوريا الديمقراطية.. هل ترون تقصيرا منهما؟.. وما آثار هذه الحادثة على الشمال السوري الذي يعرف أوضاعا متقلبة وغير مستقرة ؟

ج: هناك بالفعل تساؤلات كثيرة حول دوافع الهجوم على سجن الصناعة في مدينة الحسكة السورية والسهولة التي نجح فيها تنظيم الدولة في احتلال السجن وإخراج السجناء وما نجم عن ذلك من تهجير سكان حي غويران وحيّ آخر بجواره والبدء بهدمه كما حصل في العديد من المدن والأحياء السورية في مناطق مختلفة من البلاد. بالتاكيد هذا يدل على أن التنظيم لا يزال حيا وأن حياته هذه تفيد بالضرورة أو تصب في مصلحة بعض أو العديد من الدول المشاركة في الأزمة/الحرب على الأراضي السورية، بما فيها الميليشيات والمنظمات والإدارات المحلية. وهناك من يعتقد من المحللين والمطلعين أن ما حصل ليس بالضرورة نتيجة تقصير من هذا الطرف أو ذاك وإنما تحقيقا لأهداف سياسية أو استراتيجية ربما كان منها تبرير الحفاظ على قوى الاحتلال الأجنبية أو التغيير الديمغرافي أو الإبقاء على حالة من زعزعة دائمة للاستقرار أو كلها معا.

س-دكتور برهان، وأنت الأكاديمي  والمثقف والمفكر الذي تنظر إلى الأشياء بعين مختلفة.. بالعودة إلى دور المعارضة، هل ندمت على قيادة المجلس الوطني الذي ساهم في تجميع المعارضة حينها وتجاوز انقساماتها، وهل تحتاج المعارضة اليوم لهكذا مجلس  في ظل غياب الرؤية الحقيقية  وانعدام وجود مشروع عمل واضح؟

ج: كيف لي أن أندم على عمل نجح بعد سبعة أشهر من التمزق والضياع في وضع أسس أول إطار سياسي للمعارضة وقوى الثورة السورية ونقل قضيتها إلى الساحة الدولية، وحقق أهم الانجازات السياسية لها وفي مقدمها اعتراف أكثر من 140 دولة بشرعية الثورة وحقوق الشعب السوري في التغيير السياسي ونظام ديمقراطي ووضع حد للديكتاتورية والاستبداد، كما تظهر ذلك قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية التي صدرت منذ الأشهر الأولى من ولادة المجلس الوطني. وهي التي لا نزال نعتمد عليها في الدفاع عن حقوق الشعب السوري حتى لو أن الدول المحتلة وعلى رأسها روسيا حاولت وتحاول دائما تفريغها من محتواها والتلاعب بحروفها وتجنيب الأسد المحاسبة والحيلولة دون تحقيق العدالة.. بالفعل تحتاج المعارضة إلى إطار يجمع شتاتها ويوحد صفوفها وكلمتها ويساعدها على وضع الخطط وبلورة الأجندة الوطنية التي لا يمكن لشعب أن ينجح في قطف ثمار كفاحه من دونها. وبسبب الافتقار إلى مثل هذا الإطار الذي ينال ثقة الشعب واعتراف المجتمع الدولي وتأييده عقدت العديد من المؤتمرات وآخرها ندوة الدوحة، التي وضعت بعض التوصيات والمبادئ الضرورية لإصلاح الائتلاف والعمل على توحيد القوى وبلورة خطة سياسية لمواجهة تحديات المرحلة القادمة.

أخيرا،، هل تعتبرون أن السياسة لعبة وسخة.. وهل “توريط” المفكر نفسه في هذه اللعبة قد يجره إلى مشكلات مع جمهور تعود فقط برؤية الباحث المثقف والأحاديث بعيدا عن السياسة وتبعاتها؟

ج: أنا لا أعتقد أبدا أن السياسة لعبة وسخة بل بالعكس إنها عمل نبيل عندما يكون هدفها إيجاد قواعد عملية وأخلاقية لتنظيم حياة المجتمعات وعلاقات الأفراد والجماعات وتحديد غايات الاجتماع الأخلاقية من حرية وعدالة ومساواة وحكم القانون والتضامن والتكافل داخل الأسرة الوطنية، لكنها تسقط بالفعل في الوساخة عندما تتحول إلى تجارة للكسب على حساب الجمهور ووسيلة للتلاعب بإرادة الناس لتحقيق مصالح خاصة، سواء أكانت مصالح مادية، أو لا مادية من سلطة ووجاهة ومكانة رمزية. وأنا أعتقد أن السياسة بهذا المعنى، أي الدفاع عن القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية وحق الناس في نظام حكم يؤمّن شروط الارتقاء بأحوالهم المادية والثقافية والمعنوية، تعني كل فرد والمثقف بشكل خاص قبل الجمهور العادي، لأنه هو أكثر من يفترض أنه صاحب الكلمة المبدئية والترفع عن المصالح الشخصية والآنية. وفي جميع الأحوال، السياسة أخطر وأهم بكثير من أن تترك لأصحاب الاطماع السلطوية الذين غالبا ما يجهلون معناها ويجعلونها مركبا لتحقيق شهواتهم والتعبير عن أطماعهم وأنانيتهم واحتقارهم لشعوبهم كما هو الحال في معظم أقطارنا العربية اليوم. أما فيما يتعلق بموقف الجمهور الذي تقولين إنه تعوّد على أن يرى الباحث والمثقف بعيدا السياسة فأنا أوكد لك أن ما حصل هو العكس. لقد ربحت جمهورا شعبيا كبيرا لا يزال يتواصل معي ويطالبني بالعودة. وبالمقابل ماخسرته هو جمهور كبير من المثقفين الذين فكروا ربما بما ذكرتِه أنتِ للتو، أي أن السياسة بالضرورة عمل وسخ ولا يليق بالمثقف أن يخوض فيه. ومثل هذا التفكير هو الذي قادنا إلى تسليم شؤون الدولة والمجتمع إلى أكثر الناس جهلا وبعدا عن الشعور بالمسؤولية وانعدام الأخلاق.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد