بشكل حصري.. المرصد السوري يكشف بالوثائق والدلائل تفاصيل التعاون السري بين حزب الله والحرس الثوري وتنظيم “الدولة الإسلامية”

716

تمكن المرصد السوري لحقوق الإنسان عبر مصادره من الحصول على معلومات مؤكدة بوثائق تثبت تعاون غير معلن بين الميليشيات التابعة لإيران على رأسها حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، هذا التعاون الذي يشكل صدمة جديدة لمناصري هذه الميليشيات لاسيما مع تنظيم من المفترض أنه عدوهم اللدود، هدفه الرئيسي الحفاظ على سورية غير مستقرة.

المرصد السوري لحقوق الإنسان وصل عبر مصادره إلى أشخاص مقربين من الميليشيات العاملة تحت الجناح الإيراني في سورية بينهم أشخاص على دراية تامة بالمفاوضات بين تنظيم “الدولة الإسلامية” والميليشيات التي جرت في أيار/مايو 2021، ويكشف المرصد في خضم التحقيق الآتي التفاصيل الكاملة لهذا التعاون الذي استمر على مدار عامين اثنين.

برقية الحرس الثوري الإيراني

بداية القصة
بدأت القصة في نيسان/أبريل 2021، عندما أرسلت قيادة الحرس الثوري الإيراني برقية باللغة الفارسية إلى وحدة أمنية عسكرية موالية لإيران، تطالبها بإيجاد طريقة للتواصل مع تنظيم “الدولة الإسلامية” عبر وجهاء قبائل أو بدو على صلة بالتنظيم في سورية، بهدف التوسط بين الطرفين لعقد صفقة مفيدة للجانبين.

وبالفعل تم التواصل مع شخص يدعى الشيخ علي أحمد العموري من بدو حماة، والمعروف بلقب “الأب الروحي” لشركة القاطرجي، ولديه تاريخ طويل في التوسط في الصفقات بين الميليشيات التابعة لإيران وتنظيم داعش، ووفقاً لمصادر المرصد السوري فقد تم استدعاء العموري إلى دير الزور في 22 نيسان/أبريل 2021 من قبل صديقه القديم العميد أحمد إبراهيم الخليل، قائد فرع الأمن العسكري في دير الزور، وطلب الخليل من صديقه تأمين اجتماع بين التنظيم والحرس الثوري الإيراني في مكان يتم الاتفاق عليه لاحقاً.

وفي غضون 10 أيام تقريباً، وتحديداً بتاريخ 3 مايو 2021 أبلغ العموري صديقة العميد بأن التنظيم قبل عرض الاجتماع على أن يجري في 20 أيار 2021 في عمق البادية السورية بين منطقتي كباجب والسخنة.

مكان الاجتماع في بادية منطقة كباجب بالقرب من السخنة: https://goo.gl/maps/RcvgiDtRNg473QCF9

 

 

الحاج دهقان يترأس الاجتماع

تطبيقاً للاتفاق المسبق عقد الاجتماع بالتاريخ المتفق عليه وترأسه قائد فرع الأمن العسكري في دير الزور، بينما أرسل الحرس الثوري الإيراني قائده الحاج دهقان للقاء ممثل تنظيم “الدولة الإسلامية” ويلقب “أبو البراء”، وتمحور الاجتماع حول ملف التعاون بين الطرفين، حيث اقترح الحاج دهقان على أبو البراء أن يتعاون الجانبين من أجل الحفاظ على سوريا مزعزعة للاستقرار في سبيل تحقيق مصالحهم المتبادلة، وعرض دهقان على وفد التنظيم إمدادهم بالأسلحة والذخيرة وتأمين مرورهم المحمي إلى مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية مقابل الحد من هجمات التنظيم على قوافل الميليشيات الإيرانية التي كانت تشل تحركات الميليشيات في البادية ولاسيما بادية محافظة دير الزور.

وبعد ما يقارب 3 أسابيع، التقى وفداً الحرس الثوري الإيراني وتنظيم “الدولة الإسلامية” مرة أخرى في 9 حزيران/يونيو 2021 في نفس الموقع ضمن البادية، هذه المرة، طرح أبو البراء شرطاً أساسياً لتحقيق الاتفاق بين الطرفين، وتمثل بمعلومات تفصيلية حول سجن غويران والمنطقة المحيطة به ضمن مدينة الحسكة والذي يضم سجناء من قيادة وعناصر التنظيم ضمن مناطق قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة لضمانات حول المرور الآمن لمقاتلي التنظيم إلى المناطق التي تسيطر عليها قسد، حتى يتمكنوا من التخطيط والتدريب وتنفيذ عملية “سجن غويران” الشهيرة بعد أشهر قليلة من الاجتماع هذا، ولاقت طلبات التنظيم موافقة من الجانب الإيراني، وتم وضع خطط للحفاظ على الحوار المستمر بين “الأعداء السابقين المتعارضين أيديولوجيا”، وكل ذلك تم تسهيله تحت العين الساهرة للعموري.

وفي غضون أيام، سلم الإيرانيون ملفات مفصلة من المعلومات حول سجن غويران والمنطقة المحيطة به، بما في ذلك نقاط التفتيش التابعة لقوات سوريا الديمقراطية والدوريات والطرق وهي معلومات كان من المستحيل على التنظيم جمعها نظرا للقيود الأمنية المشددة بشكل متزايد في المنطقة هناك.

ومنذ ذلك الحين، تضاءلت هجمات التنظيم على الميليشيات التابعة لإيران بشكل لافت جداً، في حين زادت هجمات التنظيم على قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات، ووفقاً لمصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان فإن القوات الإيرانية عمدت منذ تموز/يوليو 2021 إلى تأمين مرور أكثر من 500 من مقاتلي التنظيم المدربين تدريبا عالياً إلى مناطق قسد.

مفاوض الحرس الثوري الإيراني مع داعش، الحاج دهقان

“الميسر” – الشيخ علي أحمد العموري (يمين) جمع داعش والحرس الثوري الإيراني معا

 

الطريق إلى غويران
تمكن المرصد السوري لحقوق الإنسان من الكشف عن أن أحد الطرق الرئيسية التي سلكها تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الحسكة لتنفيذ عملية سجن غويران الشهيرة، وهو نهر الخابور الذي مكن التنظيم من تجاوز العديد من نقاط التفتيش التابعة لقوات سوريا الديمقراطية في طريقه إلى وسط المدينة، ففي الليلة التي سبقت الهجوم على السجن، تم إيواء مقاتلي داعش في ساحة أمنية تابعة للميليشيات الإيرانية من أجل التحضير للعملية. وتشير مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن السيارة المفخخة التي استخدمت في الهجوم على السجن حينها جاءت من ذات “منطقة الحماية”.

وفي أعقاب عملية سجن غويران، قام الحرس الثوري الإيراني بإجلاء ما يقارب 200 شخص، معظمهم من الهاربين من السجن ومقاتلي وقيادة التنظيم الفارين، ولم يتبق هناك سوى عدد قليل من مقاتلي التنظيم لمواصلة شن المزيد من الهجمات على قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولة، وتعد عملية غويران إعلان رسمي بين الطرفين على التحالف الغير معلن لتحقيق المصالح المشتركة بينهما.

استخبارات الميليشيات تنقذ التنظيم من حملة أمنية للتحالف

في منتصف العام 2023 تقريباً، أخبرت الميليشيات الإيرانية قيادات في تنظيم “الدولة الإسلامية”، بأن معلومات استخبارتية وصلت لهم تفيد بأن التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية سوف تنفذان حملة أمنية جديدة ضدهم شرق الفرات خلال الأيام المقبلة، وعلى ضوء ذلك انسحب قسم كبير من خلايا التنظيم من شرق الفرات بمساعدة الميليشيات التابعة لإيران نحو البادية، وذلك بعد وصول برقية داخلية للتنظيم حصل عليها المرصد السوري لاحقاً، كانت (بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير 2023) تأمر العناصر بالابتعاد عن مناطق قوات سوريا الديمقراطية قبل وقت قصير من بدء قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف حملة كبيرة ضد داعش في شرق الفرات.

برقية داخلية لتنظيم الدولة الإسلامية تأمر بالانسحاب من مناطق قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات

 

طرقات محمية
على مدى العامين الماضيين، تمكن تنظيم “الدولة الإسلامية” وبحماية الميليشيات التابعة لإيران من إنشاء شبكة واسعة من الطرق المحمية في مناطق سورية متفرقة، مكنته من تنفيذ عملياته بسهولة لم يكن ليحظى بها لولا الاتفاق مع الميليشيات، وتشمل هذه الشبكة معبرا مائيا استخدم أثناء التخطيط لتنفيذ الهجوم على سجن غويران، ويقع بين مناطق قوات سوريا الديمقراطية والميليشيات موضحاً بالصورة أدناه، استخدم التنظيم هذا المعبر لنقل المقاتلين داخل وخارج منطقة القتال، كما قام أيضاً بإجلاء الهاربين من السجن منه، ومنذ ذلك الحين يعتبر هذا المعبر المهم حلقة وصل حاسمة لنقل مقاتلي التنظيم حيث يقع المعبر على بعد بضعة كيلومترات فقط من منطقة آمنة للتنظيم في بادية الزباري الوعرة والتي تعتبر مثالية للتحركات السرية لتنظيم “الدولة الإسلامية”.

المساحة التقريبية لمعبر داعش المائي في البصيرة والشهيل (https://goo.gl/maps/4bvr1BBsHitL8TqX8)

 

منطقة نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية في بادية الميادين “بادية الزباري” (https://goo.gl/maps/BYs2F8oT3dLyttPS9)

اعتراف مبطن بالاتفاق
في دراسة أجراها نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان لوتيرة هجمات تنظيم “الدولة الإسلامية” ضد قوات النظام والميليشيات الإيرانية وقوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف في البادية ودير الزور منذ عام 2021، تبين أن الهجمات ضد القوات الإيرانية ووكلائها قد انخفضت بشكل كبير وذلك وفقاً لرواية التنظيم، مما يؤكد حقيقة الاتفاق بين أبو البراء وأحمد إبراهيم الخليل في أيار/مايو 2021، حيث أن حتى الأرقام المبالغ فيها لمجلة النبأ، مجلة التنظيم الرسمية، تشير إلى انخفاض كبير في الهجمات ضد الميليشيات الإيرانية، مقابل تصاعد في الهجمات ضد قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف.

وبالطبع كان هناك هجمات من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” على الميليشيات التابعة لإيران في البادية، لكن ذلك يعود لسببين اثنين، الأول هو وجود عناصر من التنظيم لا يمكن السيطرة عليها يقومون بشن هجمات أحادية الجانب، والسبب الآخر هو ضرورة الحفاظ على وتيرة منخفضة من الهجمات لاسترضاء جمهور التنظيم بذات الوقت.

وتشير توثيقات المرصد السوري، إلى تنفيذ تنظيم “الدولة الإسلامية”، أكثر من 200 عملية ضمن مناطق قسد والتحالف خلال العام 2022 الفائت، تمت عبر هجمات مسلحة واستهدافات وتفجيرات، وأسفرت عن مقتل 307 شخص، هم: 58 مدني بينهم طفل و2 نساء، و249 من قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي والدفاع الذاتي وتشكيلات عسكرية أخرى عاملة في المنطقة، من ضمنها عملية سجن غويران الشهيرة.

مقابل ذلك، وخلال الفترة ذاتها، نفذ التنظيم نحو 100 عملية في البادية، لم تستهدف الميليشيات الإيرانية خلالها بشكل مباشر إلا بست عمليات فقط لا غير، قتل خلالها 27 من الميليشيات 2 منهم من زينبيون و4 من فاطميون والبقية من الجنسية السورية.

الخاتمة
بعد ظهور الحقائق هذه والمدعومة بوثائق هل سيتمكن تنظيم “الدولة الإسلامية” وشركائه في الحرس الثوري الإيراني، من الحفاظ على التمثيلية؟ وكيف سينظر للأمر عناصر الميليشيات وجمهورهم، الذين خاطروا بحياتهم وتخلوا عن عائلتهم بهدف القتال مع الميليشيات، وكيف ستكون ردة فعل عناصر التنظيم أيضاً؟ كل هذه التساؤلات تبقى أجوبتها معلقة بقادم الأيام.

ففي الوقت الذي يحاول الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني إقناع المجتمع السوري بنواياهم “الشريفة”، تظهر مجدداً نوياهم الخبيثة للعلن مؤكدة ما أشار إليه المرصد السوري لحقوق الإنسان مراراً وتكراراً بأن هذه الميليشيات هدفاً استغلال تواجدها في سورية لتحقيق مصالحها الشخصية ولا يمكن إيجاد حلول لإنهاء المأساة السورية بدون إخراجهم من البلاد، فكيف يمكن للمواطن السوري التعايش مع وجودهم وهم أقل ما يفعلونه التعاون مع تنظيم تفنن بقتل السوريين كتنظيم “الدولة الإسلامية”، ناهيك عن الانتهاكات المرتكبة من قبل هذه الميليشيات بحق السوريين.

إن المرصد السوري لحقوق الإنسان، يؤكد بأنه مستمر بالعمل لفضح ممارسات الميليشيات التابعة لإيران وتنظيم “الدولة الإسلامية” حتى الوصول إلى سورية خالية من إرهابهم، دون التراجع عن حق السوريين بمحاسبة جميع المتورطين بما آلت إليه الأوضاع في سورية.