بصيص أمل في سورية

طالت أسوأ أزمة إنسانية في عصرنا أكثر مما ينبغي، تأثّر خلالها ملايين السوريين وعايشوا العنف والدمار والتشريد، حيث أضحى أربعة من بين كل خمسة سوريين يعيشون تحت خط الفقر. ومنذ بداية الأزمة في آذار (مارس) 2011، قُتل مئات الآلاف وجرح أكثر من مليون شخص، واضطر نصف السكان تقريباً لترك بيوتهم ولجأ بعضهم إلى دول الجوار، كما دُمِّرت المدارس والمستشفيات وتحوّلت البنى التحتية إلى ركام، وتسرّب أكثر من مليوني طفل ومراهق من مدارسهم.

في بلدٍ عُرف تاريخياً بأنه «مهد الحضارة»، يُستخدم حصار المدن والبلدات باضطراد كأحد أساليب الحرب من جانب الأطراف المتصارعة. ففي هذا البلد العريق، وبعد مرور خمس سنوات على أزمته، يُحاصَر ما يقرب من نصف مليون شخص في مدنهم وبلداتهم من جانب أطراف الصراع، محرومين من وصول المساعدات الإنسانية الأساسية التي تساعدهم على البقاء أحياء، كما يعيش ملايين آخرون في مناطق أخرى نادراً ما تصل إليها المساعدات. وتتسم أيضاً هذه الأزمة الكارثية بارتكاب انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، كحالات الإعدام بإجراءات موجزة والاعتقالات التعسفية.

من الجدير ذكره هنا، الاتفاق التاريخي الذي تم التوصّل إليه خلال لقاء ميونيخ في 12 شباط (فبراير) الماضي، حيث تم الاتفاق على وقف الأعمال العدائية، وكذلك على تسريع إيصال المساعدات إلى من هم في أشد الحاجة إليها. وعلى رغم بعض انتهاكات وقف الأعمال العدائية، فقد سرى الاتفاق بالعموم في شكل جيد حتى الآن، وشكّل بصيص أمل لملايين السوريين بعودة الأمن والأمان، وقال البعض لنا مراراً وتكراراً أن كل ما يريدونه هو الأمان وحماية أسرهم من عنف الحرب التي طال أمدها، ففي أجزاء من سورية انعكس وقف الأعمال العدائية مباشرة على نواحي حياة الناس كافة في الشوارع والأسواق والمدارس والجامعات، وعاد الأطفال يلعبون في الحدائق العامة.

كما ينبغي علينا جميعاً في هذه اللحظة، تقييم ما أنجزناه خلال الأزمة وما لم نتمكن من إنجازه، حيث عملت الأمم المتحدة بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري والمنظمات غير الحكومية، خلال السنوات الخمس الماضية، على تقديم الخدمات الصحية والأدوية والمواد الغذائية والمياه النظيفة والمأوى وخدمات الصرف الصحي للملايين. وكانت تكلفة هذا العمل باهظة الثمن بالنسبة إلينا والى شركائنا، حيث فقد 85 في المئة من العاملين في المجال الإنساني حياتهم خلال تأديتهم الواجب. ونود الإشارة هنا، إلى أن السوريين أنفسهم لعبوا دوراً قيادياً في تخفيف معاناة المحتاجين باعتبارهم مستجيبين أوليين على الأرض أو عبر استضافتهم إخوتهم السوريين الفارين من مناطق الصراع على رغم ظروفهم الصعبة.

ونظراً الى الزخم الذي بدأ في ميونيخ، بين أيدينا اليوم كمنظمات تابعة للأمم المتحدة فرصة لا تفوّت، حيث نعمل وبالتعاون مع الشركاء على تكثيف نشاطاتنا من أجل الوصول إلى جميع المحتاجين بانتظام ومن دون قيد أو شرط أو عوائق، وهنا نرى أنه يجب رفع الحصار والسماح للناس بحرية الحركة، ويجب أيضاً الحفاظ على وقف الأعمال العدائية والتقيد بذلك تماماً، وإعطاء الأولوية للعملية السياسية من أجل تحقيق نهاية حقيقية للأعمال العدائية.

علينا أن نتيح الفرصة ونعمل سوياً لكي يستعيد الشعب السوري كرامته وأمنه، ويعيد بناء وطنه.

* كيفن كينيدي هو المنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية،

ويعقوب الحلو هو الممثل المقيم للأمم المتحدة في سورية ومنسق الشؤون الإنسانية.