بعد أعمال العنف ضد اللاجئين السوريين في تركيا… من ينزع فتيل الأزمة؟

279

لقي سبعة أشخاص على الأقل حتفهم إثر اندلاع احتجاجات شارك فيها المئات بمناطق نفوذ أنقرة شمالي سوريا، حسبما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، وذلك على خلفية اعتداءات استهدفت لاجئين سوريين وممتلكاتهم في تركيا.

ومساء الأحد، اندلعت أعمال عنف بعد اعتقال سوري للاشتباه في تحرشه بطفلة، استهدف فيها مجموعة رجال متاجر وممتلكات تابعة لسوريين في ولاية قيصري التركية.

وأظهرت عدة مقاطع فيديو تم تداولها بكثافة على منصات التواصل وتأكدت وكالة الأنباء الفرنسية من صحتها، رجالا يحطمون نافذة محل بقالة يُزعم أنه بإدارة تجار سوريين، قبل إضرام النار فيه.

وفي إحدى التسجيلات، سُمع صوت رجل تركي وهو يصرخ: “لا نريد المزيد من السوريين. لا نريد المزيد من الأجانب”.

في ظل هذه التوترات، دعت السلطات المحلية إلى التهدئة وكشفت بأن الضحية طفلة سورية تبلغ من العمر خمس سنوات.

من جانبه، قال وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا إن مواطنين أتراكا ألقوا القبض على المشتبه به السوري وسلموه للشرطة. وذكر يرلي كايا على منصة “إكس” بأنه على الأرجح بأن المشتبه به تحرش بقريبته السورية.

 

“أحداث استثنائية لا ينبغي تعميمها على كل الأتراك”

تعقيبا، قال علي أسمر صحافي ومحلل سياسي مختص بالشؤون التركية في تصريحات لفرانس24، إن الاعتداءات التي طالت السوريين في تركيا ليست الأولى بل “شهدنا على مدار أكثر من عشر سنوات مثل هذه الأحداث المؤسفة بين الحين والآخر”.

لكن أسمر أكد على أنها تبقى “أحداثا استثنائية” لا ينبغي تعميمها على كل الأتراك، مشيرا إلى أن بلاده تمكنت مع السوريين من تجاوز تلك “الفتن والمحن” في كل مرة، مضيفا: “لاحقا، تمكن السوريون من متابعة حياتهم ونشاطهم التجاري في تركيا” من دون أي إشكالات.

 

توقيف مئات الأشخاص في أحداث مدينة قيصري التركيةوقال محدثنا أيضا: “لقد تم فتح تحقيق بملابسات الحادثة وعلى إثرها تم اعتقال عدة أشخاص بالإضافة إلى اعتقال بعض أصحاب الحسابات المحرضة على مواقع التواصل الاجتماعي”.

والثلاثاء، أوقفت الشرطة التركية على خلفية أعمال العنف ضد السوريين 474 شخصا، حسبما أعلن وزير الداخلية علي يرلي كايا على موقع “إكس”، قائلا إنه قد “تم توقيف 474 شخصا بعد الأعمال الاستفزازية” التي نفذت ضد سوريين في تركيا.

وتداولت حسابات تركية عدة تغريدات تدعو إلى التهدئة بين “الأشقاء” ونددت بسلوكات بعض “العنصريين” الأتراك.

فقد نشر حساب الناشطة التركية إسراء أردوغان تغريدة الثلاثاء تظهر مقطعي فيديو لشخص تم توقيفه من السلطات، يرجح أن كان قد هدد بسكين وألفاظ نابية رعايا عرب متواجدين في تركيا، على خلفية الأحداث الأخيرة.

 

“أحزاب عنصرية” تقوم بتغذية خطاب الكراهية

بدوره، أدان الرئيس رجب طيب أردوغان موجة العنف الأخيرة ضد اللاجئين السوريين وقال إنه و”بغض النظر عن هوياتهم، فإن إضرام النيران في الشوارع وفي المنازل هو أمر غير مقبول”، مشددا على وجوب عدم استخدام خطاب الكراهية لتحقيق مكاسب سياسية.

في هذا الصدد، يوضح علي أسمر بأن عدة شخصيات ومسؤولين أتراكا قد نددوا بما حدث، وعلى رأسهم الرئيس أردوغان الذي أدان “هذه التصرفات العشوائية متهما بعض الأحزاب التركية العنصرية بتغذية خطاب الكراهية تجاه الأجانب”.

وقال أسمر إن الوضع الآن يتجه نحو التهدئة قائلا: “حاليا تمت السيطرة على هذه الأحداث ومسببي تلك الاعتداءات. كما تم فتح تحقيق آخر في شمال سوريا حول ما حصل من أحداث عنف عشوائية تجاه القوات التركية”.

 

اشتباكات مع قوات تركية في عفرين

وعلى الجانب السوري من الحدود، أثار ما تعرض له اللاجئون في تركيا موجة غضب عارمة وعنفا داميا. وأشار المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى وقوع اشتباكات بالأسلحة الرشاشة بين متظاهرين مسلحين وعناصر من القوات التركية أمام مبنى السرايا في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي، وفق ما نقلت عنه الأنباء الفرنسية.

وقال مدير المرصد رامي عبد الرحمن إن “حصيلة القتلى بلغت سبعة، ستة منهم قتلوا في مدينة عفرين وآخر في جرابلس، قضوا في تبادل إطلاق نار مع حرس نقاط تركية” خلال احتجاجات الإثنين. ولم يحدد المصدر ما إذا كان القتلى مسلحين أم لا. وأكد مصدر طبي في شمال سوريا هذه الحصيلة.

كما أفاد المرصد عن إغلاق تركيا أربعة معابر حدودية في شمال سوريا بعد هذه الأحداث.

وحاول محتجون اقتحام نقاط تركية وقاموا بإنزال أعلام تركية، وفق المرصد، ورد عليهم حرس النقاط “بإطلاق النار لتفريقهم” في مدينة الأتارب وبلدة الأبزمو في ريف حلب الغربي.

 

“خلط الأوراق… وتقارب مبدئي مع النظام السوري”

يعلق أسمر في هذا الصدد: “أعتقد أن ما حصل في مدينة قيصري وفي الشمال السوري هدفه خلط الأوراق بين تركيا وسوريا بالإضافة إلى تغير الأولويات التركية المتمثلة بمحاربة حزب العمال الكردستاني في هذا الصيف. خاصة وأن هذه الأحداث أتت بعد تقارب مبدئي بين الحكومية التركية والنظام السوري بخصوص التعاون بمكافحة الإرهاب. لا ينبغي أن ننسى، بأن تركيا هي دولة مؤسسات ولن تسمح لبعض الأشخاص بالعبث بأمنها واستقرارها”.

فعليا، جاءت هذه الأحداث بعدما تحدث أردوغان الجمعة عن إمكانية عقد لقاء مع بشار الأسد، معتبرا أن الأمر “ليس مستحيلا”. وقال الرئيس التركي إنه لا يستبعد احتمال عقد اجتماع مع نظيره السوري لمساعدته في استعادة العلاقات الثنائية بين البلدين، حسبما نقلت وكالة رويترز.

 

رامي عبد الرحمن: “جهات تحاول نزع فتيل الأزمة”

في هذا الإطار، يضيف رامي عبد الرحمن أن “تفاقم الممارسات العنصرية تجاه اللاجئين السوريين في تركيا مؤخرا” كان بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير”، لكنه يرى بأن “انتفاضة الشمال السوري ضد الأتراك” تأتي أيضا في سياق “قضية الحوار ما بين النظام السوري والأتراك وتحديدا الرئيس رجب طيب أردوغان، وهذا كان من أحد تداعياته اندلاع هذه الانتفاضة” مؤخرا.

ودعمت تركيا مجموعات معارضة للنظام السوري مع بداية الحرب الأهلية في 2011، لكنها تسعى الآن إلى إعادة بناء العلاقات مع دمشق، في حين تربط دمشق أي استئناف للعلاقات مع أنقرة بانسحاب القوات التركية من شمال سوريا.

لكن وعلى الرغم من هذه التوترات العنيفة والصدامات والتصعيد، فقد لفت مدير المرصد إلى أن هناك في “تركيا من السوريين من يفتي بأن الأتراك هم إخواننا وأحبابنا، حتى إن هناك من السوريين من يقول إنه يريد القتال مع الأتراك إلى آخر رمق. أي أن لدى تركيا مشايخ وقادة مقاتلين يدافعون عن مصالحها في الأراضي السورية”.

وأضاف عبد الرحمن: “الآن، هناك من يعمل من جماعة الإخوان المسلمين أو ما يعرف بالمجلس الإسلامي، على محاولة نزع فتيل أزمة المظاهرات بالإضافة إلى قادة الفصائل العسكرية الذين قاموا برفع أعلام تركية بدلا عن تلك التي أحرقت وأنزلت من قبل السوريين. الأمر يتعلق بمدى قدرة هذه الجهات بما في ذلك الفصائل على سحب فتيل الانتفاضة ضد الأتراك في الأراضي السورية”.

ويلحظ محدثنا خصوصا وجود “مخاوف حقيقية لدى تركيا” من تداعيات هذه الأزمة ما “دفعها إلى قطع الإنترنت عن مناطق في الشمال السوري وإغلاق المعابر”.

يذكر أن مظاهرات السوريين شملت أيضا مناطق في إدلب المجاورة تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” وفصائل متحالفة معها، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن المرصد.

وسيطرت تركيا في 2016 مع فصائل سورية موالية لها على مراحل إثر عمليات عسكرية عدة، على مناطق حدودية في شمال سوريا.

ويبقى مصير اللاجئين السوريين مسألة جدلية بالسياسة التركية فيما تعهد معارضو أردوغان في انتخابات العام الماضي إعادتهم إلى بلادهم.

المصدر: فرانس 24