بعد أن فقدوا الأمل بالعودة إليها…نازحون يبيعون منازلهم وأراضيهم الواقعة تحت سيطرة النظام بربع قيمتها 

بعد مرور أكثر من عامين ونصف على نزوح المواطنين من قراهم وبلداتهم ومكوثهم في مخيمات الشمال السوري، عكف العديد من هؤلاء لببيع منازلهم وأراضيهم الزراعية الواقعة ضمن مناطق سيطرة قوات النظام وذلك من أجل بناء منازل سكنية بديلة عن الخيام وتأمين تكاليف المعيشة.
مصادر محلية قالت لـ”المرصد السوري” أن عملية بيع المنازل ظهرت بشكل فعلي منذ بداية العام الجاري 2021، إذ يقوم بعض النازحين ببيع منازلهم وأراضيهم الزراعية بأسعار منخفضة بسبب حاجتهم لثمنها لتحمل أعباء النزوح وللانتقال لمنازل اسمنتية بعد أن أرهقتهم المعيشة داخل الخيام التي لا ترد برد الشتاء ولا حر الصيف، ويقوم بشراء هذه العقارات أشخاص نازحون ميسوري الأحوال المادية على أمل أن يعودوا من جديد لتلك المناطق، كما يقوم بشرائها بعض المتواجدين في تركيا، بالإضافة أشخاص متواجدون مناطق سيطرة النظام.
المصادر أكدت، أن عملية البيع تجري بشكل مختلف عن البيع المعتاد فالبائع يقدم دلائل على ملكيته للعقار ومواصفاته وتجري غالبية حالات البيع بالتنسيق مع مكاتب عقارية وضمن عقود رسمية لضمان الحقوق مستقبلاً، ويتراوح سعر الدونم الواحد من الأرض ما بين مليون وخمسة ملايين ليرة سورية، بينما تختلف أسعار المنازل وذلك بحسب مساحتها ومواصفاتها ولا ترقى إلى نصف قيمتها الحقيقية.
الشاب ( س.م ) من منطقة جبل شحشبو في ريف حماة الغربي ويقطن في منطقة دركوش في ريف إدلب الغربي ضمن منزل إيجار، في شهادته لـ”المرصد السوري” يقول، أنه يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد ويقطن في منزل إيجاره الشهري نحو 50 دولار أمريكي، ولم يعد قادراً على تحمل المزيد من الأعباء فلا مصدر دخل لديه سوى عمله على سيارته التي تعمل في النقل الداخلي.
مضيفاً، أنه باع دونمين من أرضه الزراعية المتواجدة ضمن قريته بمبلغ مليوني ليرة سورية للدونم الواحد، ليبني منزل صغير في أحد المخيمات الواقعة على أطراف بلدة أرمناز في ريف إدلب الشمالي، وتم البيع لأحد النازحين الذي يقطن هو الآخر في مخيمات الشمال السوري.
ويشير (س.م) أخيراً أنه لم يكن يتصور في يوم من الأيام أن يبيع أرضه التي ورثها عن والده لكن الحاجة هي ما دفعته لذلك بعد أن طالت مدة النزوح ولا بوادر لوجود حل قريب يعيد النازحين لقراهم وبلداتهم.
كذلك حال ( م.ع ) من بلدة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي الذي باع منزله بأقل من نصف سعره الحقيقي وذلك بعد أن تراكمت عليه الديون ولم يعد قادراً على تأمين مصروفه اليومي، وعن ذلك يتحدث لـ”المرصد السوري” قائلاً: إن منزله يتألف من أربعة غرف وقبو أرضي ومجهز بأحدث التجهيزات من رخام وحجر وتمديد صحي، وكان يقدر سعره بأكثر من 18 ألف دولار أمريكي.
مضيفاً، أنه باعه لأحد أقاربه بسعر 4500 دولار أمريكي فقط، ويقطن حالياً في منزل قام ببنائه في منطقة دير حسان في ريف إدلب الشمالي بعد أن كان يقطن ضمن المخيمات، ولم يتبقى لديه سوى قطعة أرض مشجرة بأشجار الزيتون ولا يستبعد أن يقوم ببيعها في حال استمر الوضع على ما هو عليه لفترة أطول.
ويؤكد أن هناك الكثير ممن يلجؤون لبيع عقاراتهم ضمن مناطق سيطرة النظام بعد أن ضاقت بهم السبل في ظل انعدام فرص العمل وغلاء أسعار المعيشة وتقاعس المنظمات الإنسانية عن تقديم المساعدات اللازمة.
ويتحدث بدوره ( خ.م) وهو صاحب أحد المكاتب العقارية في ريف إدلب الشمالي في شهادته لـ”المرصد السوري” قائلاً: إن عمليات بيع عقارات النازحين تسارعت وتيرتها في الآونة الآخير جراء شعور الكثير منهم بفقدان الأمل بالعودة إليها مجدداً، وينحصر دور المكتب العقاري في تنظيم عملية البيع لضمان حق الطرفين، حيث يقوم البائع بتحديد عقاره عن طريق الدلائل الثبوتية إن وجدت وإلا فيكتفي بجلب شهود وتقديم وثائق مرئية تثبت صحة ملكيته للعقار. 
مضيفاً، غالباً ما تختلف أسعار العقارات بين المناطق حيث تعد المناطق البعيدة عن خطوط التماس أكثر سعراً، وبعد الاتفاق بين الطرفين على السعر يتم تنظيم العقد بشكل رسمي بينهما، وبسبب انخفاض أسعار العقارات فقد ظهر العديد من التجار ممن يستغلون ذلك لشراء عدد كبير من العقارات.
ويؤكد بدوره أنه لا أحد يرغب ببيع ممتلكاته التي عمل عليها سنوات حياته ويأتي الكثير منهم مجبراً على البيع بسبب ظروفهم المعيشية المتردية، فمنهم من يرغب بالانتقال لمنزل بدل الخيمة ومنهم من يرغب بالخروج إلى تركيا أو دول أوروبا ومنهم من يسعى لتأمين مصروف عائلته اليومي.
ويوضح (خ.م) أن معظم عمليات البيع تجري عن طريق المكاتب العقارية وبعضها يتم بالتراضي بين الطرفين دون تدخل المكتب العقاري لاسيما عمليات البيع التي تجري لأشخاص خارج منطقة إدلب وريفها، ومع الأسف فإن الأسعار زهيدة جداً فرضتها حاجة النازحين للبيع وعدم التأكد من إمكانية العودة مجدداً للمناطق.
يجدر الذكر أن العملية العسكرية التي شنتها قوات النظام والميليشيات المساندة له بين العامين 2019 و 2020 تسببت بنزوح قرابة المليون نسمة من مناطق متفرقة من أرياف حلب وحماة وإدلب، ويقطن غالبيتهم ضمن مخيمات النزوح التي تفتقد لأبسط مقومات الحياة.