بعد الحديث عن مشروع “العودة الطوعية” من تركيا.. هروب جماعي للاجئين السوريين في تركيا إلى أوروبا 

مع تزايد حملات العنصرية و”خطاب الكراهية” بفعل بعض المسؤولين الأتراك ضد اللاجئين السوريين والتهديد المستمر بترحيلهم قسراً إلى الشمال السوري، تزايدت مؤخراً حالات الهجرة من تركيا إلى عدة بلدان أوروبية بحثاً عن مكان للاستقرار الآمن بعد أن شعر اللاجئون السوريون بخذلان الحكومة التركية لهم ومحاولتها التملص من تعهداتها بحمايتهم، بعد أن استقبلتهم في السنوات الأولى للثورة السورية.
ولم تتوقف على مدار السنوات الماضية الهجرة عبر البر والبحر والجوي سواءً عبر الطرق الرسمية أو طرق التهريب، رغم التشديدات الأمنية التي تتخذها السلطات التركية منعاً لعبور اللاجئين السوريين عبر طرق التهريب إلى الدول القريبة مثل اليونان التي تعد المحطة الأهم بالنسبة لللاجئين المهاجرين من تركيا، حيث حصل المرصد السوري لحقوق الإنسان على معلومات تفيد بأن هناك ما بين 300 إلى 500 محاولة دخول إلى اليونان بحراً وبراً وجواً.
وعن طرق التهريب وتكاليفه والأسباب التي تدفع بالسوريين لمغادرة تركيا يتحدث للمرصد السوري لحقوق الإنسان (ب.ع) وهو أحد الأشخاص العاملين في مجال التهريب، قائلاً، إن أكثر من يهاجرون من تركيا هم فئة الشباب من الذكور والإناث رغبة منهم في البحث عن مستقبل أفضل بعد القرارات التي صدرت من الجانب التركي وقيدت من حرية اللاجئين وضيقت عليهم لحد كبير، حيث يضطر هؤلاء للمخاطرة وخوض غمار الهروب.
مضيفاً، في الغالب لا يتوقف هؤلاء عند محطة اليونان بل يحاولون من خلالها بعد وصولهم أن ينطلقوا إلى دول أخرى مثل هنغاريا وبلغاريا وصولاً إلى ألمانيا بهدف الاستقرار هناك ومنهم من يذهب لدول أخرى على حسب إمكانيات كل شخص وما يتوفر لديه من أقارب أو أصدقاء في تلك الدول، أما طرق التهريب “الغير شرعية” فهي إما براً أو بحراً وتختلف تكاليفها ما بين فترة وأخرى بناءً على مدى وجود تشديدات تركية ولكن بشكل عام هناك صعوبة بالغة وقد تكرر عملية المحاولة عدة مرات حتى تنجح مجموعة في الهروب.
أما عن تكاليف طرق التهريب فيوضح، بأن التكلفة للشخص الواحد تتراوح مابين 3500 إلى 4500 آلاف دولار، وهي تكاليف تعتبر كبيرة لكنها ضرورية فهي تقسم على عدد من الأشخاص المتعاونين في عملية التهريب سواءً كانت عبر البر أو البحر، وتتم عملية دفع التكاليف بعد الوصول بأمان إلى اليونان أو أي دولة أخرى، ورغم التكاليف الباهظة إلا أن هناك طلب كبير على الهجرة والخروج من تركيا.
ويوضح بأن البحث عن فرص عمل جيدة أو الاستفادة من الخدمات التي تقدمها دول الإتحاد الأوروبي للاجئين هو من أبرز الأسباب المشجعة على الهروب، ثم إن تركيا وبسبب كثرة أعداد اللاجئين فيها لم تعد تولي اهتماماً جيداً بهم وتفرض عليهم إجراءات مشددة فضلاً عن تقييدهم من التحرك والتنقل بين الولايات التركية ومؤخراً بدأت هذه الإجراءات بالتشدد أكثر.
ويلفت إلى أن غالبية من يفضلوا التوجه لدول الإتحاد الأوروبي مثل اليونان وألمانيا وفرنسا وغيرها، و لا يفكرون بالعودة من جديد إلى تركيا أو سوريا ويبدأون هناك حياة جديدة أفضل بكثير من وجودهم في تركيا التي لم تعد مريحة بالنسبة لهم فهم معرضون للعنصرية والتنمر والاعتداء ولا يعاملون بشكل جيد من قبل شريحة واسعة من الشعب التركي.
مؤكداً، استمرار حركة الهجرة وتزايدها إلى الآن وأن عشرات الأشخاص يتواصلون معه يومياً لمساعدتهم في الهروب، ويتوقع أن تزداد حالات الهجرة بحال طبقت تركيا قرارها بترحيل اللاجئين السوريين إلى الشمال السوري وتوطينهم في المخيمات التي تفتقر أساساً لأدنى مقومات الحياة.
بدوره يتحدث الناشط (م.أ) للمرصد السوري لحقوق الإنسان، عن وجهة نظره بظاهرة الهجرة والهروب المتزايدة التي تشهدها تركيا لأعداد كبيرة من اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، إلى دول مختلفة مثل اليونان وألمانيا وبيلاروسيا وغيرها من الدول الأخرى، قائلاً، إنها دول تحترم حقوق اللاجئين وتساندهم وتقدر الأسباب التي دفعتهم للخروج من بلدهم كما أنها تقدم لهم جميع التسهيلات الممكنة لضمان استقرارهم وجعلهم مفيدين في الدول التي يلجأون إليها ولذلك نلاحظ كمية الإنجازات التي ينجزها السوريين في تلك البلدان على المستوى المعيشي والتعليمي، وهذا ما يدفع بفئة الشباب على وجه الخصوص بالتفكير بالهروب من تركيا.
ويضيف، لطالما لعبت تركيا على ورقة اللاجئين وجعلت منها شماعة لكسب المزيد من الدعم من قبل دول الإتحاد الأوروبي أو تحقيق مكاسب شخصية لها، وبذات الوقت هي لم تعد تتعامل معهم باعتبارهم ضيوف ولاجئين، ولهم جميع الحقوق حتى لو أظهرت ذلك إعلامياً، بل تتعامل معهم على اعتبارهم عبء كبير لابد من التخلص منه وقد فرضت عليهم الكثير من القرارات المجحفة وكان آخرها قرار ما يعرف باسم “العودة الطوعية” فاللاجئ الذي أسس نفسه وعمل بشتى المجالات وواجه كل الصعوبات على مدار سنوات عديدة لن يتقبل فكرة العودة إلى الشمال السوري ومن الطبيعي أن يبدأ بالبحث عن المكان الأفضل له ولعائلته.
ويتابع، حتى أن السوريين الحاصلين على الجنسية التركية لا يعاملون معاملة مواطنين أتراك بل مواطنون من الدرجة العاشرة، فهؤلاء لم يقصدوا الدول الأوروبية بشكل عبثي، بل بسبب ما عاشوه في تركيا من مضايقات. تتزايد يوماً بعد آخر حملات العنصرية و”خطاب الكراهية”، وحتى على مستوى فئة الشباب في الداخل السوري الذين يفكرون بالخروج، ولم يعودوا يضعوا تركيا كدولة للاستقرار بل أصبح طموحهم التوجه إلى الدول الأوروبية واعتبار تركيا فقط عبارة عن صلة وصل لا أكثر.
ويشير، إلى أهمية الهجرة بالنسبة لفئة الشباب بشكل خاص من تركيا وعدم البقاء تحت رحمة التعامل العنصري الذي يعانون منه، وأن يقضوا فترة لجوءهم التي فرضت عليهم قسراً أساساً بسبب الأحداث في سوريا في دولة تحترم حقوقهم وتحافظ على كرامتهم وتساعدهم على التقدم علمياً وإجتماعياً، وبذات الوقت عدم العودة إلى الشمال السوري الذي تحول لساحة تصارع بين الفصائل إلى جانب سوء الأحوال المعيشية.
الشاب (خ.س) ” 24 عاماً” ينزح منذ نحو ثلاث سنوات من منطقة سهل الغاب في ريف حماة الغربي ويقطن في احد مخيمات اطمة الحدودية، بعد محاولاته المتعددة لدخول الأراضي التركية عبر “طرق التهريب” قرر مؤخراً استخراج ما بتعرف باسم “بطاقة تاجر” التي تؤهله الدخول عبر معبر “باب السلامة” الحدودي دون مشاكل، بتكلفة تقدر بنحو 2300 دولار أمريكي، ويعتزم مواصلة طريقه إلى المانيا بعد وصوله تركيا بشكل مباشر.
وفي حديثه للمرصد السوري لحقوق الإنسان يقول، أنه لا يستعد للبقاء في تركيا حتى ليوم واحد، فمن يريد أن يكون له مستقبل وعمل جيد ودخل شهري إضافة لوجود دولة تحترم الإنسان فلا يتوجب عليه البقاء في تركيا، وقد اختار دولة ألمانيا لأنه يرى أنه هناك سيكون لديه متسع من الحرية للتعبير عن رأيه والإنجاز والتنقل بحرية وعدم تعرضه للعنصرية ونظرات الإزدراء.
مضيفاً، أنه يعمل ومتخصص في مجال “صناعة المحتوى” وإدارة الحملات الدعائية للشركات كما ان لديه مهارات أخرى مثل التصوير والمونتاج فضلاً عن إطلاق المبادرات للمساعدات الإنسانية، وعمله هذا سيكون مقيد في تركيا التي تراقب تحركات السوريين وعملهم ودون أي سبب من الممكن ان يتعرض اللاجئ للترحيل القسري، فلذلك اختار مواصلة الطريق بعد دخوله الأراضي التركية باتجاه ألمانيا.
مشيراً، أن هناك فئة واسعة من الشباب السوري اليوم يرغبون بالخروج من تركيا ولا يشعرون بالراحة فيها لكن ظروفهم المعيشية ووجود عائلاتهم لا يسمح لهم بالمغادرة، أما بالنسبة للتكاليف الباهظة وطرق التهريب التي عادة ما تكون محفوفة بالمخاطر فيرى أنه سيتحملها لأنه ينظر إلى تنفيذ هدفه بالوصول إلى أوروبا والخروج من الواقع المعاش في الشمال السوري.
وتشدد كل من تركيا واليونان والعديد من دول الإتحاد الأوروبي من إجراءاتها على الحدود منعاً لتدفق المزيد من اللاجئين نحو دول الإتحاد الأوروبي، حيث شهد العام الفائت 2021 العديد من إجراءات تحصين الحدود لاسيما لدى السلطات التركية والبولندية واليونانية والألمانية، حيث صرح وزير الدفاع البولندي” بتاريخ 23 آب/ أغسطس 2021 ان بلاده نشرت نحو 900 جندي على طول حدودها مع “بيلاروسيا” التي تزيد عن ” 419 كم” كما قامت ببناء سياج حديدي بارتفاع 2.5 م على طول حدودها مع “بيلاروسيا” منعاً لدخول اللاجئين عبر طرق التهريب.
ويشار بأن تركيا كانت الوجهة الأساسية لمئات آلاف اللاجئين السوريين منذ بداية الثورة السورية، وتضم تركيا نحو أربعة ملايين لاجئ سوري، حيث سهلت بداية دخول السوريين ثم بدأت بتشديد إجراءاتها على الحدود السورية لمنع تدفق المزيد، ومؤخراً تزايدت وتيرة خطابات الكراهية ضد اللاجئين السوريين التي تقودها بعض الأحزاب المعارضة ومسؤولين في الحكومة ما زاد من معاناة السوريين وخوفهم من الترحيل القسري لاسيما بعد قرار “العودة الطوعية” وما تسمى “المنطقة الآمنة”.

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد