بعد جريمة قـ ـتـ ـل.. عقوبة جماعية تستهدف لاجئين سوريين جنوب لبنان

تعرض لاجئون سوريون في لبنان لعقوبة جماعية جديدة تمثلت بطردهم من بلدتي عقتنيت والمعمرية في قضاء صيدا جنوب البلاد، إثر اتهام لاجئَيْن بارتكاب جريمة ذهب ضحيتها فتى يدعى إيلي متّى.

في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، عثر على ابن الـ 17 عاماً جثة مضرجة بالدماء، وفي اليوم التالي أصدرت قيادة الجيش مديرية التوجيه بيانا أكدت خلاله إيقاف دورية من مديرية المخابرات في بلدة عقتنيت السوري (أ.أ.) لإقدامه على قتل متّى بواسطة آلة حادة، لتعود وتؤكد توقيف السوري (ح.ع.) لاشتراكه في الجريمة، وبأن التحقيق بوشر من قبل القضاء المختص.

ما إن أعلن الجيش اللبناني عن تورط لاجئَيْن بمقتل متّى، حتى سارع شبان البلدة إلى الطلب من كل سوري متواجد فيها بمغادرتها قبل حلول الساعة الـ12 من منتصف الليل، كما أعلن شبان بلدة المعمرية تضامنهم مع بلدة عقتنيت، فأمهلوا اللاجئين السوريين 48 ساعة لمغادرتها هي الأخرى.

وكتب على حوالي 120 لاجئ يقيمون في بلدة عقتنيت حمل أمتعتهم وأغراضهم والانتقال إلى مكان يأويهم ولو بشكل مؤقت إلى حين تدبّر أمرهم، وبحسب ما قاله رئيس البلدية، ميشال يعقوب، فإن القرار لم تتخذه البلدية، بل شبان البلدة، إلا أنه يؤيده، مؤكدا مغادرة جميع السوريين للبلدة، كذلك أكد مختار بلدة المعمرية وديع كرم في حديث لموقع “الحرة” أن شبان البلدة هم من اتخذوا هذا القرار، رافضا التعليق على القضية.

ويشدد يعقوب لموقع “الحرة” على أن “تجاوزات السوريين لم تعد تحتمل، وقد وجد سكان البلدة فرصة لإجبارهم على الرحيل، إذ في السابق لم يتمكنوا من ذلك” مشيرا إلى أنه “نحن نقدم للنازحين كل شيء مجاناً، ماء وكهرباء ورفع النفايات وغيرها، في حين وصل بهم الأمر إلى مجادلتنا في حال نطقنا بكلمة، وكان ينقص فقط أن يستولوا على منازلنا والبلدة”.

وفيما يتعلق بدوافع الجريمة وكيفية قتل إيلي، أكد يعقوب أنها “وحدها القوى الأمنية هي المخمولة بالإفصاح عن ذلك، ولم نطّلع على تقرير الطبيب الشرعي، فالتحقيق في القضية لا يزال مستمراً”.

وكان تداول أن السبب خلف إقدام المتهمَين على قتل متّى هو كشفه لهما حين كانا يقومان بالسرقة، حيث تعددت الروايات بين سرقة منزل عائلة متّى وبين سرقة الخردوات المتواجدة أسفله، وبين طعنه 30 طعنة وبين ضربه بقطعة حديدية، والثابت الوحيد أن المتهم الرئيسي بالجريمة قام ووالدته بتعزية عائلة الضحية بعد وقوع الجريمة”.

خطاب تحريضي

ما إن وقعت الجريمة حتى برزت من جديد تصريحات تصفها منظمات حقوقية بالتحريضية والعنصرية، منها ما جاء على لسان رئيس الرابطة المارونية السفير خليل كرم، الذي أدان “الجريمة النكراء التي ارتكبت في حق متّى بدم بارد ووحشية غير مسبوقة”، معتبرا أن “هذه الجريمة، تزيدنا إصرارا على وجوب إيجاد حل سريع لملف النازحين السوريين في لبنان، لأنه يشكل خطرا على الأمن ويزعزع ركائز الاستقرار الداخلي، وتهديداً لهوية لبنان وطابعه الديموغرافي التعددي. وهو ما يجب أن تعرفه الدول التي ما زالت تضغط على لبنان لإبقاء النازحين على أرضنا ودمجهم في مجتمعنا”.

وبعد أن استنكر مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الأب، عبدو أبو كسم، الجريمة، قال خلال قداس الأحد في بلدة بيصور “بشاعة هذه الجريمة تعود لتؤكد أكثر فأكثر وجود حالة تفلت على صعيد الأمن الاجتماعي من خلال أعمال السرقة والتعدي على أملاك الناس من قبل نازحين سوريين. هذا الأمر يجعلنا نطالب الدولة بالإسراع في إنهاء هذا الملف وإعادة النازحين السوريين إلى ديارهم لكي نعيد التوازن الاجتماعي في بلدنا وقرانا، حيث نسمع كل يوم بجريمة من هذا النوع من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وهذا يشكل نوعاً من عدم الاستقرار الأمني ويوقع مزيداً من الضحايا الذين يدفعون أرواحهم ثمناً لمثل هذه الأعمال”.

وطالب أبو كسم المسؤولين “بعدم التهاون والتراخي في موضوع النازحين ووجوب أن تحزم الدولة أمرها في هذا الموضوع، لأننا لسنا مستعدين كل يوم لندفع أثمانا من خيرة شبيبتنا، فالشباب الذين تربوا في لبنان نريد الحفاظ عليهم ويكفينا الشباب الذين هاجروا من البلد بسبب الأزمات”.

كما دعت أمانة الاعلام في حزب الوطنيين الأحرار “الحكومة اللبنانية، إلى اللجوء دون تلكؤ وتأمل غير مجد في شرعية صلاحياتها في فترة الفراغ الرئاسي، إلى خطة طوارئ أمنية تضبط من خلالها وجود النازحين في لبنان، الذين يشكلون قنابل موقوتة، أمنية واجتماعية واقتصادية”، وناشدت “المجتمع الدولي والمنظمات كافة العمل بجدية على إعادة النازحين إلى بلادهم وعدم الوقوف أمام رغبة اللبنانيين في معالجة هذا الواقع الخطير الذي يهدد أمنهم وديمغرافيتهم”.

أما النائب جورج عطالله فغرد على صفحته عبر تويتر كاتبا: “آخر جريمتين معلنتين قام بهما سوريون: قتل الشاب إيلي متّى ابن بلدة عقتنيت وتقطيع وسرقة أسلاك كهربائية من المكتبة الوطنية في محلة الصنائع… وبعد في متواطئين ناطرين موافقة المجتمع الدولي على إعادة النازحين السوريين ع بلدن، الحل بقرار لبناني سيادي بإنهاء هيدا الوجود بلبنان”.

كذلك دان النائب السابق إميل رحمه جريمة قتل متّى، التي كما قال “يجب ألا تمر مرور الكرام، وأن تكون عبرة للمسؤولين اللبنانيين لكي يتشبثوا أكثر فأكثر برفض كل مخططات الخارج بإبقاء النازحين السوريين في لبنان ودمجهم في المجتمع اللبناني، بعدما تأكد أن عدم معالجة هذا الملف بما يحقق مصلحة لبنان في أمنه واقتصاده وتثبيت هويته الوطنية في مواجهة خطر تذويبها، وتغيير وجهه، ستبقى الجرائم، واعمال السلب والنهب والاتجار بالممنوعات، واهدار طاقة ما تبقى من بنى تحتية قائمة”.

ودعا رحمة “الدول المعنية بملف النزوح السوري التي تضغط على لبنان، ولاسيما الغربية منها، أن تتوقف عن ذلك، وأن تساعده على إغلاق هذا الملف بإعادة النازحين، والكف عن استخدامهم ورقة سياسية لابتزاز النظام السوري، واغراق بلادنا في مزيد من الازمات”، وشدد على أن “عنوان حقوق الانسان الذي يرفعه الضاغطون لغاية في نفس يعقوب، لا تساوي قطرة من دم لبناني بريء، ودمعة عائلة مفجوعة بوحيدها”.

“صفعة” للدولة اللبنانية

قرار طرد اللاجئين السوريين كرد فعل على اتهام أحدهم بارتكاب جريمة، ما هو إلا “صفعة للدولة اللبنانية” كما يؤكد رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان، وديع الأسمر، “كونه ينطلي على عدم اعتراف بها وبقضائها الذي يقع على عاتقه تأمين محاكمة عادلة للمتهمين بأي جريمة”، مشدداً على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وكم من أشخاص أجبروا على الاعتراف تحت التعذيب بجريمة لم ترتكبها يديهم”.

الإشكالية الأساسية بحسب ما يقوله الأسمر لموقع “الحرة”، “هي غياب الدولة، فلو كان المتهم لبناني ماذا كان سيفعل أهالي البلدة؟ من هنا أشدد على ضرورة عدم إجمال عائلة وأهل وأقارب أي شخص يتورط بجريمة، فهو وحده المسؤول عما يفعله، لكن الخطاب الشعبوي والإعلامي من قبل سياسيين ورجال دين ضد اللاجئين السوريين وتحميلهم كل مصائب البلد، أوصل لبنانيين إلى أخذ حقهم بيدهم لا بل إلى العقاب الجماعي، وهذا أمر خطير جدا كونه يخلق مزيداً من التشنجات، البلد في غنى عنها”.

كذلك يرفض الناشط السوري، الشيخ عبد الناصر عسلي، “تحميل أفراد مجتمع خطأ شخص لا علاقة لهم بما ارتكبه، وهذا ما يدعو الله به في كتابه الكريم بالقول “ولا تزر وازرة وزر أخرى”، ويشدد “نعزي عائلة وأهل الفقيد، وندين أي تفلت من أي لاجئ وأي عمل يخل بأمن المجتمع، فكيف إذا كان يخل بأمن وطن نحن فيه في مركب واحد، فلا يحق لأحد أبداً أن يخرق السفينة حتى ولو كان لأخذ ماء الوضوء رغم أنه لطاعه الله، حيث علينا ان نأخذ على يده وعلى يد كل ظالم”.

وتعتبر السلطات اللبنانية وجود اللاجئين عبئا على لبنان، متهمة اياهم بالمساهمة في تسريع ومفاقمة الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بالبلاد منذ عام 2019، وتحت هذه الحجة وضعت حكومة تصريف الأعمال خطة لإعادتهم بدأت بتنفيذها في 26 أكتوبر الماضي حيث غادرت البلاد الدفعة الأولى منهم، وذلك في إطار رحلات منظمة يتولاها الأمن العام بالتنسيق مع سوريا، رغم انتقادات منظمات حقوقية لذلك، وفي 5 من نوفمبر انطلقت الدفعة الثانية التي أتت استكمالاً للقافلة الأولى من قوافل العودة.

وقبل يومين، أكد مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم، أن ملف إعادة النازحين السوريين “وطني عربي دولي، وإعادتهم إلى أرضهم واجب قومي علينا أن نؤديه بالسرعة الممكنة، كي لا يخسروا أرضهم ويُمحى تاريخهم”.

واعتبر إبراهيم في حديث صحفي أن “اللامبالاة العربية في معالجة الملف السوري، والقرار الدولي الذي يرفض عودة النازحين إلى سوريا، وإطالة إقامة العائلات السورية في لبنان واندماجهم في المجتمعات التي تستضيفهم، كلها عوامل ستؤدي إلى بقائهم على أرض لبنان كأمر واقع أولا والخشية من توطينهم لاحقا، وهذا يعني أننا نشهد على عملية تجهيز قنبلة ستنفجر لاحقاً في لبنان، ولن يدفع أحد ثمن ارتداداتها وشظاياها سوى الشعبين اللبناني والسوري”.

نفخ على الجمر

في أكتوبر الماضي، دعت منظمة العفو الدولية السلطات اللبنانية إلى وقف تنفيذ خطة إعادة اللاجئين السوريين بشكل غير طوعي إلى بلادهم، وقالت نائبة مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة، ديانا سمعان، في بيان إن “السلطات اللبنانية توسع نطاق ما يُسمى بعملية العودة الطوعية، بينما ثبت جيدا أن اللاجئين السوريين في لبنان ليسوا في موقع يسمح لهم باتخاذ قرار حر حول عودتهم، بسبب إجراءات تتخذها الحكومة السورية تقيّد تنقلهم ومكان إقامتهم، فضلاً عن تعرضهم للتمييز وعدم تمكنهم من الوصول إلى الخدمات الأساسية”.

وأضافت: “من خلال تسهيلها بحماسة عمليات العودة هذه، تعرّض السلطات اللبنانية، عن قصد، اللاجئين السوريين لخطر المعاناة من انتهاكات شنيعة والاضطهاد عند عودتهم إلى سوريا”.

كما دعا “المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان”، في يوليو الماضي، السلطات اللبنانية إلى “التراجع الفوري عن خطة ترحيل اللاجئين السوريين إلى بلادهم قسراً، والامتناع عن اتخاذ أي إجراء من شأنه تعريض أمنهم وسلامتهم للخطر”.

وقالت مسؤولة الإعلام في “المرصد” نور علوان إن “إعادة اللاجئين السوريين في لبنان قسرا إلى بلادهم تعني توقيع قرارات بإخفائهم أو تعذيبهم أو حتى إعدامهم. هل ينبغي لنا بعد كل الممارسات الوحشية للنظام السوري أن نثق برغبته أو قدرته على احتضان مئات آلاف اللاجئين وتوفير حياة آمنة وكريمة لهم”؟

ورأى “المرصد” في بيان أن “اللاجئين السوريين في لبنان يتعرضون منذ اعوام إلى ممارسات تمييزية وعنصرية، بما في ذلك عدد من القوانين التي تحد من قدرتهم على التمتع بحقوقهم الأساسية، ولا سيما الحق في الصحة والعمل، إضافة إلى تعرّضهم لعدد كبير من الاعتداءات التي تسبّبت بمقتل عدد منهم وإحراق بعض المخيمات، والتي تكون غالباً مدفوعة بخطابات كراهية وتحريض”.

من جانبه، أعرب وزير الشؤون الاجتماعية في حكومة تصريف الأعمال هكتور الحجار، في أكتوبر الماضي، عن استغرابه من “موقف المنظمات الدولية الرافض لخطة الدولة اللبنانية لتحقيق عودة آمنة وطوعية للنازحين السوريين”، مشيراً إلى أن “عدد النازحين السوريين الموجودين في لبنان يقارب مليونين وثمانين ألف شخص بما يفوق قدرة لبنان على استيعابهم، خصوصاً أن أوضاع المخيمات تنذر بمخاطر كثيرة أقله على الصعيد الصحي، وقد كان بدء انتشار الكوليرا في المخيمات النذير الأكثر خطراً”.

وكشف في حديث تلفزيوني أن “هذه المنظمات لا تريد المساعدة على العودة ولا تريد العودة الطوعية بمبادرة من الدولة اللبنانية ولا تريد تأمين المياه النظيفة ولا تريد إزالة الحفر الصحية ولا تريد إزالة النفايات، فماذا تريد وماذا يدور في فكرها”؟

“على الغريب في البلد أن يكون مؤدباً وألا يتعدى على كرامات وأرواح الناس” كما يقول الشيخ العسلي، ولذلك دعا اللاجئين إلى “تنظيم حياتهم الاجتماعية قدر المستطاع لمنع أي تفلت”، مشيراً إلى أنه “يجب أن تتحقق العدالة بين الشعوب ليسود الأمن والأمان، سواء كانت العدالة الاجتماعية بألا يجري على سبيل المثال التمييز على أساس الجنسية في العمل والأجر، أو العدالة السياسية أي ألا يجري ترحيل اللاجئين بحجج غير منطقية”، شاكراً “كل من اتسع صدره للأخرين وقام بإصلاح ذات البين وأماط الاذى عن القلوب”.

أما الأسمر فيشدد على أنه “منذ بداية اللجوء السوري إلى لبنان عام 2011 وعدد من السياسيين ورجال الدين اللبنانيين يمعنون بالنفخ على الجمر العنصري، يحرضون على العنف ومخالفة القانون متلطين خلف مواقعهم، سواء لإرضاء النظام السوري أو لأسباب طائفية، مهددين بتحريضهم هذا السلم الأهلي”.

“على القضاء أن يتدخل” كما يقول رئيس المركز اللبناني لحقوق الإنسان “لوضع حد للمحرضين ضد اللاجئين السوريين، فهؤلاء هم من يشكلون خطراً على البلد وليس من ينتقد سياسياً في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن للأسف هناك أشخاص لديهم حصانات تتخطى القضاء”، وتساءل: “ماذا سيفعل المحرضون في حال وقع اشكال بين السوريين ومن يطردونهم أدى إلى سقوط ضحايا؟ هل يتحمل المحرضون المسؤولية أو ينفون تورطهم في ذلك”؟!

المصدر: الحرة