بعد سنوات في كنف “داعش” .. شابة ألمانية تبحث عن حياة جديدة

38

بعد نحو أربع سنوات أمضتها في كنف تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ”داعش”، فرّت الشابة الألمانية ليونورا التي لم تتخط 19 عاماً، برفقة زوجها الجهادي الألماني مارتن ليمكي، واضعة نصب عينيها تأمين حياة جديدة لطفليها في بلادها.

في منطقة صحراوية مقابل بلدة الباغوز، في شرق سوريا، حيث لازال بعض الوجود لتنظيم الدولة الإسلامية، تنهمك ليونارا التي رفعت النقاب ليظهر وجهها الأبيض الشاحب في الحديث مع عسكريين من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، ثم في الاهتمام بطفليها الصغيرين، وأحدهما ولدته قبل أسبوعين فقط.

وتقول الشابة لوكالة فرانس برس حاملة طفلها الأشقر: “كنت ساذجة بعض الشيء”، مشيرة إلى أنها تأثرت ببروباغندا تنظيم الدولة الإسلامية عبر مجموعات على تطبيق “واتساب”.

وفرّ آلاف الأشخاص خلال الأسابيع الماضية من آخر جيب لتنظيم الدولة الإسلامية الذي يخوض آخر معاركه في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن. ويخضع الخارجون لإجراءات تحقيق وتفتيش، قبل أن يتم فصلهم بين مدنيين ينقلون إلى مخيم الهول شمالاً، وآخرين يشتبه في أنهم جهاديين ويتم توقيفهم.

واعتنقت ليونورا الإسلام في العام 2015 وهي في الـ15 من العمر، وفي مارس من العام ذاته غادرت ألمانيا متوجهة إلى سوريا التي دخلتها عبر بلدة تل أبيض الحدودية قادمة من تركيا.

وتزوجت الشابة بعد ثلاثة أيام من دخولها إلى سوريا، لتصبح الزوجة الثالثة للجهادي الألماني مارتن ليمكي، بعد زوجته الثانية الألمانية أيضاً والأولى الفرنسية. واعتقلت قوات سوريا الديمقراطية ليمكي مع أفراد عائلته الخميس.

وعن حياتها في ظل الجهاديين، تقول ليونورا: “كنت دائماً في المنزل، أطبخ وأنظّف”.

وكانت الشابة أمضت غالبية السنوات الأربع الماضية في مدينة الرقة، المعقل الأبرز للتنظيم المتطرف بين 2014 و2017. وشكلت خسارة الرقة في أكتوبر 2017 ضربة قاسية للتنظيم، وسرّعت انهياره.

وتقول ليونورا التي تجيب على كل الأسئلة، لكنها ترفض أن تظهر في مقابلة على “الفيديو”: “حين خسروا الرقة، بدأنا بتغيير منزلنا كل أسبوع، لأنهم كانوا يخسرون كل أسبوع مدينة. ثم ذهبت كل المدن”.

تركوا النساء وحدهن

وتروي المتحدثة لفرانس برس: “في بادئ الأمر، كان كل شيء جيداً حين كانوا يسيطرون على مدن كبرى مثل الرقة، وكان لديهم الكثير من الأموال”. لكن الأمر تغيّر مع خسارة الجهاديين تدريجياً لمناطقهم. وتضيف، وقد ارتفعت نبرة صوتها بعض الشيء: “تركوا النساء وحدهن”.

وأحاطت عناصر من قوات سوريا الديمقراطية ببضعة رجال من الفارين حديثاً، كانوا جالسين على الأرض؛ بينما كانت عشرات النساء المنقبات في مكان قريب مع أولادهن ينتظرن نقلهن إلى أحد مخيمات النزوح. ووقفت إلى جانب ليونورا زوجة ليمكي الثانية التي عرّفت عن نفسها باسم سابينا.

وفي ظل تقدم قوات سوريا الديمقراطية، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان خروج أكثر من 36 ألف شخص من آخر مناطق سيطرة التنظيم منذ مطلع شهر دجنبر، وغالبيتهم نساء وأطفال من عائلات الجهاديين، كما بينهم نحو 3100 عنصر من التنظيم.

وتطالب قوات سوريا الديمقراطية الدول التي ينتمي إليها الجهاديون وعائلاتهم باستردادهم، الأمر الذي تتحفظ عليه غالبية الدول.

وقال عدد من الخارجين الجدد لفرانس برس خلال الأيام الماضية إنه لازال هناك داخل البقعة الأخيرة للتنظيم العديد من الجهاديين الأجانب من جنسيات مختلفة، وبينهم أوروبيون.

خطأ كبير

وتدّعي ليونورا، التي كانت ترتدي عباءة سوداء وغطّت رأسها بوشاح، أنها حاولت الفرار مرات عدة من مناطق تنظيم الدولة الإسلامية، وتقول: “في إحدى المرات تمّ إلقاء القبض علي ووضعي في السجن، ومرة أخرى لم يأت المهرّب، وفي مرة ثالثة جاء المهرّب وأخذ الأموال وهرب”.

وتؤكد الشابة النحيلة أن زوجها بعد فترة “بات جاهزاً” للهرب من التنظيم، مضيفة: “كان علينا بعد ذلك أن نعيش كأشخاص طبيعيين وكأننا لا نريد الخروج”.

وتقول ليونورا وسابينا إن مارتن لم يكن مقاتلاً، بل كان يعمل كتقني تصليح أجهزة إلكترونية.

لكن تقارير إعلامية ألمانية ذكرت أن ليمكي، الذي دخل سوريا في العام 2014، كان عنصراً في “الحسبة”، أي الشرطة الشرعية للتنظيم، قبل أن ينضم إلى فريق الأمنيين؛ وقد يكون الألماني الذي تولّى أعلى منصب في التنظيم..وتقول التقارير إنه كان من المقربين من أبو محمد العدناني، المتحدث السابق باسم التنظيم قبل مقتله.

ورغم أنها تتوقع محاكمتها في ألمانيا “لأنني كنت مع تنظيم الدولة الإسلامية”، وفق قولها، تصرّ ليونورا على طلب العودة إلى عائلتها التي لم تتخل عنها “برغم كل ما كنت أقوم به”، وتقول: “أريد أن أعود إلى ألمانيا، أريد أن أعيش مع أهلي وأصدقائي، واستعادة حياتي السابقة. منذ وقت طويل أرغب في ذلك”، مضيفة: “أتمنى أن أمنح طفلي حياة جيدة”، وتتابع: “أعرف الآن أنه كان خطأ كبيراً جداً”.

المصدر: هسبريس