بعد مظاهرة السوريين في باريس

ربما كانت مظاهرة باريس الأخيرة (11/ 6/ 2016) إحدى أهم المظاهرات التي نُظّمت من أجل القضية السورية أو أحد تفرعاتها في العامين الأخيرين. فقد تمت في إحدى أهم العواصم العالمية، وشاركت فيها فعاليات سورية، لم تقتصر على المقيمين في باريس، إلى جانب فعاليات أوروبية، لا سيما من الفرنسيين، وقارب عدد المشاركين فيها نحو عشرة آلاف شخص، وهو رقم مهم في سجل أرقام المظاهرات الخاصة بسوريا، التي شهدتها باريس، إضافة إلى أن المظاهرة تمت بمبادرة من شخصيات وجماعات مدنية، وأيدت تنظيمها جماعات المعارضة السورية. وهذه بعض أهمية مظاهرة باريس. ومما يزيد من أهمية المظاهرة، الموضوع الذي نُظمت من أجله، وهو المطالبة بالمعتقلين السوريين الموجودين بأكثريتهم في سجون ومعتقلات النظام وشبيحته، وآخرين منهم في سجون جماعات الإرهاب والتطرف من «داعش» إلى جبهة النصرة الموصوفة بـ«فرع القاعدة في سوريا» إلى جماعات مسلحة محسوبة على المعارضة، ويقدر عدد المعتقلين السوريين بمئات الآلاف، وكثير منهم مختفون قسرًا، وباستثناء أن قضية المعتقلين هي قضية إنسانية، فإنها بالنسبة للسوريين قضية وطنية لأن قلة من العائلات السورية، لم يعتقل فرد منها في السنوات الست الماضية، مما يفرض العمل الجدي والتواصل من أجل إطلاق سراحهم حيث كانوا ولأي سبب كانمظاهرة باريس ورغم ضعف اهتمام الإعلام العربي والدولي بها، وبتغطيتها لأسباب متعددة، فإنها محطة مهمة في نشاط السوريين، وخصوصًا المقيمين منهم في بلدان اللجوء. إذ هي إثبات بأن القضية السورية حية، ليس في ضمير ووعي السوريين فقط، بل أيضًا في وعي وضمير الآخرين، ولا سيما الأوروبيين، خصوصا في ظل أمرين اثنين، أولهما تراجع ظاهر في الاهتمام الدولي بالقضية السورية، والتركيز أكثر على موضوع الإرهاب الذي وإن كان في خلفيات تطورات القضية السورية في جانب منه، فقد صار شغلاً شاغلاً للحكومات وللرأي العام، بحيث صار يغطي في تفاعلاته على القضايا الأساسية للسوريين، ولا سيما مطالبهم بالحرية والديمقراطية والعدالة والخلاص من نظام الديكتاتورية والإجرام المتسلط على السوريين، والنقطة الثانية، هي قضية اللاجئين السوريين، التي أحاطتها بعض القوى الأوروبية، لا سيما جماعات اليمين بكثير من الاعتراضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لعل الأبرز فيها الاختلاف الثقافي والتطرف الإسلامي كما أن المظاهرة في أحد وجوهها، كالإنترنت، تعبير عن قدرة التجمعات السورية من جماعات ومنظمات وأفراد فاعلين على تحشيد وتنظيم أنفسهم ومحيطهم حول القضية السورية، وحول بعض الموضوعات المتصلة بها، والعمل على كسب تأييد الرأي العام في بلدان اللجوء، وتشكيل قوة ضغط على سياسات الحكومات من أجل اتخاذ مواقف أفضل حيال القضية السورية، الأمر الذي يتجاوز تصورات وتقديرات حاولت ترويج أن السوريين في بلدان اللجوء، وخصوصًا اللاجئين منهم، يركزون اهتمامهم فقط على الاستقرار هناك، والحصول على المساعدات الممكنة من أجل تحسين أوضاعهم وظروف معيشتهم. ورغم أن ذلك ليس أمرًا سيئًا، بل هو مطلوب، فإن التركيز عليه يُراد به الإيحاء وكأن السوريين هناك نسوا الأسباب التي قادتهم إلى ترك وطنهم والتشرد في العالم، وأهمها سياسات وممارسات نظام الأسد وحلفائه، التي كان جوهرها تطفيش السوريين عبر الاعتقال والقتل والتدمير وتضييق سبل الحياة في بلادهم. ولا شك أن ذلك سوف يعزز جهودهم من أجل مستقبل بلدهم وأهلهم، الذين ما زالوا يعانون من سياسات نظام الأسد وحلفائه، وخصوصًا إيران وروسيا والميليشيات الشيعية، التي تقاتل في سوريا. وتفرض دلالات ما حدث في باريس، وما بذل فيه من جهد ونشاط، أن تبادر المعارضة السورية إلى تلقف تلك الروح، ودعمها ومساندتها لتطويرها وزيادة فاعليتها في خدمة القضية السورية ومستقبل السوريين، وليس الاستيلاء عليها وتدجينها وصولاً إلى تخريبها على نحو ما اعتدنا في تعامل الجماعات السياسية مع المبادرات، التي يطلقها ناشطون أو جماعات مدنية وأهلية في سياق الحراك العام سواء في سوريا أو خارجها. إن دور المعارضة لما بعد مظاهرة باريس، يتعدى الوجود السوري في فرنسا إلى كل البلدان، وخصوصًا الأوروبية، التي توجد فيها جاليات سورية كبيرة، يبدأ من دراسة واقع تلك الجاليات وقدراتها، ثم مساعدتها على تنظيم شؤونها وإدارتها بطريقة تتوافق مع دورها الإيجابي حيث توجد، وتعميق علاقاتها بالقضية السورية والوطن الأم، ليس من أجل اللحظة الراهنة وما فيها من تحديات مصيرية فقط، بل من أجل المستقبل الذي يفرض أن يكون لهذه الجاليات دور في إعادة بناء سوريا الجديدة، التي سيبنيها السوريون بعد ذهاب نظام الأسد. لقد أضاع السوريون فرصة الاستفادة من وجود جالياتهم لخدمة قضيتهم بعد الثورة، والأمل، إنهم لن يضيعوا فرصة ما بعد مظاهرة باريس، التي حملت معطيات يمكن البناء عليها الآن وفي المستقبل.
فايز سارة
المصدر: الشرق الأوسط