بوتين: المهمة اكتملت في سوريا

إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المفاجئ عشية بدء مفاوضات جنيف بين النظام السوري والمعارضة سحب القوات الروسية من سوريا، شكّل حدثا غاية في الأهمية وحمل الكثير من التأويلات والتوقعات ركّز أغلبها على أن موسكو تخلت عن الأسد بعد أن شاكس ورفض حلّها السياسي المبني على توافق مع الولايات المتحدة، والذي يجسده القرار الأممي 2254 القاضي بتنازل الأسد عن السلطة خلال 18 شهرا كحد أقصى.
مثلما جاء التدخل الروسي في سوريا سريعا ومفاجئا وقلب الموازين سياسيا وعسكريا، جاء إعلان الرئيس فلاديمير بوتين سحب قواته من سوريا مفاجئا أيضا، ليعيد صياغة المشهد الرئيسي للأزمة السورية في يوم بدء مفاوضات جنيف بين المعارضة والنظام السوري وبعد أسبوعين على بدء العمل بوقف لإطلاق النار.
ورغم أن موسكو أكّدت، عند بداية تدخّلها العسكري المباشر في سوريا، أن عملياتها ليست مفتوحة الآجال، إلا أن إعلان الانسحاب كان مفاجئا، وأثار العديد من التساؤلات حول أسباب هذه الخطوة وهل هي انقلاب فعلي في الموقف الروسي من الأسد أم مجرد تكتيك.
 
أعلن الرئيس الروسي قراره المفاجئ ببدء انسحاب القسم الأكبر من القوات العسكرية الروسية من سوريا. وقال بوتين “روسيا أنجزت مهماتها المسلحة في سوريا، لذلك أمرت وزارة الدفاع ببدء انسحاب القسم الأكبر من القوات الروسية من سوريا على أن تتبقى قاعدتان روسيتان في اللاذقية وطرطوس لمراقبة وقف الأعمال القتالية”.
 
ومهما كانت أسباب القرار وخلفيّاته، فالأكيد أن انسحاب القوات الروسية الرئيسية، أو ما يسمى القوة الجوية الضاربة التي أنقذت نظام الأسد من الانهيار، يعني أن موسكو تضع الأسد أمام خيار واحد وهو الحل السياسي ووفق خارطة الطريق الروسية الأميركية والتي تعني تنازلات كبيرة في السلطة والتشارك مع المعارضة لإدارة الحكم الانتقالي تمهيدا لرحيل الأسد. وإذا لم يتجاوب النظام السوري مع هذا الخيار وقرر التمرد على التوجه الروسي الأميركي، فإنه سيكون في وضع عسكري لا يسمح له بالبقاء.
 
وقد حاول النظام السوري الإيحاء بأن كل شيء سليم ومبرمج، وأن الإجراءات الروسية كانت بقرار مشترك مع الرئيس السوري بشار الأسد. لكن المعارضة السورية استبعدت ذلك وقلّلت من هذا الادعاء، وافترضت أن روسيا بدأت رحلة تخليها عن الأسد بعد خمس سنوات من حرب أيقنت أنه لن يكون فيها غالب ولا مغلوب.
 
 
تحذيرات روسية سابقة
 
يشير متابعون لهذه التطوّرات إلى أن العودة إلى مواقف روسيا الأخيرة تكشف أن قرار الانسحاب الجزئي سبقته تصريحات وإعلان ضمني عن اتخاذ مثل هذه الخطوة، لكن يبدو أن الأسد كان يتوهّم أن الحليف الروسي لا يمكن أن يستغني عنه وأنه الورقة الوحيدة الضامنة لمصالح روسيا في سوريا.
 
وكان خبراء روس تحدّثوا، في عدد سابق لـ”العرب”، عن غضب موسكو من النظام في دمشق، مشيرين إلى أن حالة من الاستياء ظهرت في الأوساط الدبلوماسية الروسية، ونقلتها وسائل الإعلام، من تصريحات الأسد في الفترة الأخيرة، والتي قال عنها مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، إنها “لا تنسجم مع الجهود الدبلوماسية لروسيا”.
 
وقد قال الصحافي الروسي والمحلل السياسي سيرجي ستروكان، لـ”العرب”، إن “بوتين ملك اللعبة وإذا حاول الأسد أن يتهرب مما يريده الملك ستكون نهايته… والحل الذي تريده روسيا في سوريا هو حل سياسي بالتوافق مع الجانب الأميركي وليس دعم الأسد كي ينتصر عسكريا”. (العرب، العدد: 10198، ص(6).
 
من هنا يبدو القرار الروسي، حتى لو كان انسحابا جزئيا، مهما جدّا، وهو، وفق المراقبين والمعارضة، رد على تصعيد النظام السوري الذي أعلن عن انتخابات عبثية قبل أسابيع من المرحلة الانتقالية التي تشمل انتخابات برلمانية برعاية روسية أميركية.
 
خالد الأيوبي، دبلوماسي سوري سابق، قال في تصريحات لـ”العرب” إن “الانسحاب الروسي يمكن أن يكون له عدة تفسيرات والأقوى بينها أنه يأتي في إطار الضغط على نظام الأسد للانخراط الجدي في مفاوضات التسوية السياسية، وذلك بعد تصريحات نارية لوزير الخارجية السوري وليد المعلم هددت بنسف المفاوضات قبل بدئها، حين قال ‘إن الأسد خط أحمر غير قابل للتفاوض’، ويعزز هذه الفرضية عنصر المفاجئة في القرار الروسي وتوقيته وعدم تبليغ النظام به إلا قبل ساعات من الإعلان عنه”.
 
ويضيف الأيوبي “في حال جدية الروس في هذا الطرح ستكون من أهم نتائجه بدء العد العكسي لرحيل حكم آل الأسد من خلال هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحية وليس حكومة تحت سلطة الأسد كما روج النظام من خلال تنفيذ قرارات جنيف واحد وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة المبنية عليه والتي تنص على تشكيل هيئة الحكم الانتقالي”.
 
أما الاحتمال الآخر وهو الأضعف، وفق الأيوبي، فيشير إلى أن الإعلان يأتي في إطار التضليل الإعلامي الروسي لحجم المشاركة الروسية في جرائم الحرب ضد أبناء الشعب السوري ولإيهام الرأي العام العالمي وتضليله بأن روسيا تمارس ضغوطا على الأسد من خلال تبادل الأدوار بينهم.
 
ويتقارب هذا الاحتمال مع قراءة المحلل السياسي في صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، جورج مالبرونو، الذي يرى أن إعلان الانسحاب الجزئي لا يشكل انقلابا حقيقيا في الموقف الروسي بل هو انسحاب تكتيكي ومناورة روسية من أجل تمكين مفاوضات جنيف من الإتيان بثمارها، مشيرا إلى أن موسكو تسعى من خلال إعلانها هذا إلى تعزيز الأكراد و معارضة الداخل من أجل تكوين هيكلية حكومية انتقالية.
 
المعارضة السورية فرح الأتاسي اعتبرت أن الانسحاب العسكري الروسي المفاجئ وتوقيته مع بدء جولة جديدة من المباحثات في جنيف هو رسالة سياسية مباشرة للأسد ونظامه بعدم وضع العصا في عجلة عملية الانتقال السياسي.
 
افترضت بعض أطراف المعارضة السورية أن القرار الروسي اتّخذ تحت وطأة التكلفة الباهظة للحرب التي تخوضها روسيا وخسائرها من حرب أسعار النفط، وقال كمال اللبواني إن من أسباب سحب الجيش الروسي من سوريا هو توقع انهيار الروبل لدرجات قياسية بالنظر للتكلفة الباهظة للحرب الجوية، مذكّرا بأن الولايات المتحدة دفعت في حرب العراق الأولى تيرليون دولار دون فائدة.
 
وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك وافترضوا أن روسيا اضطرت للانسحاب تحت ضغط السعودية بشن حرب تحالفية في سوريا، وقال بعض المتشائمين إن هذا الانسحاب هو إيعاز للنظام السوري ليبدأ التقسيم في سوريا لتصبح سوريا دويلات تتصارع فيما بينها.
 
معارضون سوريون آخرين افترضوا أن الخطوة الروسية هي حصيلة توافق أميركي ـ روسي صلب وقوي يقضي ببدء العملية السياسية، وقال رياض نعسان آغا، الناطق باسم الهيئة العليا للمفاوضات التابعة للمعارضة السورية، إن القرار الروسي جاء بناء على التفاهمات الأميركية ـ الروسية ـ الإيرانية التي كشف عنها وزير الخارجية الأميركي جون كيري في مؤتمره الصحافي الذي عقده مؤخرا في باريس، وطالب بوتين أن يلتزم بها بعد أن ظهرت تصريحات وزير الخارجية السوري وليد المعلم مخالفة لما تم الاتفاق عليه مع الروس والإيرانيين، فجاء الجواب قرارا، ثم تفاهما روسيا أميركيا في الحديث الهاتفي بين أوباما وبوتين عشية إعلان الانحساب.
 
بدوره، طرح خالد الأيوبي، في تصريحه لـ”العرب”، احتمال التوافق الروسي الأميركي، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة أبلغت روسيا سرا أنها ستسلح المعارضة بمضادات طيران في حال استمرت حالة العطالة السياسية التي ستهدد استقرار حلفاء واشنطن وبالتالي سارعت روسيا إلى حفظ ماء وجهها قبل أن تسقط طائراتها من سماء سوريا في حال تم التسليح بصواريخ أرض جو.
 
وتدعم مصادر مؤيدة لهذا الاحتمال هذه الفرضية بخبر مفاده أن الطائرة العسكرية التابعة للنظام، التي سقطت الأسبوع الماضي، تعرّضت لصاروخ حراري ما يعني أن ما تبقى من طائرات النظام أصبحت مهددة بالصواريخ الحرارية التي استلمتها المعارضة مؤخرا؛ وفق ما صرّح به مصدر عسكري معارض. وبما أن الروس سحبوا طائراتهم فقد أصبح النظام فعليا دون غطاء جوي حقيقي.
 
 
موقف الأكراد
 
بعض الأكراد السوريين فسّروا الموقف الروسي على طريقتهم، وقال ناشطون أكراد وسياسيون إن الانسحاب الروسي العسكري من سوريا جاء بسبب غضب الرئيس بوتين من رفض سوريا للفدرالية، وشددوا على أن ما تقوم به موسكو يؤكد على أن الفدرالية باتت أمرا واقعا وعلى الأكراد انتهاز فرصة دعم الحليف الروسي لهم للإعلان عنها.
 
وبغض النظر عن الأسباب، فإن المعارض السوري لؤي صافي رأى أن إعلان روسيا سحب قواتها من سوريا هو فرصة على المجتمع الدولي استغلالها، وقال لـ”العرب”، “لقد سعى التدخل الروسي في سوريا إلى تحقيق هدفين: إنقاذ النظام من انهيار عسكري كامل قبل بدء المفاوضات في جنيف، والتحضير لمنطقة آمنة للنظام تمتد من الساحل حتى مدينة دمشق حال رفض المعارضة المشاركة في حكومة وحدة وطنية تحت هيمنة الأسد ومنظومته الأمنية. لكن الصورة الحقيقية تختلف عن تلك التي تروج لها روسيا، فعلى الرغم من استعادة نظام الأسد بعض توازنه، إلا أنه في أزمة أمنية وسياسية واقتصادية نتيجة صمود الثوار في حلب وريفها، وفي أرياف دمشق وحمص وحماة وفي محافظتي درعا وإدلب، وعجزه رغم القوة التي وضعت تحت تصرفه على تحقيق الحسم العسكري الذي يحلم بتحقيقه منذ انطلاق الثورة”.
 
لكن بالمقابل لا ينتقص هذا الانسحاب برأي المعارض السوري نجاتي طيارة من قوة روسيا في المنطقة، وقال “سواء أكان انسحابا عسكريا، أم ضغطا على النظام، أم تخفيفا للوجود العسكري نظرا لتكاليفه الباهظة، أم انتقالا لدور سياسي جديد مع الاحتفاظ بقاعدتي طرطوس وحميميم، فإن الأمر الواضح الوحيد من المفاجأة الروسية الجديدة، هو أن بوتين أكّد أنه اللاعب الأول في القضية السورية”.
 
من الفرضيات المطروحة أيضا أن روسيا ترغب في تلقين درس لحلفائها، ودفع إيران لتحمل مسؤولياتها في سوريا حتى وعطي الانطباع للدول العربية بأنها لم تختر المعسكر الشيعي على حساب السنّة العرب.
 
بالنسبة إلى المعارض السوري إياد بركات، فإن التناقض داخل النظام والأسرة الحاكمة في سوريا هو سبب الموقف الروسي، وقال لـ”العرب”، “هناك تياران داخل السلطة، واحد يعترف بالهزيمة وبنهاية الحكم، والآخر يعتقد أن الحكم مستمر، وهناك الآن احتمالان، الأول أن يتفوق التيار المعترف بالهزيمة ضمن النظام ويوافق على كل ما سيُفرض في مؤتمر جنيف، أي الموافقة على التغيير السياسي الجذري في سوريا. أما الثاني، وفيه يتفوق المتشددون من النظام، معتمدين على دعم إيران والميليشيات الطائفية عابرة الحدود، وهذا الاحتمال سيعيد الحرب أكثر ضراوة وشراسة، لكن في الغالب لن يقف الروس والأميركيون متفرجين، بل سيتدفق السلاح للمقاتلين لإجبار النظام على الاستسلام هذه المرة وتسليم الحكم بالقوة، لكن هذا الحل سيتسبب بتدمير وقتل إضافي. والأيام القليلة المقبلة ستوضح أي تيار سيتفوق”.
 
 
مواجهة الجهاديين
 
مسألة أخرى تطرح مع مغادرة الطائرات الحربية الروسية الأجواء السورية بعدما نجحت في تمكين قوات النظام على الأرض، وتتعلّق بما إذا كانت دمشق قادرة على الحفاظ على الوضع الميداني لصالحها خصوصا في مواجهة الجهاديين. ويقول آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز كارنيغي للأبحاث ورئيس تحرير مجلة “سوريا في أزمة”، إن الرئيس السوري بشار الأسد “في موقف أفضل بكثير، إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب انتهت”.
 
ويقول الخبير في الجغرافيا السورية فابريس بالانش إن مستقبل الوضع الميداني في سوريا يتعلق أساسا بمعرفة ما تركه الروس في سوريا، وكيف عززوا قدرات الجيش السوري خلال الأشهر الماضية”.
 
وقد لا تشهد المناطق المشمولة بالهدنة السارية منذ 27 فبراير تغييرات حقيقية على الأرض.
 
لكن الأسئلة تطرح بقوة أكبر في مناطق الجهاديين الذين لا تشملهم الهدنة. ويقول بيرييه إن هؤلاء قد يسعون إلى “امتحان” الانسحاب الروسي، بحسب تعبيره. وبالتزامن مع بدء الانسحاب الروسي، قال قيادي في جبهة النصرة، ذراع تنظيم القاعدة في سوريا إن الجبهة ستشن هجوما في البلاد خلال الساعات الـ48 المقبلة بعد “الهزيمة الروسية”.
 
الأسابيع والشهور القادمة مفصلية في تاريخ الثورة وربما تتوالى سلسلة المفاجآت، وبغض النظر إن كان هناك خلاف بين روسيا ونظام الأسد بسبب العملية السلمية، أو لوجود اتفاق سري روسي أميركي بشأن التسوية، أو بسبب نفقات الحرب التي أثرت كثيرا على الاقتصاد الروسي، أو تنازل غربي في الملف الأوكراني، أو حتى نتيجة خلافات داخلية في الكرملين، فإن احتمالات المستقبل مفتوحة على أكثر من جبهة، ويتابع السوريون في الأيام القادمة بشكل دقيق سلوك وتصريحات وفد النظام في جنيف، والمواقف والتصريحات الروسية والأميركية، كذلك يراقبون سرعة الانسحاب ونوعية الأسلحة المتبقية، وتصريحات إيران وأفعالها، ورد فعل حزب الله، ليحاولوا فهم سبب الانسحاب العسكري الروسي ومعرفة نتائجه.
 
باسل العودات
 
العرب