بوتين والأسد.. وتقاسم السلطة

إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالأمس عن استعداد بشار الأسد لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة في سوريا، واقتسام السلطة مع «معارضة بناءة» يعني بكل بساطة رفض الأسد رسميًا للمبادرة الإيرانية المعدلة، وسعي الأسد لجر الأزمة السورية إلى مربعها الأول، دبلوماسيًا، أي العودة إلى الوراء.
مقترح تقاسم السلطة هذا كان مطروحًا منذ اندلاع الثورة، وطرحه الأسد، وحلفاؤه، بأشكال مختلفة، لكن دون مصداقية، وبإجراءات شكلية كلها ألاعيب وحيل، وحتى وصلت الأزمة إلى ما وصلت إليه اليوم من خراب ودمار، ومأساة إنسانية لم يكن أولها مصرع الطفل السوري غرقًا، والذي هزت صورته العالم، ولن تكون بالتأكيد آخرها، ما دامت جرائم الأسد مستمرة هكذا. موافقة الأسد هذه، غير الجديدة بالطبع، على تقاسم السلطة، لا تعدو إلا أن تكون محاولة مستميتة من قبل الأسد للنجاة، والبقاء في الحكم على أنقاض دولة خربة، وكل آماله معقودة الآن على الروس، وليس الإيرانيين، ولذلك قرر الأسد الآن منح موافقته على تقاسم السلطة للروس، مما يقول لنا إن القصة حاليًا ليست في كسر الأسد المكسور أساسًا، ولا في إيران، بل هي في إقناع الروس، وبوتين تحديدًا، من أجل التخلي عن الأسد. فالمهم، والأهم هنا، أن الأسد رفض المبادرة الإيرانية، بينما قبل بمنح روسيا دورًا لتقديم حلول علها تساعده على البقاء، ومحاولة إقناع العالم العربي، والمجتمع الدولي، بضرورة تقبل الأسد، وإعادة تأهيله.
وعندما نقول إقناع الروس، فالواضح أن الأسد بات مقتنعًا الآن بأن إيران ليست بالقوة الخارقة، حيث تبدو طهران غارقة بأزمة نفايات لبنان، وانقطاع كهرباء بغداد، وأكثر من ذلك بالطبع، ولذا فإن الأسد يحاول التمسك بالروس، سياسيًا، وأثنى عليهم مطولا بمقابلته الصحافية الأخيرة، وبشكل يذكّر بأيام كيف كان الأسد يمتدح إردوغان بقصة التفاوض مع إسرائيل! وعليه فالواضح الآن هو أن الأسد يريد بالموافقة على تقاسم السلطة استخدام نفس اللعبة المكررة منذ بدأت الثورة من أجل تعزيز موقفه مع الروس الذين يرون ببقاء الأسد، ولو لحين، تحقيقًا لأهداف أكبر بالنسبة لهم، ومن المؤكد أن الروس يعون أن موافقة الأسد على تقاسم السلطة ليست بالجديدة، ولا تصدق، ولا تقبل، خصوصًا بعد كل جرائم الأسد هذه.
وقد يكون من الجائز القول الآن، ورغم الموقف الروسي الذي قد يبدو محبطًا للسوريين وغيرهم، إن الأسد لم يتنازل بلعبة تقاسم السلطة هذه، وإنما موسكو هي من بدأت تتنازل، وباتت أكثر قناعة بأن وجود الأسد غير مقبول، وصعب تسويقه، ولذا فإن موسكو تحركت إلى المنتصف الآن بالأزمة السورية، فبدلا من القول ببقاء الأسد مطلقًا فإنها تتحدث عن «تقاسم»، وقد تتحدث موسكو غدًا عن «منصب شرفي»، وصولا إلى فكرة الرحيل بعد فترة محددة، وهكذا. والسؤال هنا هو: لماذا يفعل الروس كل ذلك الآن؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه غدًا بإذن الله.

 

طارق الحميد 

المصدر : الشرق الاوسط