بيريفان خالد.. ذهنية النظام القمعية أوصلت سورية إلى ماهي عليه اليوم وممارسات الدولة التركية عدوانية توسعية ليس لها أي مبرر قانوني أو أخلاقي

لا تزال التهديدات التركية لشمال سورية وشرقها مستمرة برغم كل الدعوات الدولية إلى التوقف عن القصف العشوائي الذي راح ضحيته العشرات من المدنيين العزّل، ويتهم الأكراد أنقرة بالسعي إلى مزيد احتلال أراضيهم وافتكاكها دون أي وجه قانوني، رغم استعدادهم مرارا للحوار مع مختلف الأطراف لوقف نزيف الحرب المستعرة المجنونة التي أضرت بالمنطقة وقسمتها وشتتت أبناءها .

وقالت الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية “بيريفان خالد” في حوار مع المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن الأكراد عاشوا الإقصاء طيلة عقود من الزمن من قبل النظام في سورية، وعانوا الاضطهاد والظلم وتم حرمانهم من الثروات وفرض سياسة التفقير، وتحدثت عن التجاوزات التركية “التي تسعى إلى إبادة الأكراد عبر افتكاك أراضيهم وتهجيرهم قسريا “

س-لطالما حضرت المرأة الكردية كقائدة سياسية في التاريخ الكردي وبرغم ذلك لاقت نضالاتها ‘شبه جحود’ من الدولة السورية حيث من النادر أن تولت كردية،على مدار عقود، مناصب عليا بالبلاد.. برأيك أين الخلل، وماهي أسباب هذا الإقصاء؟

ج- شمولية النظام السوري وديكتاتوريته منهج واضح للجميع ولطالما مارس هذا النظام سياسة القمع وتكميم الأفواه والإقصاء على مدار أكثر من ستة عقود متتالية.. جميع مكونات المجتمع السوري عانت الظلم والاضطهاد على يد النظام وتم حرمانهم من الثروات وفُرضت عليهم سياسة الإفقار والتجويع ، ومن المؤسف أن الشعب الكردي المقيم على أرضه التاريخية في روجافا وبعض المدن والبلدات السورية كان من بين أبرز المكونات التي تم تطبيق هذه السياسات ضده ومورس بحقه جميع أساليب القمع حتى وصلت إلى درجة قتل النشطاء والسياسيين، لذا من الطبيعي جدا في ظروف كهذه أن يتم إقصاء المرآة الكردية.. ففي الأساس كل المكون الكردي تم إقصاؤه وإنكار هويته، والكرد إلى الوقت الراهن يتم التعريف بهم على أنهم مواطنون عرب الى جانب أن أعداد كبيرة منهم تم حرمانهم حتى من ذلك وتم اعتبارهم أجانب في بلدهم، وبالتالي ليس غريبا في ظروف كهذه أن يتم إقصاء المرآة الكردية وتهميش دورها لأن النظام القائم يعتمد على الذهنية السلطوية الذكورية.

س- في أدبيات الأكراد اهتمام كبير بالمرأة، على غرار اعتماد مادة علم المرأة التي أنشأها القائد أوجلان ، كفلسفة اجتماعية لمواجهة الظلم الذي تتعرض له المرأة بالشرق الأوسط.. ما سرّ ذلك؟

ج- الشعب الكردي شعب له إرث ثقافي يمتد عبر ألاف السنين وطبيعة هذا الشعب تختلف عن معظم شعوب المنطقة ولاسيما في تركيبته الاجتماعية وعلاقاته، وقد ظلت لموضوع التحرر الجنسوي داخل المجتمع الكردي مكانة خاصة مختلفة عن بقية المجتمعات، والمرأة الكردية وبالرغم من تعرضها للاضطهاد والقمع من قبل السلطات والنظام الذكوري في المجتمع إلا أنها كانت بمقياس أقل مما تتعرض لها بقية النسوة في مجتمعاتهن ولكن تم الاعتماد في معظم الأدبيات الكردية على المرآة كعنصر فعال في بناء المجتمع والنهوض به لذا كان ولايزال تركيز معظم الأدبيات والفلسفات الكردية على هذه النقطة بالذات ،فما يركز عليه علم المرأة(جينولوجيا)هو بالأساس هذه النقطة التي تسعى إلى نشر ثقافة التحرر الجنسوي وعدم إقصاء المرأة ودورها في بناء المجتمع وتطويرها، فإذا ما قلنا إن الحلقة الأولى من المجتمع هي العائلة التي تشرف على تربيتها المرآة فإن المجتمع ككل يتم تأهيله بريادة المرأة الحرة، والعكس صحيح.

س- “تحرير الوطن يبدأ بتحرير المرأة” تلك مقولة أوجلان .. تتفقين مع هذه المقولة؟

ج- مثلما وضحت في الإجابة السابقة فإن المرأة تتحمل المسؤولية الأبرز في تأهيل العائلة ومن ثم المجتمع، لذا فإننا إذا مادققنا في هذه الجزئية فإن أي عملية تحرر يجب أن تكون بداية في التحرر الجنسوي وقتل مفاهيم السلطوية داخل مجتمعاتنا ومحاربتها وحينها فقط يمكن الوصول الى مجتمع حر ووطن متحرر.

س – تداخلت الأجندات الإقليمية والدولية في شمال شرقي سورية، فتحولت المنطقة إلى ساحة صدام، وزحفت الجيوش المتقاتلة من عدة اتجاهات ليتفجّر الوضع بالطريقة التي هو عليها اليوم.. من يتحمّل مسؤولية ذلك، وماهو دور الإدارة الذاتية في التصدي للصدام الذي فجّر الجغرافيا والهويات التي طالما تعايشت مع بعضها البعض؟

ج- بطبيعة الحال النظام السوري يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عما جرى ولا يزال في سورية، فذهنية النظام القمعية والديكتاتورية والرافضة لمنح الحريات أوصلت سورية إلى ماهي عليه اليوم وفتحت المجال أمام جميع القوى للتدخل وتحويل الصراع لمصالحها وعلى رأسها بعض القوى الإقليمية كـ تركيا وإيران.

-هذا الصراع الذي أنتجته ذهنية النظام زاد حدّةً بتحول بعض أقطاب المعارضة إلى أدوات في أيدي القوى الإقليمية وتكريسهم لمحاربة الإدارة الذاتية مثلما شاهدنا في كل من عفرين وسرى كانيه وكرى سبي باحتلال تركيا لهذه المناطق معتمدة على مرتزقة سوريين وبدعم وشرعنة من الائتلاف السوري.. بالنسبة للإدارة الذاتية عملت منذ بداية تأسيسها على حماية المجتمع السوري من الانقسام والهجمات الإرهابية واستطاعت وبكل جدارة التصدي للإرهاب المتمثل بـ”داعش” و”النصرة” وما إلى هنالك من تنظيمات وفصائل متطرفة.. لقد كانت الادارة الذاتية ولاتزال تحمل على عاتقها مسؤولية حماية التعايش وحماية الجغرافيا السورية وهي صاحبة مشروع تحرري ديمقراطي يضمن لكل السوريين العيش بأمن وسلام وإخاء.

س – يرى خبراء أن سلاح تركيا الحالي ضد الأكراد بشمال شرقي سورية هو المياه، حيث تتحكم أنقرة بالمياه وبضخها في نهر الفرات ، وقد حذرت منظمات حقوقية من خطر ذلك على المنطقة التي تعيش الجفاف.. ماذا تريد تركيا تحديدا من شمال شرقي سورية وهي التي احتلت مناطق منها وحاربت أهلها بالمياه والقصف المستمر وهجّرتهم من مدنهم واستولت فصائلها على أراضيهم؟.. ألم يحن الوقت للتصدّي الفعلي لتصرفاتها العدوانية؟

ج- منذ بداية الثورة وإلى الآن لم توفر الدولة التركية جهدا في محاربة روجافا وشمال سورية وشرقها وهي بذلك لم تستهدف الكرد فقط بل استهدفت جميع السوريين، فالدولة التركية هي المسؤولة الأساسية عن تدمير أجزاء كبيرة من محافظتي حلب وإدلب، وهي التي مارست جميع أشكال استغلال السوريين بحيث استخدم الآلاف منهم كمرتزقة لزجهم في معاركها وحروبها الخاصة في سورية واليمن وليبيا وإقليم كردستان العراق .. تركيا حاربتنا طوال هذا العقد بشتى الوسائل وأرسلت لمحاربتنا جميع التنظيمات الارهابية وعلى رأسها” داعش” وفشلت في مساعيها واضطرت بعدها إلى التدخل المباشر واحتلال عفرين وسرى كانية وكرسبي وأجزاء أخرى من الشمال السوري كالباب وجرابلس ومارع واعزاز وإدلب .

-بعد فشل الدولة التركية في جميع خطواتها في ضرب الإدارة الذاتية ومشروعها الديمقراطي اضطرت إلى استخدام ورقة المياه كسلاح ضدنا وهي بطبيعة الحال تؤثر على حياة ملايين الأشخاص وتستخدم في ذلك حجز مياه نهري دجلة والفرات إلى جانب قطع مياه محطة علوك في سرى كانية عن أهالي مدينة الحسكة.. نحن في الادارة الذاتية كنا ولانزال نواجه المخططات التركية الساعية إلى ضرب المنطقة بكافة امكانياتنا ولكن صمت النظام والدول الإقليمية والدولية يفتح المجال أمام تركيا للاستمرار في عنجهيتها وعدوانها على شعبنا المسالم.

س – تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، “قسد” على مناطق في شمال شرقي سورية، وهي مدركة للتهديدات التركية لكنها تطلّعت مرارا إلى التهدئة والاستقرار إلا أن أنقرة ترفض الخطاب الكردي نهائيا وتعتبره مهددا لأمنها القومي بل وتسعى إلى وضع قسد في قائمة الإرهاب انطلاقا من دوافع أيديولوجية.. كيف يمكن للإدارة التعامل مع هكذا مواقف رافضة أصلا لوجودها؟

ج- للأسف الدولة التركية مستمرة في تهديداتها غير المشروعة لمناطقنا، ونحن في الإدارة الذاتية وفي قوات سوريا الديمقراطية حملنا على عاتقنا أمن وحماية هذه المنطقة مهما كان الثمن ومهما تعقدت الظروف..

– ما تزعمه تركيا من مخاوف وادعاءات في هذا المجال هي غير منطقية وغير حقيقية، فهي تدعي ذلك لتشرعن مشروعها التوسعي الاحتلالي الرامي إلى إعادة أمجاد الدولة العثمانية،وهنا أتساءل :هل هنالك كرد في ليبيا حتى تتدخل تركيا في الأزمة الليبية؟، وهل هنالك كرد في مصر أوفي اليمن يهددون الأمن القومي التركي حتى تتدخل الدولة التركية في شؤون تلك الدول؟!

-إن كل مساعي الدولة التركية هي لأسباب عدوانية توسعية وليس لها أي مبرر قانوني أو أخلاقي ولكنها تستغل الصمت الدولي والاقليمي.

س- تمدّون أياديكم للحوار الكامل مع النظام وهو رافض لذلك، برغم تشديد الإدارة على أنه لا حلّ بدون إشراكها في المفاوضات والمشاورات لاعتبارها تضم مكوّنا سوريا يقدر بـ 5 ملايين شخص، ما الحل؟

ج- لقد أوضحت في بعض الأجوبة السابقة تركيبة النظام السوري وتحدثت عن شموليته وذهنيته السلطوية التي أوصلت سورية إلى هذا الحال، ولايزال النظام السوري (المنهار أساسا) يظن في قرارة نفسه أنه قادر على العودة بسورية إلى ماقبل 2011 ليتحكم بجديد بقبضة من حديد بسورية ومكوناتها وهذا لن يحصل نهائيا.. اليوم الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا حقيقة وواقع وهي تعتبر لاعبا أساسيا في المعادلة السورية، لذا فإن أية حلول للأزمة السورية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الوضع القائم لهذه الإدارة وإلا فإن جميع الحلول المطروحة والمحاولات سيكون مصيرها الفشل كما رأينا سابقا في اجتماعات جنيف وأستانا وسوتشي.. نحن في الإدارة الذاتية منفتحون على الحوار مع جميع الأطراف ونثق تماما في أن الحل للأزمة السورية هو بيد السوريين قبل كل شيء وإلا ستظل جميع المحاولات فاشلة.

س- بعض من نادى بالثورة تحوّل إلى مليشيات ومرتزقة تقاتل لصالح توسيع الوجود التركي، حيث أصبحت هذه المجموعات في كثير من الأوقات ورقة مساومة في القضايا التي تورطت بها تركيا في ليبيا وسورية.. كيف يمكن كبح محاولات تركيا وسياسة استغلالها اللعب على التناقضات الأمريكية-الروسية؟

ج- نعم هنالك الكثير من الفصائل التي أصبحت أدوات بأيدي النظام التركي لضرب شعوب المنطقة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالطبع كان للادارة الذاتية نصيب كبير في هذا المجال ولازلنا في مواجهة مفتوحة مع هذه القوى في كل من مناطق عفرين والشهباء ومنبج وعين عيسى وتل تمر وزركان، حيث تعمل هذه الفصائل على تهديد أمن مناطقنا باستمرار انطلاقا من المناطق التي احتلوها، وهنالك حاجة ماسة لتكثيف الجهود الدولية لمواجهة المد العثماني الذي يشكل خطرا على العالم أجمع وليس علينا فقط، فاليوم الأتراك يرسلون أعدادا من “المجاهدين” لضرب الأبرياء في أوروبا كما شاهدنا في النمسا وفرنسا وعديد الدول الأوروبية والاقليمية، لذا فإن تركيا التوسعية تهدد الأمن والسلام الدوليين، ومواجهة سياساتها العدوانية بحاجة إلى تكاتف الجهود لوضع حد لها.

س- ما هي مطالب الإدارة الذاتية للموافقة على التسوية السياسية؟

ج- نحن في الإدارة الذاتية نأمل دائما في أن يكون هنالك حد لهذه التراجيديا و المأساة التي تحدث للشعب السوري، فعشرة أعوام من الحرب والنزاع كلفتنا نحن السوريين الكثير الكثير، لذا نأمل دائما أن نصل إلى حل وحدّ لهذه الأزمة ليعود الأمن والسلام إلى سورية، وهو بطبيعة الحال لايزال بعيدا نوعا ما.. بالنسبة للادارة الذاتية مطالبها واضحة وصريحة وتعتمد على إيجاد حل سلمي ضمن الدولة السورية مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الإدارة الذاتية، ومن أهم مطالبنا إنهاء الاحتلال التركي لمناطقنا في الشمال السوري ككل وتأمين عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم، وكذلك الاعتراف بالإدارة الذاتية كحالة واقعية ضمن الدستور السوري الجديد الذي يجب الاتفاق عليه.. اليوم الإدارة الذاتية تدير قرابة ثلاثين في المائة من مساحة سورية في منطقة يعيش فيها أكثر من خمسة ملايين شخص، هذه الادارة تؤمّن ألاف فرص العمل لهؤلاء المواطنين وتعمل على تأمين الخدمات لهم وتحسينها الى جانب قيامها بواجبها الأخلاقي في حماية هذه المنطقة من خطر الإرهاب والاحتلال التركي عن طريق قواها الأمنية والعسكرية وبتكاتف المجتمع معها، لذا فإن الاعتراف بهذه الإدارة هو من أهم مطالبنا .

قد يعجبك ايضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد