بين الباغوز والهول..كيف يستمر تمويل داعش ؟!

بين الحين والآخر، يظهر داعش بطريقة جديدة، رغم مرور 3 سنوات على إعلان هزيمته الجغرافية في سوريا والعراق. أساليب وطرق جديدة بدأ يستخدمها داعش في هجماته المكثفة التي تستهدف قوات سوريا الديمقراطية في الآونة الأخيرة وخاصة في منطقة دير الزور بشكل خاص وشمال وشرق سوريا بشكل عام وتتشابه مع أسلوب العصابات وقطاع الطرق في غالبيتها.

إن قدرة داعش على الاستمرار بالهجمات وبهذا الزخم الكبير، يؤكد أن مصادر تمويله والتي يستخدم فيها أسماء وهمية، تساعده على تأمين السلاح ومعدات التفجير وتنظيم تدريبات دورية لعناصره الجديدة ليكونوا على قدر كاف من استخدام أنواع وطرق جديدة ومختلفة في العمليات القتالية والهجومية.

في بداية عام 2022 الجاري، شن تنظيم داعش أكبر هجوم له بعد هزيمته الجغرافية، على سجن الصناعة في مدينة الحسكة، الذي كان يحوي قرابة 5 آلاف عنصر ذوي مراتب عالية في داعش ومن أكثر 50 هوية مختلفة حول العالم. مصادر عسكرية أكدت وقتها وبعد القبض على بعض عناصر الخلايا التي هاجمت السجن، إن داعش كان يخطط للسيطرة على حيي غويران والزهور في ضمن مدينة الحسكة، ليتمكن فيما بعد من الوصول إلى مخيم الهول شرق الحسكة، و”يحرر” العوائل الموالية له.

هذا السنياريو الذي حاول داعش فرضه على سجن في الحسكة، هيئ معها تحركاته داخل مخيم الهول 45 كم شرق مدينة الحسكة عبر نشر فكره المتطرف من خلال الدورات التي يطلق عليها بـ”الشرعية”، وجندت في سبيل ذلك المئات من النساء الداعشيات والأطفال وتدربوا على “أساليب القتل والذبح” وأيضاً تزرع “حلم الخلافة المزعومة” بداخلهم، بحسب ما أوضحت قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية، والتي نفذت قبل وقت قريب عملية “الإنسانية والأمن” في مرحلتها الثانية لردع عمليات القتل داخل المخيم التي فاقت الـ44 عملية منذ بداية العام الجاري.

ومن هنا يتضح إن التنظيم يعتمد على مصادر مادية كبيرة حتى يتمكن من تنظيم نفسه وتغيير تكتيكاته العسكرية بين الحين والآخر، والسؤال الذي يطرح بنفسه على ماذا يعتمد داعش، في ظل خسارته جغرافياً في سوريا والعراق لتمويل عملياته وعناصره؟.

وفي خضم ما نتابعه عبر الإعلام والتقارير التي ظهرت وما تابعته شخصياً، يمكننا أن نخلص هذه المصادر عبر بعض النقاط التي قد يتفق فيها معي الكثير من المتابعين للشأن السوري بشكل عام والحرب ضد داعش بشكل خاص، وهي كالآتي:

– يعتمد داعش بشكل أساسي على شبكات التهريب لجني الأموال، وخاصة مع المناطق التي تسيطر عليها تركيا في شمال سوريا، وفي هذا الإطار كشفت قوات سوريا الديمقراطية عن العديد منها، ولأن معظم ما توصلت إليه قسد عبر هذه الشبكات أشارت إلى أن المناطق الخاضعة للسيطرة التركية كان المنبع لهم، يمكننا أن نؤكد بأن تركيا كانت على دراية تامة بهذه الأعمال، كون المتعاملين مع داعش منظمين ضمن فصائل ما يسمى بـ”الجيش الوطني”.

– وزارة الخزانة الأمريكية كشفت بدورها في وقت سابق عن مصدر آخر يعتمد عليه التنظيم وهو تهريب الآثار والمخدرات وأيضاً البشر إلى أوروبا، ففي الآونة الأخيرة ازدادت شبكات تهريب “البشر” على وجه الخصوص في مناطق شمال وشرق سوريا، وأقدمت تركيا على تسهيل الطرق للخروج عبر مناطقها إلى أوروبا أو إلى مخيمات اللاجئين السوريين داخل أراضيها، كما ظهرت تحليلات أشارت بأن تركيا تقف وراء ما أطلقت عليها “قافلة النور”.

– تتحرك عناصر داعش بخفية في بعض مناطق شمال وشرق سوريا بأسماء مستعارة، معتمدة بذلك على تغيير شكلها، وهناك معلومات إن هذه العناصر تدير محال تجارية، لتموّل الخلايا وتنفيذ عمليات انتحارية ضد قوات سوريا الديمقراطية.

– تنشط حركة الخلايا داخل و محيط مخيم الهول، نظراً لوجود عدد كبير من عائلات التنظيم هناك، حيث يعتبر داعش النساء المتشددات داخل المخيم بمثابة القائمات على إنشاء جيش مسلح من الأطفال في المستقبل منظمين تحت اسم “أشبال الخلافة”، وذلك لأن داعش يحتاج في هذه الفترة إلى عدد كبير من العناصر ضمن صفوفه.

– قوات سوريا الديمقراطية تحتجز حوالي 12 ألف عنصر لداعش في عشرات السجون ومراكز الاحتجاز بمناطقها، ولا حلول في الأفق لهذه المعضلة. حيث يرى داعش في المعتقلين جيش له وإن تمكن من تحريرهم كما حاول في أوائل عام 2022 الجاري، سيضرب كل الجهود التي تحاربه منذ أعوام.

بالنظر إلى المصادر المحلية التي يعتمد عليها داعش، فأن هزيمته الكلية “صعبة” للغاية، فهو يدير خلاياه في كافة المناطق بشكل منظم وله آمال كبيرة في استرجاع عناصره وعائلاتهم من المخيمات والسجون، ويؤسس من “أشبال الخلافة” جيشاً يحارب به العالم أجمع، بالإضافة إلى وجود عدد غير قليل من الموالين لفكره المتطرف، وهذا أخطر تحدي سيواجهه العالم في المدى القريب.

وبمقارنة الأحداث التي جرت وتجري على أرض الواقع، وفي هذا التوقيت وتحرك خلايا داعش بكثافة وإرسال العربات المفخخة إلى مناطق شمال وشرق سوريا، حيث تم تفكيك سيارتين وتفجير أخرى من قبل القوات الأمنية خلال يومين فقط، يشير بأن تلك القاعدة الموالية لا زالت موجودة وتقدم الدعم.

يبدو إن مهمة داعش لم تنتهي بعد، فالدول متقاعسة مع ملف استعادة مواطنيها من السجون والمخيمات ولا تبدي أي موقف حيال خطر الأطفال الذين يعتمد عليهم داعش في المستقبل، ورغم تحذيرات ومناشدات الإدارة الذاتية والتي أكدتها التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن هذا الملف، فلا تحرك فعلي على الأرض إلى هذه اللحظة.

بالنهاية، وبحسب ما ذكرنها آنفة يسعنا القول، بأن داعش لا ينتهي إذا لم تجف مصادر تمويله أو محاربة فكره بأساليب جديدة، وهذا يحتاج إلى مشروع مشترك شامل بين المجتمع الدولي والقوات المحلية، ربما بهذه الطريقة قد تُغلق الأبواب أمام مسلحين أشد فتكاً من داعش الذي نعرفه إلى الآن.

الكاتب: آلان معيش