بين اليمن وسوريا

سوريا ابتليت بالحرب الاهلية وها هو اليمن ينزلق بسرعة الى المنحدر نفسه. حال الدولة الاولى تشبه كثيرا حال الدولة الثانية وان اختلفت التسميات والمنطلقات والظروف، فالازمة واحدة: اقتتال داخلي مفتوح على خلفيات سياسية ومذهبية تحول ساحة لصراعات الآخرين.

لا النظام هنا ولا النظام هناك عادا يجسدان فكرة الشرعية بعدما تقوضت بصورة شبه كاملة في البلدين بحدة الانقسام وتدفق الدم، ولا المعسكران المضادان هنا وهناك يمثلان ثورة بعدما كسر احلامها الارهاب المتطرف والتعصب المذهبي في سوريا وضيعت اهدافها القبلية والتبعية في اليمن.
الازمة في كلا البلدين جذرها داخلي ولكن سرعان ما صارت الدولتان ساحتين لصراع خارجي يمتزج فيه الاقليمي والدولي. وبلغة الحقائق، ايران والسعودية الاكثر انخراطا بين الدول في كلتا الازمتين. كل منهما تستقطب أنصارا وتضخ أموالا لاضعاف الاخرى وتقاتلان بالمباشر او بالوكالة هنا وهناك.
لسوريا الصدارة في الاهتمامات الايرانية، وخسارتها هناك تعني ان ما جنته من انتشار في سنوات تصدير الثورة صار في مرمى النيران، فانكسارها هناك هو انكسار لدورها المتعاظم في الاقليم من العراق الى لبنان. ولليمن الاولوية في الحسابات السعودية، فهناك يتشكل امنها المباشر. وما “عاصفة الحزم” سوى تعبير عن مستوى قلقها من انقلاب موازين القوى لغير مصلحتها في خاصرتها الجنوبية. والحضور الايراني في اليمن لا يستهدف حماية اقلية طائفية او التمركز على باب المندب بقدر ما يستهدف “المناكفة الاستراتيجية” للرياض ومشاغلتها عند حدودها لالهائها عن ميادين الصراع الاخرى في سوريا والعراق ولبنان او الى مقايضة اذا حلت ساعة التسويات.
الدول التي يفككها الاقتتال لا توحدها الا القوة او التسوية. ولعل غاية “الحزم” السعودي في اليمن اعادة توحيده بالقوة تحت جناحها على غرار ما فعلت سوريا في لبنان بعد حربه الاهلية، كي تتفرغ للمنازلة الكبرى في سوريا تحت شعار “ازمات العرب لا يحلها الا العرب”. لكن طهران لن تكف عن خلط الاوراق اليمنية ولن تدع الرياض تستريح الى ان تحصل على تسوية مرضية تثبت لحلفائها حضورا سياسيا مؤثرا والدفع نحو تسويات مماثلة في مناطق الصراع مع السعودية لانتزاع اعتراف خليجي بحقها في النقض في ازمات المنطقة.
وفي ظل هذا الاستنفار الشديد وحدة التجاذب، يبدو الحسم العسكري في اي من البلدين بعيدا وكذلك الحل السياسي. وهكذا فان طريق الجمر الذي تسير عليه سوريا منذ سنوات والذي سلكه اليمن حديثا مرشح لان يطول. اما في حال حصول مفاجأة تسمح بانتصار طرف اقليمي على الآخر او بتسوية بين الطرفين، فسيكون انتصارا على الشعبين السوري واليمني او تصفية لسيادتهما لان حصتهما في اي منهما ستكون صفراً.

 

امين قمورية

النهار