تبادل المعتقلين مع واشنطن.. هل تحذو دمشق حذو حليفتها موسكو؟

بينما أكدت روسيا، السبت، دخولها في “مناقشات” مع الولايات المتحدة، بخصوص تبادل محتمل لموقوفين لديهما، كشفت وسائل إعلام أن الإدارة الأميركية، دخلت في اتصال “مباشر” مع النظام السوري للإفراج عن المواطن الأميركي المعتقل لديها أوستن تايس.

وكشف تقرير لشبكة “سي.أن.أن”، أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن أجرى اتصالات  مع الحكومة السورية في محاولة لتأمين الإفراج عن تايس.

وقالت “سي أن أن” إن مصدرا مطلعا ومسؤولا رفيعا في الإدارة الأميركية، أكدا أنه كان هناك عدد من محاولات التواصل المباشرة، لم يحدث أي منها في دمشق، ولم تسفر حتى الآن عن أي تقدم.

وأكد المسؤول في الإدارة الاتصال المباشر، الذي كشف عنه لأول مرة موقع “مك كلاتشي”، وأشار المسؤول إلى أن هذه الاتصالات كانت ضمن أحد السبل المتعددة التي تتبعها الإدارة في محاولاتها لتحرير تايس.

فهل تحذو دمشق حذو حليفتها موسكو؟ ولماذا يحتجز نظام الأسد أجانب دون الكشف عن هوياتهم؟

في نظر المحلل الأميركي، باولو فان شيراك، فإن الأنظمة الشمولية تعمل تماما كالعصابات، إذ تحتجز مواطنين لأجل أغراض تفاوضية لاحقة”.

وفي حديث لموقع “الحرة”، كشف شيراك أن النظام السوري عمل دائما على إخفاء المعتقلين لديه لحاجته إليهم عندما تكون الفرصة سانحة، وضرب مثلا بقضية تايس التي تعود لنحو 10 أعوام.

محاولات سابقة

ليست هي المرة الأولى التي تحاول فيها واشنطن تحرير تايس من سجون النظام السوري، إذ أرسلت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، سنة 2020، مسؤولا رفيعا من البيت الأبيض، في زيارة نادرة إلى دمشق، في محاولة للحصول على مساعدة للإفراج عن تايس وعن الطبيب السوري الأميركي ماجد كمالماز، الذي فقد أثره عند نقطة أمنية عام 2017، لكن الزيارة لم تسفر عن أي نتائج معلنة، وفق وكالة الأنباء الفرنسية.

وكان الرئيس بايدن طالب، الأربعاء، النظام السوري بالإفراج عن تايس، وقال في بيان تناقلته وسائل الإعلام “نعلم على وجه اليقين أنه كان محتجزا لدى الحكومة السورية”.

قبل ذلك، كشف وزير الخارجية الروسي أن المبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الرهائن الأميركي، روجر كارستينز “مستمر في التواصل مع الحكومة السورية بالتنسيق الوثيق مع البيت الأبيض وخلية استعادة الرهائن وفريقنا هنا في وزارة الخارجية”.

المفاوضات و”شرعية” الأسد

مدير المركز السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، حذر من أن تضفي تلك المناقشات “نوعا من الشرعية على نظام بشار الأسد” مؤكدا حق كل المعتقلين في سجون النظام السوري بالعودة إلى أهاليهم.

وقال لموقع “الحرة” “كان على الدول الغربية أن تعطي ملف المعتقلين على العموم أولوية قصوى خلال أي مفاوضات مع النظام السوري”، مشيرا إلى أن عدم فعل ذلك هو من أفضى لتعنت النظام السوري وإصراره على إخفاء العدد الحقيقي للمعتقلين لديه، وبخاصة أولئك الذين يحملون جنسيات أجنبية.

وفي سياق حديثه، كشف عبد الرحمن أن أحد أعضاء المرصد السوري الذي أطلق سراحه قبل أشهر، كشف أن هناك أجانب في سجون النظام السوري يعود اعتقالهم لعشرات السنين.

وقال” ذهلنا لما قال لنا إنه التقى أردنيين معتقلين منذ أكثر من أربعين عاما”.

سر التكتم

أما السر وراء عدم إفصاح النظام السوري عن عدد المعتقلين الأجانب لديه، فيعود، بحسب عبد الرحمن، إلى “علمه بأن كثيرين قضوا تحت التعذيب، إذ لو كان أعلن عنهم ولقوا حتفهم داخل سجونه لكان الآن يدفع ثمن ذلك أمام المجتمع الدولي”.

من جانبه قال المحلل الأميركي، فان شيراك، إن الغرض من التكتم عن عدد المعتقلين، وهوياتهم وجنسياتهم، يدخل ضمن “سياسية النظام السوري منذ تأسيسه”.

وقال إن “النظام السوري يسير بمنطق العصابات، حيث يعتقل أشخاصا بعينهم ويخفيهم، ثم يخرجهم عند الحاجة ليفاوض بحياتهم مقابل بقائه”.

وشدد شيراك على أن جميع الأنظمة الشمولية تتشابه في هذه النقطة، لافتا إلى أعداد المعتقلين في كل من إيران وروسيا والصين، وسوريا التي تسير في مضمار الرؤية الروسية، ورجح احتمال أن تفضي المناقشات مع النظام السوري “إلى نوع من التوافق”.

المقابل؟

تأتي مساعي واشنطن للحصول على مساعدة من دمشق لإطلاق سراح مواطنها، في غياب أي علاقات دبلوماسية بين البلدين، وعلى وقع استمرار محاولات الولايات المتحدة عزل الأسد الذي تمكنت قواته من استعادة السيطرة على الجزء الأكبر من البلاد، بعد عقد من نزاع دامٍ أودى بحياة نحو نصف مليون شخص.

هذه المساعي ربما ستنتهي بقبول نظام الأسد التفاوض بأي مقابل، وفق شيراك، الذي يرى أن ما يبحث عنه النظام السوري “مرتبط في الحقيقة بالمرحلة التي تتم فيها المفاوضات.

وقال شيراك “ممكن أن يطلب إطلاق سراح معتقلين تابعين له في أي دولة غربية، أو حتى المال”، مشيرا إلى أن آلية عمل نظام الأسد تشبه كثيرا تلك التي تعتمدها العصابات.

وختم بالقول “لا أرى مانعا أن يقبل نظام الأسد التفاوض حول المعتقلين لديه، طالما قبلت حليفته ذلك” في إشارة إلى إعلان روسيا السبت الدخول في مفاوضات مع واشنطن بخصوص تبادل سجناء.

ومنذ بدء النزاع في سوريا عام 2011، دخل قرابة مليون شخص إلى سجون ومراكز اعتقال تابعة للنظام، بينهم أجانب، قضى نحو 105 آلاف منهم تحت التعذيب أو نتيجة ظروف اعتقال مروعة، فيما عشرات الآلاف في عداد المغيبين قسرا، وفقا لإحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبناء على هذه المعطيات، يقول المحلل السوري غسان إبراهيم إن النظام السوري الذي يعلم جيدا أن هناك من توفي تحت التعذيب من المعتقلين الأجانب “ممكن أن يفاوض وهو لا يملك حتى ما يعطيه، وغرضه في ذلك هو إضفاء الشرعية على نفسه فقط”.

وفي حديث لموقع الحرة، أشار إبراهيم إلى أن نظام الأسد “يعلم أن الدول ولا سيما الغربية، ترى فيه نظاما غير شرعي، لذلك يحاول أن يفرض عليها التعامل معه “عنوة”.

شرعية؟

“ومن الطبيعي ومن حق أي دولة أن تفاوض على حياة مواطنيها لأن مهمتها هي حمايتهم”، يقول إبراهيم، مشيرا في القوت ذاته إلى ضرورة أن يدخل ذلك ضمن نطاق عام يفضي إلى حمل نظام الأسد على إطلاق سراح جميع المعتقلين لديه بمن فيهم السوريين.

وتابع أن “التفاوض أمر طبيعي لكن لا يجب أن يفضي لإعطاء الشرعية لنظام الأسد وألا يكون ذلك على حساب الشعب السوري”.

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، نيد برايس، قد أجاب خلال مؤتمر صحفي عقده في شهر إبريل من العام الماضي، عن سؤال حول احتمالات تحول موقف الإدارة الأميركية من نظام الأسد، بالقول “سياستنا تجاه بشار الأسد لم تتغير”.

برايس ذهب أبعد من ذلك بالقول إن الأسد “ذبح شعبه، وانخرط في أعمال عنف عشوائية باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأبرياء”، مشيرا إلى أنه لم يفعل شيئا لاستعادة الشرعية التي فقدها منذ فترة طويلة.

المصدر: الحرة