تجربة اللاجئين الألمانية الكبرى

ألمانيا على وشك الولوج في تجربة اجتماعية شديدة الراديكالية. وهي التي سوف تحدد ما إذا كانت موجة اللاجئين الضخمة التي اجتاحت أوروبا العام الماضي سوف تكون نعمة أو نقمة على القارة العتيقة. لا عجب أن الأجواء البرلينية الأسطورية (والتيُيحتفى بها في النشيد الوطني غير الرسمي للمدينة القديمة والذي يحمل عنوان «برلينير لوفت») تبدو منعشة ومنشطة على نحو خاص في هذه الأيام. في الأسبوع الماضي، ناقش المجلس التشريعي الألماني القانون الجديد بشأن التكامل، وهو أول قانون يصدر في البلاد بهذا الخصوص. ويلزم القانون طالبي اللجوء بتلقي دروس في اللغة، والثقافة، والقيم الألمانية من أجل سرعة الوصول إلى سوق العمل. ولقد تعهدت الحكومة بدعم 100 ألف فرصة عمل جديدة، والكثير منها خاص ببرامج التشغيل الحكومية المؤقتة منخفضة الأجور. وسيجري تخفيف قوانين العمل في البلاد من أجل تسهيل توظيف اللاجئين. لكن الوافدين الجدد من دون وظائف سوف يتعين عليهم المكوث في البلدية المخصصة لهم أول الأمر. وأولئك الذين يرفضون الالتزام بهذه القواعد يواجهون خطر قطع الدعم عنهم. ولقد قال وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزير في تصريح مفعم بالتشاؤم «لن تكون إقامتهم جيدة هنا بأي حال». والهدف من وراء هذه التدابير الجديدة هو الحيلولة دون تكوين المجتمعات الموازية كما هو الحال في فرنسا أو بلجيكا ­ أو على غرار الغيتوهات التي انتشرت في ربوع المدن الألمانية في أعقاب وصول مئات الآلاف من العمال الضيوف الأتراك في أوائل الستينات من القرن الماضي. ولمُتبذل أية جهود لاستيعابهم أو دفعهم على التكامل مع المجتمع الألماني، وكانت قوانين الجنسية الألمانية الصارمة والتي استمر العمل وفًقا لها منذ الحرب العالمية الأولى، جعلت من الصعوبة عليهم الحصول على جواز سفر ألماني. أما اليسار الألماني فقد برر بمنتهى الرياء من مثل هذا التجاهل حينما وصفه بـ«التعددية الثقافية». أما اليمين فقد احتسب أن الوضع الراهن سوف يدفع الناس على المغادرة.

استقر كثير من الأتراك في البلاد على أي حال. والآن، هناك ما يقرب من 5.1 مليون مواطن ألماني من أصول تركية، على الرغم من أن الحكومة الألمانية تصر على مدى عقود أن بلادنا لن تكون دولة للهجرة. ولكن الغيتوهات والاغتراب الداخلي لا يزال قائًما، وفي أبريل (نيسان)، ذكر المركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي أن أكثر من 700 مقاتل أجنبي في سوريا قادمين من ألمانيا. ومع ذلك هناك أيًضا المسؤولون الحكوميون، والمشرعون، وصناع الأفلام السينمائية، والمؤلفون، ونجوم كرة القدم، والممثلون الكوميديون الذين يحملون الأسماء التركية في ألمانيا. باعتبار ذلك، وإلى جانب الأعداد الكبيرة المتدفقة من لاجئي الحرب والمهاجرين لأسباب اقتصادية من مختلف دول العالم، ومن اليهود والألمان العرقيين من دول الاتحاد السوفياتي السابق، فإنهم جميعهم قد ساهموا في تغيير وجه البلاد. التحدي القائم اليوم، رغم كل شيء، يجري على مستوى مختلف تماما، وليس بسبب حجمه فحسب. إن

اللاجئين القادمين من مناطق الحروب مثل سوريا وأفغانستان يحملون صدمات نفسية رهيبة في كثير من الأحيان. واكتساب المهارات والمعارف اللازمة للاندماج في الاقتصاد والمجتمع الألماني لن يكون أمًرا يسيًرا عليهم. إن أولئك الذين لا يمكن اعتبارهم من اللاجئين الحقيقيين يتعين إعادتهم إلى بلادهم مرة أخرى. وكانت المفاجأة الكبرى في موجة اللاجئين الكبيرة لعام 2015 هي مدى إغراق المؤسسات الألمانية، وكيف تطوع المواطنون بهدوء لمساعدة الوافدين الجدد. وكان الكثيرون منا يتوقعون أن يكون الأمر على العكس من ذلك تماما. ولكن المجتمع المدني سقط في هوة الإغراق، ويعمل الحزب الشعبوي «البديل لألمانيا» على استثمار حالة القلق والغضب واسعة النطاق. وبدأ خصوم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الإحاطة بها والبحث عن نقاط ضعفها. قال لي موظف مدني كبير في برلين مؤخًرا: «كل ذلك سوف يغير وجه ألمانيا إلى الأبد». ولكن لكي تنجح هذه التجربة، علينا أن تعزز من قدرات المجتمعات والأقاليم حتى يتحول الوافدون الجدد إلى أعضاء منتجين وسلميين في المجتمع. وسوف يتعين عليها تعزيز الروابط بين أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي السياسة الخارجية الأكثر شمولاً وقوة بالنسبة لدول الشمال الأفريقي ومنطقة الشرق الأوسط. وأخيًرا وليس ­ وفي نفس الوقت زيادة مستوى الإشراف والرقابة والمساءلة. وسوف يكون على ألمانيا أيًضا وضع آخًرا، يجب على ألمانيا أن تعمل بجد من أجل ضمان تحقيق التضامن بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وهو أمر صعب، حتى بالنسبة لدولة قوية وغنية مثل ألمانيا. ولكن الفشل الألماني سوف يكون من قبيل الكارثة المحققة على أوروبا، وعلى العلاقات الأوروبية عبر الأطلسي.

كونستانز ستيلزنمولر

الشرق الاوسط